دخل الأزهر بقوة أمس على خط أزمة الحريات في مصر وانحاز الى جانب »تكفير« رواية »وليمة لأعشاب البحر« للسوري حيدر حيدر، باعتبارها »خروجاً عما هو معلوم من الدين«، وذلك في الوقت الذي انقسم فيه حزب العمل الإسلامي المعارض، على نفسه، بعدما قاد عبر صحيفته »الشعب« الحملة على الرواية، وباتت تتنازعه الآن ثلاث قيادات، ما يعزز احتمالات حظره من جانب الحكومة، في حين كان »تجمع المثقفين المستقلين« يرفع بلاغاً ضد نفسه أمام النيابة تضامنا مع الحريات. وقد اعتبر مجمع البحوث الإسلامية التابع للأزهر في بيان وزعه مكتب الإمام الأكبر شيخ الأزهر محمد سيد طنطاوي بصفته رئيسا للمجمع، ان الرواية تشكل »خروجا عما هو معلوم من الدين«. وقام ناقدان أزهريان كلفهما المجمع بقراءة الكتاب ورفعا تقريرهما الذي يكفر الرواية الى المجمع الذي أقره أمس. وذكر التقرير ان الرواية »مليئة بالألفاظ والعبارات التي تحقر وتهين جميع المقدسات الدينية بما في ذلك ذات الله سبحانه وتعالى والرسول والقرآن الكريم واليوم الآخر، والقيم الدينية«. واستند تقرير الأزهر الى النقاط التي اعتمدتها صحيفة »الشعب« في إدانة الرواية حيث اعتبر التقرير انها »تحرض صراحة على الخروج على الشريعة الإسلامية«. كما اعتبر التقرير ان الرواية خرجت عن الآداب العامة بذكر الأعضاء الجنسية والدعوة الى الجنس غير المشروع بالاضافة الى إهانة الرواية لكل الحكام العرب ووصفهم بأقبح الألفاظ. وحمّل الأزهر وزارة الثقافة مسؤولية نشر هذه الرواية »لكونها تجاهلت القانون 103 لسنة 1961 بشأن إعادة تنظيم الأزهر والهيئات التي يشملها ولائحته التنفيذية والقوانين المتصلة بحماية حق المؤلف وتنظيم وزارة الثقافة مما قطعت فيه الجمعية العمومية لقسمي الفتوى والتشريع بمجلس الدولة بفتواها الصادرة في جلسة 3 شباط 1994 من ان الأزهر هو وحده صاحب الرأي الملزم لوزارة الثقافة في تقدير الشأن الإسلامي للترخيص أو رفض الترخيص بالمصنفات. وان شيخ الأزهر ومجمع البحوث الإسلامية وما يتبعه من إدارات هو صاحب الولاية في فحص المؤلفات والمصنفات التي تتعرض للإسلام لإبداء الرأي فيها«. وجاء قرار الأزهر مخالفا لرؤية اللجنة العلمية التي شكلها وزير الثقافة فاروق حسني والتي ذكرت في تقرير أصدرته أواخر الأسبوع الماضي ان الرواية »استندت الى نقل تجربة شيوعية في العراق وثورة إسلامية في الجزائر وانها غير مسيئة للإسلام وانه لا ضير من إعادة نشرها«. انقسام حزب العمل في هذا الوقت، شهد حزب العمل انشقاقين على الرئيس »الشرعي« إبراهيم شكري، أخذا عليه تحويل الحزب الى تنظيم إسلامي، بالرغم من إرثه الاشتراكي، بينما قال أحد قادة الإخوان المسلمين سيف الإسلام حسن البنا في مؤتمر صحافي مشترك مع شكري، ان »الديموقراطية في مصر تتعرض لمحنة شديدة« بسبب احتمال تعليق أنشطة حزب العمل، وهو الحزب الإسلامي الوحيد المرخص له. واندلعت المعركة على رئاسة »العمل«، الحزب الإسلامي الوحيد المصرّح به في مصر، أمس الأول مع عقد تجمعين كبيرين رأسهما اثنان من كبار قيادييه. وترأس التجمع الأول الذي حضره أكثر من ألف شخص عضو اللجنة المركزية، الممثل السينمائي حمدي أحمد، في مقر الحزب، في حي حدائق القبة شمالي القاهرة. واختار التجمع الذي شكل مؤتمرا استثنائيا استمر حتى قبيل منتصف الليل حمدي أحمد خلفاً للرئيس الحالي للحزب ابراهيم شكري الذي يقود الحزب منذ العام 1977. وفي الوقت نفسه، تجمع حوالى ألف شخص بقيادة عضو اللجنة المركزية أحمد إدريس، في مقر الحزب في مدينة نصر، وأعلنوه رئيسا. واتهم أنصار ادريس القيادة الحالية للحزب بتحويله الى حزب ديني والتحالف مع الاخوان المسلمين والمتطرفين. ولم يسجل أي حادث خلال تجمعي الحزب الذي أحيط مقراه بقوة أمنية كبيرة. وقد تعهد المشاركون بانتزاع مقرات الحزب من سيطرة شكري في بقية المدن المصرية. وكان لافتا للنظر ان وكالة أنباء الشرق الأوسط نقلت البيان الذي أصدره تيار حمدي أحمد والذي اتهم فيه شكري بتغيير المبادئ الاشتراكية للحزب الى الإسلام بتبني شعار »الإسلام هو الحل«. كما اتهمه بالسماح لعناصر الجماعات الإسلامية المتطرفة بالانضمام الى الحزب. وعليه بات لحزب العمل ثلاثة رؤساء، ما يمكن أن يدفع لجنة الأحزاب الرسمية الى تعليق نشاطاته، قبل أشهر من الانتخابات العامة في مصر هذا الخريف. ويمكن لهذه اللجنة عمليا ان تقرر التدخل في عمل حزب العمل، بسبب الفوضى التي تسود هذا التنظيم نتيجة التنافس الحاد على رئاسته بين ثلاثة تيارات في داخله. الى ذلك، اتهم الأمين العام للحزب عادل حسين، المقرب من إبراهيم شكري، قوى الأمن بالتدخل لتغيير قيادة الحزب. وقال حسين »انها تحركات تقوم بها قوى الأمن ولا علاقة لها بالحزب. على الدولة ألا تتدخل وألا تستخدم القوة لزعزعة الأحزاب السياسية لأن ذلك من شأنه تقويض الديموقراطية«. ووصفت القيادة »الشرعية« للحزب حركة الانشقاق بأنه »عدوان بشع ضد القانون والممارسة الديموقراطية«. وحذر عادل حسين من »ثورة شعبية« إذا أغلقت الحكومة الحزب أو الصحيفة. ووصف ما يجري بأنه »مؤامرة«. وقال ان الحملة على الرواية جاءت لأنها »أهانت كتابنا المقدس والنبي محمداً والله نفسه، وهو أمر لا يمكن أن نقبله إلا على جثتنا«. وأضاف ان المواجهة ليست بين الحزب وبين الحكومة وإنما بين الحكومة وبين من يؤمنون بالإسلام. ومن جهته، قال سيف الإسلام حسن البنا في مؤتمر صحافي مشترك مع قادة إسلاميين من حزب العمل ان »الموقف جد خطير والديموقراطية في مصر تتعرض لمحنة شديدة بينما نحن على أبواب انتخابات تشريعية«. وأكد ان »الحكومة تثير المتاعب لبعض الأحزاب الشرعية قبل الانتخابات وهذا إهدار للديموقراطية«. وحيّا سيف الإسلام، نجل مؤسس حركة الإخوان المسلمين حسن البنا »معركة حزب العمل المشرفة ضد الفساد وإسرائيل ودفاعا عن الدين«. وفي المؤتمر الصحافي نفسه، اعتبر شكري ان الحملة في الصحف الحكومية والاستيلاء على مقرات الحزب تندرج في إطار خطة منظمة من جانب الحكومة لإغلاق الحزب. المثقفون المستقلون رفع العديد من أعضاء تجمع المثقفين المصريين المستقلين بلاغا ضد أنفسهم الى النائب العام ماهر عبد الواحد أمس في القاهرة احتجاجا على الحملة ضد رموز الثقافة. ويشكل البلاغ الذي يأتي في سياق الرد على »الحملة التكفيرية« التي تقودها صحيفة »الشعب« على المثقفين المصريين، إقرارا من المثقفين الموقعين بأنهم »شركاء في ما هو منسوب إلى إبراهيم أصلان (رئيس تحرير سلسلة آفاق الكتابة التابعة لهيئة قصور الثقافة التي صدرت عنها الرواية) وحمدي أبو جليل (مدير تحرير السلسلة) بخصوص نشر الرواية«. واعتبر الموقعون أنفسهم »مشاركين في هذا الفعل بالتحريض على نشر هذه الرواية«. وبدأ التجمع بجمع التواقيع على البيان من مختلف الفئات الثقافية. ومن أبرز الموقعين عليه الروائيون رضوى عاشور وجمال الغيطاني ومحمد البساطي وعزت قمحاوي، ومن السينمائيين رضوان الكاشف والناقد إبراهيم منصور والمخرجون المسرحيون ناصر عبد المنعم وسامح مهران والشاعران إبراهيم داود وجرجس شكري وآخرون. (رويترز، أ ف ب، د ب أ، أب)