As Safir Logo
المصدر:

اسطنبول.. حلم يوم واحد

يشق طريقه وسط شوارع اسطنبول
المؤلف: عبود سارة التاريخ: 2012-10-03 رقم العدد:12299

في الخامسة إلا ربع صباحاً كان موعد الانطلاق إلى وجهة لم أكن أعرفها. سيارة الأجرة التي انتظرتني أمام المنزل انطلقت بنا على طريق المطار. بعد محاولات سابقة - وفاشلة - لمعرفة ماذا يخبئ لي حبيبي بمناسبة عيد ميلادي، كشف لي عن هديتي الأولى: كاميرا تصوير جديدة، انشغلت بها طوال الطريق إلى المطار. وقبل أن أنتهي من تفقدها، كنا قد غادرنا سيارة الأجرة لندخل إلى مطار بيروت. هناك، سلمني جواز سفري الذي كان يحتفظ به منذ أسبوعين نتيجة حيلةٍ ناجحة منه لم أعرف هدفها حتى تلك اللحظة. قطعنا حاجز الأمن العام اللبناني بسرعة، وبعده عبرنا البوابة الخاصة بالطائرة المتوجهة إلى اسطنبول. مع أول بزوغ لضوء النهار كانت الطائرة تقلع بنا نحو تركيا، مخترقة أجواء المتوسط ومحلقة فوق جزيرة قبرص. كنت أسجّل المشاهد المتتالية على الكاميرا في حين لم أكن قد استوعبت المفاجأة بعد. راحت الطائرة تحلق فوق الأراضي التركية التي تظهر فيها الجبال والبحيرات الطبيعية بوضوح من السماء. وقبل مرور ساعتين، احتلت الساحات والمباني والمدن مكان الطبيعة والجبال، إلى أن حطّينا أخيرا في مطار صبيحة غوكشن (Sabiha G?kçen) الذي سمّي تيمنا بمن يصنفها الأتراك كأول قائدة طائرة حربية في العالم، وهي واحدة من أبناء أتاتورك بالتبني. عند خروجنا من المطار، ركبنا حافلة النقل العام التي أقلتنا إلى "ميدان تقسيم"، وجهتنا التالية. ووسيلة النقل العام هذه لا تشبه الباصات في لبنان، "لا من قريب ولا من بعيد". فإلى جانب الشكل النظيف والمرتب، الباص مجهّز بالتكييف وبالانترنت المجاني. والأهم، أنه ينطلق في موعد محدد، ومن دون أن يتجاوز عدد الركاب الحد المسموح به. في الرحلة من المطار الى "ميدان تقسيم"، وهو مركز مدينة اسطنبول، تنتشر على طول الطريق المئات من المساجد بتصاميمها الهندسية التركية. لهذا السبب تحديدا، تعرف اسطنبول باسم مدينة المآذن، فضلا عن المنازل ذات السقوف المصنوعة من القرميد بألوانها المتنوعة، وكأنها لوحة فنية مرسومة على جانب الطريق. عبور جسر البوسفور الذي يصل بين قارتي آسيا وأوروبا يشعرك بأهمية المدينة الجغرافية والتاريخية. تظهر صورة أخرى للمدينة عنوانها الأبنية الشاهقة والطرقات الواسعة، وعدد كبير من الناس يقطعون الجسر بالاتجاهين. كنت قد عرفت مشهد العبور من قارة إلى أخرى في أكثر من مسلسل تركي، وتلمّست ماذا يعني أن تكون اسطنبول أكبر مدن تركيا. فالمدينة تغطي مساحة 39 مقاطعة ويقطنها نحو 13 مليون نسمة، وكانت في أحد الأيام عاصمة سلطنة تمتد على مساحة الشرق الأوسط. "ميدان تقسيم" الواقع في الجزء الأوروبي من اسطنبول يمثّل نهاية عهد السلطنة في تركيا. والنصب الجمهوري الذي يتوسطه تمثال مصطفى كمال أتاتورك، مؤسس الدولة التركية الحديثة، خير دليل على ذلك. ينتشر السياح في الساحة التي يتوسطها النصب، يلتقطون الصور بين طيور الحمام التي تغطي المكان، وبين الباعة المتجولين الذين يشوون الكستناء. يشكل الميدان مركز الحراك السياسي والطلابي في المدينة. لا يمرّ يوم من دون نشاط أو تظاهرة. نصادف أثناء تواجدنا واحدة من تلك التظاهرات التي يصر منظّموها على طابعها السلمي. من هنا أيضا، يتفرّع أهم شارع في اسطنبول، وهو "شارع الاستقلال" الذي يمتد على ثلاثة كيلومترات يمنع دخول السيارات إليها. يبدو وقع الـ"ثلاثة كيلومترات" طويلا على من لم يمر في الشارع قبلا. لكن السير وسط المباني الأثرية ومراكز التسوق والمطاعم والفنادق والسفارات والقنصليات والمعارض والمكتبات المتنوعة بين قديمة وحديثة، وشعبية وراقية، يجعل من الرحلة ممتعة وكأنها مرّت بلمح البصر. في هذا الملتقى للسيّاح، يمكن أن تشاهد تركيا بكل تاريخها وحداثتها وتنوعها. فإلى جانب الملاهي الليلية والمطاعم التراثية تجد في "استقلال" دور عبادة إسلامية ومسيحية ويهودية، وصورة لفتيات محجبات إلى جانب فتيات بملابس تكشف أكثر عن أجسادهن. لمن يحب اعتماد النقل العام، اسطنبول هي المكان المناسب تماما. "الترامواي" القديم الذي انشئ في العهد العثماني يخترق شارع الاستقلال في وسطه، وهو الشيء الآلي الوحيد الذي يسمح له بالمرور في الشارع. يوصل "الترامواي" ركابه، في نهاية الطريق، إلى محطة مترو الأنفاق التي تعد ثاني أقدم محطة في العالم بعد محطة مترو لندن. ويتصل مترو الأنفاق القديم مع شبكة "الترامواي" الحديثة التي تربط المدينة ببعضها البعض. وكل نقطة يتوقف فيها "الترامواي" هي بذاتها خوض لتجربة مختلفة ومميزة. توجهنا بعد ذلك إلى منطقة السلطان أحمد، حيث القصور والمتاحف، ولا سيما متحف آية - صوفيا الشهير. انشغلت بتصوير المآذن المرتفعة والمباني الخارجية الضخمة، والطابور الطويل من السياح الذين ينتظرون شراء بطاقات الدخول الى المتحف. في الداخل، يصيبني الذهول لروعة المشهد: من السقف الشاهق الارتفاع تتدلى ثرياتٌ مستديرة ضخمة تشكل طبقةً تشبه صحونا طائرة. ترتفع على الأعمدة لوحات ضخمة تحمل أسماء تصوِّر حقبة الفتوحات الإسلامية، لتروي مع الصلبان المعلّقة على جدران الممرات وصور السيدة العذراء المرسومة على السقف تاريخ المتحف الذي تحول من كنيسةً إلى مسجد ثم إلى متحف. وفي قلب المكان نفسه، يرتفع عرش السلطان حيث كان يجلس الصدر الأعظم وفي مقابله مهجع الحريم. لا تكتمل زيارة اسطنبول من دون المرور بالأسواق التجارية، ورغم صعوبة التواصل مع الباعة الأتراك الذين لا يتحدثون الانكليزية لتمسكهم بلغتهم، إلا أن "المفاصلة" تبقى لغة عالمية يتقنها الجميع. تناول الغداء في مطعم كان فرصة لمشاهدة قسم كبير من اسطنبول وبحرها من نقطة مرتفعة. بعدها، رحنا إلى مقهى شعبي لشرب الشاي، بينما عزف بعض الشباب الموسيقى التركية الجميلة. في نهاية النهار، كان لا بد من وداع المدينة التي تعانق قارّتين، فيها الحداثة والتمسك بالتراث والعادات القديمة، مشكلةً بذلك مزيجا متناغماً. ورغم كل ما شاهدناه وعشناه في هذا اليوم، لا تزال المدينة تحتفظ بالمزيد... فيوم واحدٌ لا يكفي لعيش سحر اسطنبول. سارة عبود

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة