أن يرتبط الفن بالجمال فهذا أمر واضح وجلي، لا سيما أن الإنسان بطبعه يميل إلى الجمال ويحبه، ويظهر مشاعره تجاه كل جميل، ومنذ القدم عبّر عنه بوسائل شتى، وتفنن في إظهار ذلك حتى ترك من الصورة والشكل والحرف، ما تقرأ من خلاله تراثَ أممٍ وثقافةَ حضارات، وتجد في صفحاتها سعياً دؤوباً في الانتقال إلى الأجمل حتى في أبسط وسائل العيش والمقتنى. وبعيداً عن الاختلافات في تعريف الفن وغايته، وأنه لنفسه أم لغيره، وما تلا ذلك من الآراء يمكننا أن نسكن للشائع وهو أنه: «التعبير الذي يتخذ مادة وسيطة، كي يعبر الفنان بها عن انفعالاته الجمالية، سواء لما يشاهده في الطبيعة أو يراه في الخيال بعين الفكر كي ينقله إلى الوجود». فالجمالية معيار، بقدر تحققها في العمل يتحقق الفن وصولاً إلى الخصوصية المتفوقة بما يجعل منه إبداعاً. الجمال ذلك الحس الفطري الذي يدّعي شرفه من هو ليس بأهله، وينكر ضده من القبح حتى من هو أهله. والجمال، أو قل الفن الجميل، من وجهة النظر الإسلامية لم يرتبط بالمظاهر الحسية وحدها، فجمال المرأة لا يجعلها مجرد أداة للإثارة والرغبة، وجمال الطبيعة ليس مجرد صورة، بل هما دالان مباشرة على ما وراء ذلك من إبداع وقدرة، خلقت فأحسنت، وأثارت الأفكار ودعت إلى التأمل. ودعوة القرآن إلى تأمل الجمال صريحة: «... ولكم فيها جمالٌ حين تريحون وحين تسرحون..»/ «ولقد جعلنا في السماء بروجاً وزيناها للناظرين»/ «أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها وزيناها». واشتهر قول النبي (ص): «.. إن الله جميل يحب الجمال..» وكان يطيل النظر إلى الماء والخضراء، ويقول: «إن أجمل الجمال: الشعر الحسن، ونغمة الصوت الحسن». وفي التأمل يكمن أحد أهم أسباب الإيمان، فإن للقيم الجمالية من التأثير في مخيلة متأملها ما يعمقه، ويجعله وسيلة للسعادة المنشودة. إن التعريفات الخاصة بالفن الإسلامي قليلة جداً، توازي قلة باحثيه، بل لم أجد تعريفاً ذا حدٍ منطقي له، حتى ذهب الشيخ محمد إبراهيم جناتي إلى القول:«إن الفن عبارة عن جوهر معنوي لا تدركه غير الروح الإنسانية الحرة من دون أن تقدر على وصفه بشكل خاص». وقد يعد ما ذهب إليه الأستاذ محمد قطب الأهم في تعريف مفهومه: «الفن هو الذي يهيئ اللقاء الكامل بين الجمال والحق، فالجمال حقيقة في هذا الكون، والحق هو ذروة الجمال، ومن هنا يلتقيان في القمة التي تلتقي عندها كل حقائق الوجود». ولو تتبعنا ما كتب في الفن إسلامياً فإننا لن نصل إلى مخالفة الفلاسفة والمفكرين الآخرين سوى من جهة المنهج، فإن الرؤية الإسلامية تلتقي مع كثير من رؤى سقراط ، ولانجر، وشيلر، وهيجل، وهيدجر، وغادامير، ولوكاس، وتلستوي، ولوكاتش، ورودان، على أن الفن ينتسب إلى غاية سامية ومنفعة، خلافاً لأفلاطون وكانت وما نادى به غوتيه، وبانفيل: «أن الفن للفن». فالرؤية الإسلامية لا تراه فناً إلا إذا حمل غاية سامية ومنفعة، ولا يكون بدون غايته السامية فناً وإن رآه بعضهم جميلاً. إن الفنون الجميلة في الإسلام محكومة من خلال توظيفها، فلو عددناها إجمالاً لوجدنا أغلبها من جهة الفقه تقع في دائرة هذا المبدأ. فما وظف منها في أمر يلامس المحرمات العامة يصبح حراماً، وإلا فهو مباح، مع ملاحظة أن عدداً من الفنون لم يكن موجوداً في العصور الإسلامية السالفة، وإن كان موجوداً فإنه لم يكن رائجاً. فالغناء يظهر من معظم فقه المذاهب الأربعة عدم حرمته لذاته بل للعناوين الخارجية، فقد نقل الغزالي في الإحياء عن الشافعي قوله: «لا أعلم أحداً من علماء الحجاز كره السماع»، وفي فقه المذاهب: «التغني من حيث كونه ترديد الصوت بالألحان مباح لا شيء فيه، ولكن قد يعرض له ما يجعله حراماً أو مكروهاً، وعلى هذا منهج تفصيل المذاهب الأربعة». والمشهور بين فقهاء الشيعة حرمة الغناء في ذاته، ويرى الشيخ الأنصاري (ت 1281هـ) أنه محرم لعنوانه، وقدم الأدلة عليه، وقد تبعه فقهاء الشيعة في القرن الماضي، ففي تحرير الوسيلة «الغناء حرام فعله وسماعه والتكسب به»، ولكون الحرمة عنوانية فقد تم تعريفه، يقول الإمام الخميني: «وليس هو مجرد تحسين الصوت، بل هو مده وترجيعه بكيفية خاصة مطربة تناسب مجالس اللهو ومحافل الطرب وآلات اللهو والملاهي»، ويقول السيد الخوئي: «الغناء حرام إذا وقع على وجه اللهو والباطل، بمعنى أن تكون الكيفية كيفية لهوية والعبرة بذلك في الصوت العرفي.. ويستثنى منه الحداء وغناء النساء في الأعراس إذا لم يضم إليه محرم آخر». أما الموسيقى والرقص فكانت الحرمة بما يصحبهما من محرم، أو استخدامهما في المحرمات المتعارفة عند أهل الباطل والفسوق، وحكمت أنواع عديدة بالحلية عند بعضهم كالموسيقى الكلاسيكية المهدئة للأعصاب والموسيقى الثورية والوطنية والتربوية. أما فنّا النحت والرسم وما عبّر عنه في الفقه بالتصوير فقد أخذ الحرمة العنوانية كذلك، لكنه اختص بنوع محدد وهو ما عبّر عنه بتصوير ذوات الأرواح عند فقهاء الشيعة، وتصوير الحيوان عند فقهاء المذاهب الأربعة، فقد اتفقوا على حرمة المجسد والمنحوت إن كان كاملاً ،وأجاز بعضهم نحت الجزء أو نحت الجسم منقوصاً بعض أعضائه، أما الرسم فقد أخذ الأحكام نفسها عند بعضهم واعتبر محللاً عند آخرين. وأما تصوير غير ذوات الأرواح والحيوان فقد أبيح عند مجمل الفقهاء من شيعة وسنة سواء أكان مجسماً أم غير مجسم. التمثيل مباح أما فن التمثيل فلا يوجد من يحرمه فهو مباح عموماً، وقد يطرأ عليه حكم آخر لاقترانه بعنوان خارجي. ومثله حكم الشعر والأدب، بل إن الإسلام شجع عليها. في الخلاصة: الفنون في الرؤية الإسلامية تدور في فلك المنهج على أساس جمالية الغاية فإن أي مفسدة تخرجه عن الغاية السامية تخرجه عن أن يكون فناً، بل يعتبر صنعة أو حرفة محرمة. ومن جهة أخرى نجد نحن أبناء مرحلة التغيير القائمة في العالم الإسلامي والعالم العربي أن هذه الفنون منتشرة، لها واقعها وأهلها، وروادها، والمتمسكون بها بطرقٍ ووسائل تعلن رفضها القاطع لتحريم هذا الفن أو ذلك الفن، بل تراها بتحررية مطلقة، وترفض حتى التقييد القائم على أساس المنهج، وتعتبر أن الحرية مجردة من القيود هي التي تعطيه هذه الجمالية وترتقي به، بل قد تجد أن منهجية الفن للفن هي أحد أسباب تحرر النفس البشرية، وقد يختلفون مع الطرح الإسلامي في تشخيص المفسدة المترتبة على فن ما. وقد يزيد الأمر حدة أن الإسلاميين في مرحلة التغيير وصلوا إلى الحكم بدءاً بإيران وحكم الفقيه ،مروراً بالعراق، وصولاً إلى توليهم في تونس ومصر مقاليد السلطة، بل صار واضحاً أن إشكالية كبرى تنشأ في خضم الواقع السياسي والاجتماعي القائم، وقد برزت في السنوات الأخيرة أصوات فقهية كسرت القيد وحررت من الفتاوى التي تمس هذه الفنون بشكل مباشر، كآراء الشيخ الغزالي والشيخ القرضاوي والسيد فضل الله، وقد استشهد بها مرشد حركة النهضة التونسية الشيخ الغنوشي في معرض حديثه عن «مشكلات الخطاب الإسلامي المعاصر». فهل يمكن أن يقوم طرح حديث باتجاه معالجة تنهض بالفن عموماً وتماشي الواقع بما لا يخالف التشريع وتشكل منفذاً تلتقي عنده جمالية الإنسان القائمة على أن الله جميل يحب الجمال، وتسمو عن مواطن النزاع إلى أطروحة متكاملة للفن الإسلامي؟ إن التجربة الإسلامية الإيرانية كانت الأقدم فهل يمكن الاستفادة منها أم لا؟ لقد قدمت نماذج مختلفة من الفن الراقي في الفنون كافة، مع التقيد بالفقه، بل تقدمت حتى على مستوى النظرية، فلم أحظ في إطار البحث عن مجموعة عالجت هذه الفنون فكراً وفقهاً سوى ما جمعه وأعده الأستاذ محمد سالار عن «الفن الإسلامي عند الإمام القائد» وتعرض فيه لأنواع الفنون من الموسيقى والغناء والتمثيل والسينما والشعر والأدب والمسرح والرسم والنحت وغيرها، وعالجها بناء لدور الرجل والمرأة فيها، بشكل يتوافق مع الشريعة والفقه. إن التجربة الفنية للإسلاميين في لبنان قدمت مثالاً في هذه المجالات، من الفرق الموسيقية وصولاً إلى الأوركسترا مروراً بأنواع الأدب ونقله إلى عالم الدراما والسينما. وإن كان كل ذلك يحتاج إلى تطوير، إلا أنه أنموذجٌ حيٌ لفنون جميلة إسلامية تلقفتها ساحة الوجود الإنساني في محيطها بكبير لهفة، وتفاعلت معها واعتبرها الوسط الثقافي اللبناني والعربي محل احترام. وفي نهاية المطاف نضع الأمر برسم الحس المسؤول في الفكر والفقه، وميدان الساحة الإنسانية الإسلامية لنصل إلى ما يرقى في هذا المجال، ويشكل علاجاً ناجعاً لمشكلة قد تكون من أخطر ما يواجهه الإسلاميون في هذه المرحلة.