ودع لبنان الرسمي والشعبي عميد حزب الكتلة الوطنية ريمون اده، في مأتم جاء حاشداً بالمشاركين فيه كما بالدلالات التي انطوى عليها. منذ الصباح، تقاطر الى منزل العميد في الصنائع المحازبون والمحبون، بعضهم يحمل صوره والبعض الاخر يحمل الذكريات، حتى اذا ما اقترب موعد التشييع، »استحقها« الجميع وارتفع »منسوب« الحزن والدموع. واذا كانت مشاركة الكتلويين وانصارهم في »الوداع الاخير« بديهية، فان ما لفت الانتباه هو الحشد الجنيلاطي الكثيف يتقدمه رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي النائب وليد جنبلاط الذي شارك في موكب التشييع على رأس وفد كبير من انصاره. وارتفعت بكثافة اعلام الحزب التقدمي الاشتراكي لتطغى على ما عداها، فيما تقدم كشاف الشباب التقدمي مسيرة المشيعين الامر الذي جعل جنبلاط يبدو شريكاً اساسياً في المناسبة. وقرابة العاشرة والنصف، انطلق موكب التشييع سيراً على الاقدام من امام منزل اده، يواكبه الالوف من المواطنين، وقطع الموكب مسافة اربعة كيلومترات قبل ان يصل الى كاتدرائية القديس جاورجيوس في وسط بيروت، حيث اقيمت الصلاة لراحة نفس الفقيد. وتوقف المشيعون لبعض الوقت امام باحة مجلس النواب في ساحة النجمة حيث اندفع حاملو النعش نحو البوابة الرئيسية للمجلس، على وقع التصفيق الحاد والموسيقى الكشفية، ثم طافوا به في المكان، وكأنهم كانوا يعيدون انتخابه نائباً.. على طريقتهم. بعد ذلك، اكمل المشيعون سيرهم، تصاحبهم الالحان الجنائزية واكاليل الورد، بينما انتدب الأرز غصنين لتمثيله كانت تحملهما احدى الفتيات. ومع اقتراب موكب التشييع من الكاتدرائية، بدأ قرع جرس الكنيسة وراح احد رجال الدين يدعو بواسطة مكبر للصوت، الجموع المحتشدة على الرصيف، الى الصلاة. ولدى الوصول الى باحة الكاتدرائية، استقبل الحضور النعش بالتصفيق الحار والنظرات العطشى، وحاولت سيدة مسنة ترفع صورة للعميد ان تنسل من بين الاجراءات الامنية لتقترب من النعش، لكن املها خاب وعادت ادراجها وهي تردد »ما خلوني«. وحين ادخل النعش الى الكاتدرائية، تدافع المشيعون خلفه، ساعين الى »التسرب« من البوابة التي بدت ضيقة في مواجهة الحشد الزاحف، وحالت التدابير التنظيمية المتخذة دون دخول الكثيرين فتوزعوا في المحيط الى جانب لافتات رفعت لتحية العميد: »لبنان يبكي رائد الحرية والسيادة والاستقلال«، »الجنوب يبكي المقاوم الاول«، »حزب الكتلة الوطنية اللبنانية يتعزى بدموع كل لبنان على عميده«. وواكبت الجموع من الخارج الصلاة على روح الفقيد ريمون اده، وكانت تتفاعل مع كل مراحل الجناز الذي ترأسه البطريرك الماروني الكاردينال نصر الله صفير. وبينما كانت التراتيل الدينية تنبعث من مكبرات الصوت ارتفعت من المسجد المجاور تلاوة لآيات قرآنية، لتتحقق بذلك مشاركة عفوية في وداع العميد. ولم تخل المناسبة من بعض »اللمسات« السياسية، وابرزها المصافحة التي تمت بين الرئيسين الياس الهراوي وسليم الحص، في اول »اتصال« بين الرجلين، بعد التوتر الذي ساد علاقتهما مؤخراً. حضر الجناز رئيس مجلس النواب نبيه بري ممثلا رئيس الجمهورية، رئيس الحكومة سليم الحص، الرئيسان السابقان للجمهورية الياس الهراوي وشارل حلو، الرؤساء حسين الحسيني ورشيد الصلح وامين الحافظ، سفير الاردن انمار الحمود ممثلا الملك الاردني، السفير البابوي ممثلا البابا يوحنا بولس الثاني، العميد الركن هشام جابر ممثلا قائد الجيش، وحشد من الوزراء والنواب الحاليين والسابقين، وشخصيات رسمية ودينية وسياسية وحزبية واجتماعية. صفير بعد تلاوة الانجيل المقدس، القى البطريرك صفير كلمة قال فيها: لو كان للفقيد الكبير العميد ريمون اده الذي نودع اليوم الوداع الاخير بأسف عميق ان يتخذ شعارا له يستهدي به في حياته، لاتخذ في اعتقادنا، شعار هذه الآية من سفر الامثال وهي: »لهاتي تهذ بالحق، وشفتاي تمقتان النفاق«. اجل قضى الفقيد الكبير حياته، وهو يسعى الى محاربة النفاق، واعلان الحق، وجلاء الحقيقة. وهذا ما جعل منه زعيما وطنيا وبرلمانيا مجليا، ورجل دولة يستجلي المستقبل ببصيرة نافذة، مما جعل له وزن رئيس للجمهورية. ولكان جلس في سدة الرئاسة الاولى، لو تزحزح، قيد انملة، عن ثوابته، او ساوم، للحظة، على مبادئه او بدل، للمحة، من اقتناعاته. ابصر النور في الاسكندرية في الخامس عشر من آذار سنة 1913 في بيت تنشق فيه نسيم الحرية، والف تحت سقفه افانين السياسة. وكانت عائلته، كالعديد من العائلات اللبنانية، ذهبت في مطلع هذا القرن الى مصر، هربا من الكابوس العثماني، وسعيا الى ازالته، بانتظار انحلال الرجل المريض، على ما وصفت به الامبراطورية العثمانية وارتقابا لفجر جديد سيطلع على لبنان والمنطقة، فجر الحرية والاستقلال والسيادة الوطنية. وهذا ما عمل في سبيله والد الفقيد المرحوم الرئيس اميل اده، بوصفه عضوا في الوفد المفاوض الذي ذهب الى مؤتمر السلم في فرساي سنة 1919 برئاسة المثلث الرحمة البطريرك الياس الحويك. وهذا ما مكنه لاحقا من تسلم سدة الرئاسة بعد شارل دباس وحبيب باشا السعد، في منتصف عهد الانتداب الفرنسي، في اواخر الثلاثينات. وفي هذه البيئة، نشأ العميد هو وشقيقه المرحوم بيار الذي اصبح لاحقا نائبا ووزيرا بارزا، وراح العميد، منذ عهد الشباب، بعد ان ورث عن المرحوم والده عمادة حزب الكتلة، يتعاطى الشأن العام، فخاض غمار السياسة، فحالفه فيه النجاح، اكثر مما خانه الحظ. وكان على اتصال دائم بمريديه الذين احبوه واخلصوا له، واعجبوا بما كان يبدي من آراء، ويتخذ من مواقف وطنية. وكان نهجه الصدق والصراحة، ولم يعلن غير ما يبطن. وقد اثبت ان السياسة ليست، كمايظنها بعضهم، خداعا ونفاقا. انها، على ما رآها المجمع المسكوني الفاتيكاني الثاني، فن شريف يعتمد الصراحة والشفافية، عملا بقول السيد المسيح: »ليكن كلامكم: نعم؟ نعم! ولا؟ لا! وما زاد على ذلك فهو من الشرير«. فقه، رحمه الله، النيابة خدمة وطنية، وتخطيطا لمستقبل مزدهر، عبر تشريع سليم، ورقابة يقظة لسياسة الحكومة. ولم تكن النيابة يوما خدمة شخصية، او وسيلة لاثراء على حساب مصلحة عامة، او حماية لتجاوزات، او تبريرا لانتهاكات تتجاهل القانون، او في احسن الاحوال، تأدية لواجب اجتماعي ارضاء لمشاعر اعتزاز بالذات. وقد عرف كيف يرفع ناخبيه الى مستواه، فاكتفوا منه بالجري في حلبة المجلس النيابي جري الفارس المجلي، ولم يطلبوا منه الوقوف الى جانبهم باستمرار في مآتم واعراس، ليجد متسعا من الوقت لاقتراح مشروع قانون، او مناقشة قضية، او بحث في المطولات عما يؤيد وجهة نظر ابداها، او يدحض ما ذهب اليه الخصوم. وهكذا كانت تلك المجموعة من القوانين التي تحمل اسمه وعناوينها: »من أين لك هذا«، و»سرية المصارف«، و»اعدام القاتل«، الى ما سوى ذلك من قوانين حاول معها الارتقاء ببلده الى مستوى ديموقراطي رفيع«. وعلى الجملة، لقد كان قائدا يعرف ما يريد والى اين سيصل ولم يرض يوما بأن يقاد الى حيث لا يدري، او لا يريد. ولهذا اثر النفي الاختياري طوال ربع قرن ظل خلاله كأنه في لبنان ومع اللبنانيين، في حياتهم اليومية، بالفكر والقلب والتوجيه والموقف. وعانى مرارة البعاد والقهر، وخيبة الامل. وعندما دقت ساعة الفرج، دقت ساعته الاخيرة، فمضى ليشهد الفرج من حيث اصبح في جوار ربه. واكب احداث لبنان منذ ما فوق نصف قرن. وكان له على كل منعطف تاريخي وقفة، من مثل اتفاق القاهرة، والاتفاق الثلاثي، واتفاق الطائف، وما عقب هذا الاخير من انتخابات نيابية، وتدابير اجرائية. وشن حملات لا هوادة فيها على انتهاك الحريات، واخضاع الاجهزة والمؤسسات للهوى السياسي، وكان يحرص على التوفيق بين اقواله وافعاله. وعندما كانت تجري رياح السياسة بما لا يشتهيه، كان يلجأ دونما تردد الى الاستقالة من المسؤولية، غير آسف على ما توليه السلطة من جاه فارغ، ومجد باطل. وعرف كيف يوثق مع جميع الاطراف اللبنانية، على اختلاف المذاهب والمشارب، اواصر الصداقة والالفة، فجسد بمسلكه العيش المشترك خير تجسيد. ولم يكن له صديق غير الحق ولبنان، ولم يكن له عدو غير الفساد والطغيان. وكانت له كتب مفتوحة مطولة وجهها الى اهل الحكم في مختلف العهود تناول فيها الاوضاع بالتحاليل والتعليل والانتقاد والتوجيه. ولكم فاخر بأنه، ابان الحروب اللبنانية، لم يسمح لمحازبيه بحمل السلاح، على الرغم من انه تعرض للاغتيال ثلاث مرات، فكان لقامته السياسية بعد وطني شامل. واذا دعا، كان الكثيرون عند دعوته الجواب، فلا عجب اذا ما اطلق عليه لقب »ضمير لبنان«. وكان، وهو في باريس، يجعل، كل احد، من غرفتيه في فندق نزله، منتدى يجمع فيه اللبنانيون واصدقاؤهم لعرض الاوضاع الراهنة في الوطن الجريح. وحمل السبع والثمانين خفافا، وهو على ما يشبه الشباب، صحة تفكير، ومرح روح، وسرعة خاطر، وبراءة نكتة. ولم يكن بعيدا عن ربه، وغالبا ما كان يؤم كنيسة سيدة لبنان في باريس حيث كان يرى في مقدمة صفوف المؤمنين. وقد نشأ في بيت ترعرع فيه عم له اصبح راهبا يسوعيا واظل والدة له تقية. ومنذ بضع سنوات اتصل بنا هاتفيا ليقول: انه يقف بيت والده في قب الياس ليكون كنيسة رعية تحمل اسم مار اميل. وهذا ما حدث في الواقع. وإنا، إذ نكبر الخسارة في العميد الكبير، نتقدم بأحر التعازي من جميع من نعوه وبخاصة من ذويه وابن شقيقه وخلفه على رأس الكتلة الوطنية، السيد كارلوس اده، ومن جميع اعضائها، ونسأل الله لهم ولجميع اللبنانيين فيض العزاء، وللراحل الكبير الذي تحنو على رفاته تربة لبنان، الراحة الكبرى في دار الخلود. الوسام بعد ذلك، قلد رئيس مجلس النواب باسم رئيس الجمهورية الراحل الكبير وسام الارز الوطني برتبة ضابط اكبر. قليموس ثم ألقى النقيب السابق للمحامين انطوان قليموس كلمة النقابة، جاءفيها: »قدر المحاماة كقدر لبنان في زمننا الرديء هذا، ان يخسر رجالاته الرجال. اليوم، توقف قلب كبير عن الخفقان، انه قلب ريمون اده ابن هذا الوطن الصغير الكبير والذي اليه اليوم يعود دون ان يكون قد غادره وفيا لتربته بعد ان ادى قسطه من العطاء والكبر من خلال عنوانين أساسيين طبعا حياته: كرامة المحاماة واستقلال الوطن. يا فقيد لبنان، لقد آمنت وآمنا معك، بأن المحاماة هي ممارسة للشهامة والكبر، وقول للحق ورفع للظلم، ومدرسة للعبر، وان الاستقلال هو تذويب للانانيات في مصلحة الوطن العليا، وليس في تذويب الوطن وتفتيته في مصلحة شخص او عائلة او حزب او عشيرة. لقد آمنت وآمنا معك، بأن كرامة المحاماة هي حريتها، وان لا حدود لها سوى التهذيب والكلام المباح، وان استقلال الوطن هو ايضا حريته حدودها السماء والضياء، وحرية الاخرين في اوطانهم. لقد آمنت وآمنا معك، بأن كرامة المحاماة تعني سيادة القانون لا شريعة الغاب وان استقلال الوطن يعني سيادة الدولة غير المجتزأة على ارض الوطن كاملة. لقد آمنت وآمنا معك، بأن كرامة المحاماة تعني الجرأة في المطالبة بحقوق الموكل كاملة دونما خوف من ظلم ظالم او قدرة قادر. وان استقلال الوطن هو المطالبة بحقوقه من مغتصبيها في الداخل والخارج دونما خوف او وهن او انحناء هامة. أيها المتطرف في حب لبنان، لقد آمنت بأن من يعتدل في دنياه يبقى حيث ولدته امه، فلا يتراجع الى الوراء ليعلم الناس امثولة بتقهقره، ولا يخطو الى الامام ليرشدهم الى محجة او مأثرة. وان من يعتدل في مناصبة الشر او مناصرة الخير لا يصرع شرا ولا ينجد خيرا. يا معلمي، يوم خطواتي الاولى في المهنة الاحب في مكتبك التراثي العريق، علمتني ان المحاماة مسؤولية وأمانة، وقيادة الأوطان مسؤولية وأمانة، وان هذه المسؤولية الامانة تتنافى والمزاجية والارتهان والوهن امام المغريات كافة. لقد علمتني ان الكف الملوث بدماء الابرياء ومال الذل لا يوجع الا صاحبه، وان النزاهة ليست شعرا او مغنى بل نمط حياة وخبز دائم لمعنى الانسانية. لقد علمتني الا اخاف ظالما بل عليه، وأن القهر يستنفد القاهر ولا يميت المقهور، وان حوار الأسياد وحده ينبت العزة والمجد وبراعم الأمل. أيها الراحل الكبير، يا عاشق الحرية كما الحبيبة. لن يفصلك الموت عنها، انها بكيانك ولدنك، وستكون خير مدافع في رحاب السماء عن قضية وطنك الجريح، على العلي القدير يدرج حلها دائرة تنفيذ الاعاجيب. فباسم حضرة نقيب واعضاء مجلس نقابة المحامين في بيروت، وباسمي الشخصي نتقبل من الديان الحكم والقدر، ونتقاسم مع عائلة اده والعميد الحبيب كارلوس الاسى العميق. فسلام لك وسلام عليك يا أعظم الراحلين حيث أنت في مملكة المجد الذي لا يزول. اسطفان وتكلم الامين العام لحزب الكتلة الوطنية ابراهيم اسطفان، قائلا: من ذرى حرمون ومحارث الفلاحين في الجنوب وارز الباروك وقمم صنين والمكمل وارز الرب والقرنة السوداء وشوح بعلبك والفيحاء يتصاعد من أعماق ضمائر اللبنانيين والاحرار في الشرق والعالم رنة اسى على غيابك ايها الراحل السيد. لقد ثرت في الحق فحررتنا، حررتنا من ذاتنا ومن الاخرين يا عميدنا. حررتنا من ذاتنا لان الانا قتلت النحل وحفرت اقدام الاصنام ولان عماء العصبية امتصت دماءنا فعاش تجار الهيكل وعاثوا بوطننا يرومونه اشلاء مبعثرة هذا الكيان الذي ارساه الاجداد على اساس الوئام والمحبة بحكمة بني معروف الموحدين، وصورة ابناء علي كرم الله وجهه بصدقهم وتفانيهم واغناه اهل السنة بالحنكة والسماحة فانضوى التاريخ في مهده منذ وعي الانسان لانسانيته حتى يومنا تحت لواء الحضارة العربية المشرقية. يا عميدنا، صوتك الصارخ في البرية المجرد إلا من سلاح الكلمة، تلك الكلمة على صدقها ونقاوتها وجرأتها ارعبت هيرودوس والكتبة والفريسيين فتسارعوا لاغتيالك مرات، سوى ان كلمتك لانها كلمة الحق كانت ملكة وستبقى، عصفت بلبنان من اقصاه الى اقصاه توقظ الضمائر، تزرع قلق الجنوب والاحتلال الاسرائيلي فإذا لبنان كله مقاوم. وماذا تفيد المعاندة، فأنت المقاوم الاول، تكسرت على اقدامك محاولات اغتيالك بقدرة قادر وسقط من ابنائك من حزبك ستة عشر شهيدا ماتوا، وشهداء احياء يموتون بتأن على هدي خطاك، كي لا يستمر انساننا عبد بدائيته وانانيته وفرديته على حساب المصلحة العامة. ألست انت من علمنا ان نشهد للمقاومة دون ريبة او تردد فنرى في حزب الله المقاومة بدافع من إيمانها بالاسلام الشريف وان افواج امل مقاومة بدافع من ايمانها بالله والوطن وان الاحزاب الوطنية تقاوم بقناعة الزود عن الكرامة الوطنية وان اشرف المقاومين هم ابناء الجنوب المسجونون في الحزام الامني والمعتقلون في سجن العدو ولا يقل عنهم شأنا المهجرون في وطنهم الصابرون على القيم وان عزم الشباب المتحفز للعطاء والشهادة هو امل لبنان الذي سيعود موحدا سيدا حرا مستقلا. هاجسك كان في اخر مقابلة لي معك قبل وفاتك بأيام مراوغة اسرائيل ومحاولتها التملص من تنفيذ القرار 425. وكان يضج في ضميرك لماذا لا يطلبون تطبيق الفصل السابع من شرعة الامم المتحدة، الا نذكر ما حصل في قانا واجتياح عام 1982 والغدر المتكرر باستمرار، كنت اسألك عن امور عديدة وكنت تجيب عن الجنوب والحرية والاستقلال والسيادة وكنت ارى فيك رجلا عائدا يوم ينفذ القرار 425، فها قد عدت ونحن نعاهدك بالقدر الذي يمكننا ان نعاهد اننا سنستمر على خطاك، مع عميدنا الاستاذ كارلوس، وسنبقى نجمع الشمل ونقدم باستمرار العطاء تلو العطاء، فيا شعب لبنان الذي احب العميد وحفظه في ضميره ومسلكه وحلمه، منك نتقدم بأصدق التعازي ونتقدم من العائلة الكريمة التي اعطت لبنان دون حساب وتستمر ايها الرفاق باسمكم اتعهد للبنان اننا مستمرون واننا بعد فترة تفكير هادئ وعميق سيكون للوطن مؤسسة سياسية تليق بالعميد الراحل فيا عميد روحك النورانية ستبقى في كل ارجاء الوطن ترفرف، لقد انعتقت من التراب ولبست ثوب الروح، لن أقول وداعا فأنت مني هاجس أبدي مستمر. طبيب العميد وروى الأمين العام المساعد للحزب الدكتور صخر سالم الطبيب الخاص للعميد الراحل ظروف الوفاة وقال: نزولا عند رغبة العميد كارلوس سأخبركم الساعات الأخيرة التي عشتها معه كطبيب وصديق، يوم عيد الفصح كان بالحمام. رن جرس الهاتف كثيرا واعتقد العميد ان هناك مخابرة من لبنان وركض للإجابة فزلت قدمه وانكسر ضلعه السادس من جهة الشمال فزرنا المستشفى وأجرينا صور الأشعة والفحوصات اللازمة، وبعد ذلك تناول الغداء كالعادة في المطعم واستمر العميد على أسبوعين في الحياة العادية وأجرى اتصالات واجتماعات مع المحازبين والأمين العام ومعي الأحد الماضي كان العميد يستعد لحضور قداس بمناسبة تولي المونسنيور سعيد شؤون كنيسة سيدة لبنان في باريس فأحس بضيق نفس فطلب مني الحضور إليه بسرعة ورأيت ان وضعه يستدعي الاستشفاء بسرعة فنقلناه الى المستشفى في ضواحي باريس، وأظهرت الفحوصات التهابا حادا في رئته اليمنى وبدأنا العلاج بصورة طارئة ورغم ذلك تفاقم وضعه الصحي وبدأ قلبه بالتعب وكذلك الكلي، ونحن في طريقنا الى المستشفى مازحنا كعادته وليلة الأحد الاثنين بقي العميد ساهرا وكنت أقول له نم ولو قليلا، وكان يجيب نم أنت فأنا أفكر في لبنان طبعا، دمعت عيوني فقال لي لا تبكي وإلا أحلتك على المجلس التأديبي، وطلبت منه أن يسمح لي بالاتصال بعائلته لكنه كان حازما برفضه، وقال لي لا أريد أن أزعج أحدا، وصباح الاثنين ساء وضعه أكثر وخاصة لجهة التنفس والقلب والكلي وألحيت عليه ان اتصل بكارلوس وقبل أخيرا ونظر إليّ وقال إذا اتصلت بكارلوس فهذا يعني اننا انتهينا وقلت له لا فأنا لا أقدر على تحمل ذلك لوحدي فأريد أن يشاركني أحد لأنهم لا يرضون بذلك فقال لي سجل عندك ان الموت لا يهمني فضميري مرتاح وعشت كثيرا وكان يجب أن أموت منذ زمن متل كمال جنبلاط ورشيد كرامي وغيرهم وأنا سأموت غدا، وقلت له ممازحا إذا حصل هذا الشيء فماذا أفعل فقال لي أريد أن أعود الى لبنان وأكون بجانب أهلي، وأسفي الوحيد انني لم أقدر على العودة حياً الى لبنان ولكن غداً أراه من فوق. كارلوس إده وحاول العميد المنتخب كارلوس بيار إده ان يلقي كلمة العائلة، ولكن تأثره الشديد حال دون ذلك فتولى أمين سر مجلس المحامين روجيه الخوري إلقاءها وقد تضمنت الآتي: في هذه اللحظة الأليمة أشكر رئيس الجمهورية الممثل بشخص دولة رئيس مجلس النواب نبيه بري ورئيس الحكومة الدكتور سليم الحص، والكاردينال نصر الله بطرس صفير وأصحاب المقامات الروحية والسياسية وكافة الفعاليات ومحبي ريمون إده. عزاؤنا ان العميد ريمون إده سيدفن الى جانب والديه وفي تراب لبنان، هذه اللحظة لحظة تأمل وصلاة وإكمال الطريق مع المحبين المخلصين. الدفن وبعدما تقبلت العائلة تعازي الحضور نقل النعش الى مدافن العائلة في رأس النبع حيث ألقى مفوض الاعلام في حزب الكتلة إيلي مشرفاني كلمة المطران بولس عقل في وداع الرئيس الراحل إميل إده والد العميد إده مع بعض التعديل، وجاء فيها: »كلمة الوداع... ما أمرها... ما أمرها. وما ارهبها وقفة... هل عليّ ان اودع الرجل الذي كنّا وكان الشعب يتهيأ لاستقباله عبر طريق الجهاد المتواصل المخلص؟ »في هذا الوداع دموع اذا جمعت حمل النعش على غواربها لا على الاكف. وفي هذا الوداع تنوحات لو التقطت تجمع لنا سفر من آلاف الجمل، ولا مرائي ارميا وحزقيال، لكنه الايجاز وفي الافواه ومن القلوب كلام لسواي. »يودعك المعهد الذي اخذت عنه العلم سلاحا والفضيلة ذخرا والذي تفتحت فيه مواهب الرجل العظيم من صرته انت في مستقبل ايامك. »فاليسوعيون، وقد الحق بهم بيتكم العريق كبيرا من كبارهم، لا يقبضون عن الناس ما فيهم من علم وفضيلة. »تودع الاوساط العلمية والعالمية. »تودعك الممالك والدول والشعوب الذين اكبروك لانهم وجدوا فيك مناضلا قوي الشكيمة نادر العزم عن الخير والجمال عن الحق والحرية. »حق لأجله ابعدت، وحرية باسمها ظلمت. »قد ودعك غبطة ابينا البطريرك وداع الأب الحنون لابنه وبكاك ونعاك خسارة فادحة على البلاد وابناء البلاد. »يودعك زملاؤك المحامون الذين كان لهم فيك حجة وإليك محجة. »تودعك الصحافة الصادقة الحرة التي اجمعت على الاعجاب بك والاحترام لك، فكرستك »ضمير لبنان«. »تودعك كتلتك الوطنية التي اقتطعتها من قلبك وزودتها بخميرة حبك ورسمت لها طريق ايمانك ودججتها بسلاح رجائك وقد قدست فيك ما عرفه الجميع عنك صائب رأي وثبات مبدأ، رجاحة عقل وبعد نظر، رقة شعور ودقة ذوق، بشاشة وجه وكرم كف، حلو حديث وجلال سحر، حسن صنيع ونبل غاية، واذ بايعوك عميدا تبوأت عمادة البلاد التي ستظل تعرف فيك اولا«. واستطرد المحامي مشرفاني: »تودعك عيلتك التي ابقيت لها اسمك شرفا وعزا وجعلت لها عملك طريقا وحقا، وخلقت بيتك على صورتك ومثالك وتركت لابن اخيك كارلوس زعامتك وامل امتك، ليكون صخرة ايمانك وصادق عزيمتك. »تودعك الأوسمة الكثيرة الرفيعة التي فخرت بصدرك فخر صدرك بها. »تودعك هذه الجماهير المتألبة حولك من كل انحاء الجبل واحياء المدينة من سائر الطوائف والطبقات مندفعة لا مدفوعة محمولة على اجنحة الحب والوفاء وسائرة في سبيل التمسك بمبادئك والتقيد بعقيدتك والاعتراف بفضلك تسمعك اقوال نواديها المبدعة المؤثرة ونغمات موسيقاها المحزنة المبكية لا تمشي وراء حي يزرق ويرزق بل امام ميت يحب ويحترم، على انها تردد اصوات انتخابها وانتخابها بتأكيد وتأييد، نعم للعميد. »وان من تخلف عن الاشتراك معها فهو اما مقعد في الاسرة او متقاعد عن حب لبنان، والقليلون الآخرون فهم من قال عنهم الرسول بولس: »اعموا عيونهم واظلموا قلوبهم«. »يودعك لبنان المقيم والمغترب وانت ابنه البار الذي بك ارتضى وهو يودع بوداعك: العلم والعمل، الفضيلة والفضل، الخلق والخلق، الشهامة والشرف، الجرأة والاقدام، العزة والكرامة، الاخلاص والتضحية، وكلها من ذلك القلب الكبير الذي احب كثيرا فألوى من ثقل ما حمل. »وارزه، وانت ارزه، يودعك ملتاعا فذهابك عنه اقتطاع لقسم من قلب لبنان وهو هو هذا الارز يجلل نعشك بالغصن الذي جاء ينحني على مثواك ويشترك في الوداع. »فإنك ايها العميد الخالد، نعشك عرشك وعروشهم نعوشهم، انت ميت حي وهم احياء اموات. »ايها الراحل الكبير، لقد كنت في حياتك العظمة والعدل وفي جهادك الالم والامل وانك في موتك المجد والخلود. تودعك الأرض وتستقبلك السماء. »اخوتي الكرام، لو كتب على هذا الضريح »قبر الرجل« لعرف الجميع ان هنا ريمون اده وهو يرقد بالرب، وسيقوم مع المسيح القائل »أنا القيامة والحياة«. معزون.. ومواقف إلى ذلك، استمر امس وامس الاول توافد المعزين الى منزل العميد ريمون اده في الصنائع، ومن أبرزهم الرئيس السابق الياس الهراوي وعدد من الوزراء والنواب، اضافة الى حشد من الشخصيات. وفي المواقف الصادرة، تعليقا على وفاة العميد، قال النائب ميشال فرعون ان العميد اده هو احد كبار الرجالات الذين رفضوا العنف ولغة السلاح على حساب الحوار والدولة، مشيرا الى انه آمن بالديموقراطية وسيادة لبنان ودولة القانون واللحمة اللبنانية. واصدر »التيار الوطني الحر« بيانا، عبر فيه عن الذهول والسخط لما نشهده من تعمد لتقزيم الراحل الكبير وتحجيم لنضال عمره، معتبرا انه ليس صحيحا ان جهاد عمره كان فقط لإخراج الاسرائيليين، لأن آخر ما لفظه كان »لا تخافوا سأشهد الانسحاب الاسرائيلي والسوري وأعود الى لبنان«. كما أبدى الحزن لوفاة العميد اده رئيس التجمع من اجل لبنان سيمون أبي رميا، وداد حلواني عن لجنة أهالي المخطوفين والمفقودين، والاب ألبير أبي عازار عن حملة »من حقنا أن نعرف«.