يعيش نظام الرئيس المصري المنتخب محمد مرسي أزمة واضحة هذه الأيام، في ظل اتهامات بأنه يعيد إنتاج سياسات النظام السابق، وعلى رأسها «التملص من الوعود الإصلاحية التي أطلقت قبيل الانتخابات»، خاصة أن الأيام المئة الأولى التي وعد فيها مرسي بتحقيق 64 خطوة إصلاحية، مر جلّها ولم يحقق سوى ثلاثة فقط من وعوده. ويبدو أن السياسة التي ارتآها النظام المصري الجديد مخرجا جيدا من الأزمة الاقتصادية التي قد تعرضه للإحراج، قد زادت شكوك منتقديه في ظل الجدل الواسع حول المفاوضات مع صندوق النقد الدولي لتقديم قرض تبلغ قيمته أربعة مليارات ونصف مليار دولار للحكومة المصرية. وفور الإعلان عن الاتفاق مع صندوق النقد الدولي، نفى المتحدث الرسمي باسم رئاسة الجمهورية ياسر علي فرض أي شروط على الحكومة المصرية للحصول على هذا القرض، خاصة مع تنامي المخاوف من زيادة الديون الخارجية على مصر. ويؤكد خبراء أن قيمة القروض الخارجية في الفترة الانتقالية بلغت ستة أضعاف ما كان يقترضه مبارك سنوياً، وقد وصلت إلى ستة مليارات دولار. إلا أن كلام المتحدث الرسمي ووجه بتشكيك كبير، خاصة أنه يناقض السياسة العامة للصندوق. مصدر رسمي في وزارة المالية، تحفظ عن ذكر اسمه، اوضح، في حديث إلى «السفير»، بعض تفاصيل المفاوضات التي دارت، وما زالت تدور، بين المؤسسة الدولية والحكومة المصرية. وأكد المصدر أن القرض كان مقررا أن يبلغ ملياري دولار فقط، إلا أن الصندوق وافق على رفعه إلى أربعة مليارات دولار ونصف المليار دولار، بعدما ضمنت الحكومة بعض الاجراءات التي من المقرر أن تتضمنها الخطة الاقتصادية المنوط بوزارة المالية المصرية تقديمها للصندوق بعد فترة وجيزة. وتتضمن هذه الإجراءات، تخفيض الدعم الحكومي على قطاع المحروقات وبعض السلع الغذائية، وتقليص دور القطاع العام في إدارة المؤسسات الاقتصادية، بما يضمن تخفيض العجز في الموازنة الاقتصادية، وبالتالي تسديد القرض بفائدته (1,1 في المئة). وأضاف المصدر ان الفريق الفني في صندوق النقد عرض على الحكومة رفع قيمة القرض لتصل إلى ستة مليارات ونصف المليار شريطة أن يرفع الدعم كاملا عن المواد الغذائية والبنزين والسولار، إلا أن الحكومة اختلفت على هذه الإجراءات، التي تتناقض مع وضع الاقتصاد المصري الراكد أساساً. وكان وزير المالية المصري ممتاز السعيد، قد أعد خطة «إصلاح اقتصادي» منذ شهور، ومن المحتمل أن تقدّم إلى الصندوق في ظل المفاوضات الجارية حول القرض الحالي. وتتضمن الخطة إعادة هيكلة الدعم الحكومي، بما يضمن تقليص الدعم على بعض السلع الأساسية. كما تتضمن زيادة وتيرة الخصخصة، وتعديل القاعدة الضريبية وإلغاء إعفاء محدودي الدخل من تسديد الضرائب، وزيادة حدّ الإعفاء للمستثمرين الكبار بهدف تشجيعهم على الالتزام بالدفع وإبعادهم عن التهرب من الضريبة. على الجانب الآخر، أثارت خطوة الحكومة المصرية هذه استهجان الخبراء والباحثين الاقتصاديين. وهم اتفقوا على أن طبيعة صندوق النقد الدولي «مصيدة تدس السم في العسل للدول المتعثرة لإجبارها على اتباع سياسات اقتصادية واجتماعية تفاقم أزماتها»، خاصة أن مصر تمر في مرحلة انتقالية تساهم في تشكيل ملامح النظام الاقتصادي لسنوات مقبلة. وشككت الباحثة الاقتصادية سلمى حسين، في ندوة عقدت في القاهرة، في كلام الرئاسة حول عدم وجود شروط لصندوق النقد لإقراض الحكومة المصرية هذا المبلغ، مؤكدة أن هذا يتناقض مع سياسة الصندوق. وأشارت حسين إلى أن تجربة صندوق النقد الدولي في التعاون مع الحكومة المصرية تؤكد ذلك، مذكرة بواقعة «إجبار الحكومة المصرية في أوائل التسعينيات على المشاركة في حرب الخليج، بما سمح بدخول القواعد العسكرية الأميركية إلى الخليج، في مقابل إسقاط جزء من ديون مصر لصندوق النقد الدولي».