يعيد التاريخ نفسه بالنسبة لـ«الحزب العربي الديموقراطي»، فالحزب الذي وقف بزعامة النائب الأسبق علي عيد الى جانب الرئيس حافظ الأسد في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي وواجه حلفاء «منظمة التحرير الفلسطينية» في طرابلس، يقف اليوم بزعامة رفعت علي عيد الى جانب الرئيس بشار حافظ الأسد ويواجه حلفاء المعارضة السورية. يشير هذا التاريخ بوضوح الى أن الصراع بين جبل محسن والتبانة ومحيطها لم يكن في يوم من الأيام صراعا مذهبيا وإن حاول بعض المستفيدين من أصحاب المشاريع إعطائه هذا الطابع، بل هو حمل منذ انطلاقته قبل نحو أربعة عقود وجهة أساسية للصراع بين من هم مع النظام في سوريا وبين من هم ضده. أدى شعور العلويين بالتهميش الناتج عن عدم اعتراف الدولة اللبنانية بهم، وحرمانهم من الدخول الى سلك الدولة سواء المدني منه أو العسكري، الى قيام نخبة من مثقفي الطائفة في العام 1973 بتأسيس أول حركة مطلبية في تاريخها تنادي بحقوق العلويين، حملت اسم «حركة الشباب العلوي». وانطلقت الحركة آنذاك بدعم من الرئيس سليمان فرنجية ومن الامام المغيب السيد موسى الصدر الذي أوصى باحتساب العلويين من حصة الشيعة في الوظائف الرسمية، وبانشاء المجلس الاسلامي العلوي والمحكمة الجعفرية الناظرة في قضايا الطائفة العلوية، لكن هذه التوصية لم تجد طريقها الى التنفيذ لدى الدولة اللبنانية. مع بداية الحرب اللبنانية بدأ الخلاف بين الرئيس حافظ الأسد وياسر عرفات ينعكس توترات أمنية في التبانة، خصوصا بعدما حسمت «حركة الشباب العلوي» بزعامة علي عيد خيارها بالوقوف الى جانب الأسد، واتخذت الحالة الشعبية الناشطة في التبانة ومحيطها خيارها بدعم الثورة الفلسطينية. وقد ترجم ذلك في العام 1976 بقيام «الجيش العربي» الذي كان يضم الأحزاب المتحالفة مع المنظمة باقتحام جبل محسن واحتلاله بالكامل، وتدمير منزل علي عيد، لكن ذلك لم يدم طويلا، حيث شهدت طرابلس بعد أشهر قليلة دخول الجيش السوري اليها تحت اسم «قوات الردع العربية» الذي تمركز في كل أنحاء المدينة ومن بينها التبانة وجبل محسن. في تلك الحقبة استعاد علي عيد حضوره وقوته، فأسس في العام 1978 «جبهة المواجهة الوطنية» متلافيا إعطائها أي صبغة طائفية أو مذهبية، فضمت آنذاك النائب السابق طلال المرعبي، والطرابلسي راشد المقدم وعدد من الشخصيات المسيحية. وقد عملت هذه الجبهة تحت المظلة السورية حتى بداية الثمانينيات حين انفصل عنها طلال المرعبي غداة انتخاب بشير الجميل رئيسا للجمهورية ما أدى الى انفراط عقدها. وخلال تلك الحقبة أيضا، وجد علي عيد الذي توطدت صداقته مع النظام في سوريا وتحديدا مع رفعت الأسد (شقيق الرئيس حافظ الأسد)، أنه لا بد من إيجاد قوة عسكرية للطائفة على غرار الأجنحة العسكرية للأحزاب اللبنانية القائمة. وغداة الاجتياح الاسرائيلي في العام 1982، شكّل علي عيد بدعم مباشر من رفعت الأسد فصيلا مسلحا باسم «الفرسان الحمر» وأتبع ذلك بالتعاون مع بعض الشخصيات العلوية تأسيس «الحزب العربي الديموقراطي» وتحول فصيل «الفرسان الحمر» الى ذراع عسكرية للحزب الناشئ. في المقابل، كانت التبانة تشهد تناميا مطردا لحركة المقاومة الشعبية بزعامة خليل عكاوي (أبو عربي) بدعم من منظمة التحرير، قبل أن يلتحق الأخير بـ«حركة التوحيد الاسلامي»، ومن ثم يؤسس «هيئة لجان الأحياء والمساجد». وخاض «الحزب العربي الديموقراطي» الذي تمركز في جبل محسن، حروبا ومعارك عنيفة مع مناطق التبانة والقبة بكل فصائلها واتجاهاتها، وبدأت خطوط التماس منذ العام 1983 تفرض نفسها بين المنطقتين اللتين دمرتا بشكل شبه كامل بفعل جولات العنف المتلاحقة التي كانت عبارة عن تبادل رسائل بين النظام السوري ومنظمة التحرير. استمر الأمر كذلك حتى المعركة الفاصلة التي حصلت في 15 أيلول 1985 عندما خاض الجيش السوري حربا ضارية استمرت شهرا كاملا وأسفرت عن الاطاحة بسيطرة «حركة التوحيد الاسلامي» بقيادة الراحل الشيخ سعيد شعبان على طرابلس. بعد اغتيال خليل عكاوي في 9 شباط 1986، ودخول الجيش السوري الى التبانة وقتل وتوقيف بعض كوادرها وهروب البعض الآخر، وما تلى ذلك من مجزرة ذهب ضحيتها العشرات من أبناء المنطقة، خضعت طرابلس لسلطة القيادة السورية التي اتخذت من محلة «الأميركان» في جبل محسن مقرا رئيسيا لمخابراتها، ما انعكس إيجابا على «الحزب العربي الديموقراطي» الذي خرج من جبل محسن وتمدد باتجاه طرابلس والميناء وعدد من القرى العكارية. وبعد اتفاق الطائف والاعتراف الذي حظيت به الطائفة العلوية من قبل الدولة، دخل علي عيد الندوة البرلمانية بالتعيين في العام 1991 كنائب عن طرابلس، الى جانب عبد الرحمن عبد الرحمن عن عكار. ثم انتخب عيد نائبا ضمن اللائحة الائتلافية في العام 1992، لكن ذلك لم يمنح الطائفة العلوية أي امتيازات إضافية لا على صعيد الحضور ضمن الدولة ولا الوظائف أو التعيينات، ولا على صعيد تشريع المجلس العلوي الذي لم يقرّ رسميا إلا في عهد الرئيس فؤاد السنيورة في العام 2005، ويترأسه الشيخ أسد عاصي المقرب من عائلة عيد. وقد حلّ أحمد حبوس مكان علي عيد في انتخابات العام 1996 ونال أعلى نسبة من الأصوات، واستمر حتى دورة العام 2005 عندما اختار «تيار المستقبل» النائب بدر ونوس الذي لا يزال نائبا حتى الآن، وسط اعتراض من «الحزب العربي» وأنصاره الذين يشددون في كل دورة انتخابية على تمثيلهم بمسؤول العلاقات السياسية في الحزب رفعت عيد أو من يختاره، خصوصا أن عيد نال في الانتخابات الأخيرة 97 في المئة من أصوات الطائفة العلوية. ومع خسارة أكثرية العلويين للتمثيل النيابي (بحسب ما يعتبرون)، وشعور البعض أنهم باتوا مستهدفين في طرابلس، تصدّر الحزب الواجهة السياسية للطائفة العلوية، وبدأ يطرح نفسه كمدافع وحيد عنها. وقد ترجم ذلك بوضوح في المصالحة التي عقدت في منزل المفتي مالك الشعار في ايلول 2009، من خلال إقرار الرئيس سعد الحريري والقيادات السنية المشاركة بشرعية تمثيل علي عيد للطائفة العلوية والتي أدت الى توقيع عيد على وثيقة بنود المصالحة بهذه الصفة، وبقلم الحريري. شهد الحزب ضمورا خلال فترة السلم التي عاشتها منطقة التبانة واستمرت على مدى 17 عاما، لكنه ما لبث أن عاد وخطف الأضواء مع أول جولة عنف شهدتها المنطقة عقب أحداث 7 أيار 2008، والتي أعادت فتح الجرح النازف بين المنطقــتين الذي جـــرى تسكينه العام 1986 من دون أن تعمل أي حكـــومة من الحكومات المتعاقبة على معالجته وختمه سياسيا او إنمائيا. ومع إنكفاء علي عيد، آلت مقاليد زعامة الحزب بشكل تلقائي الى نجله رفعت. وقد تجددت المعارك انطلاقا من الاتهام السياسي الذي وجهته قوى 14 آذار وعلى رأسها الحريري للنظام السوري باغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، وبعد زيارة الحريري الى سوريا في العام 2009، وتبرئته إياها من دم والده، حظيت المنطقة بهدوء استمر زهاء سنة على خلفية ما عرف بـ«توافق السين ـ سين». لكن مع سقوط هذا التوافق وإخراج الحريري من السرايا الكبيرة، واندلاع «الثورة» في سوريا، أعاد التاريخ نفسه، بتجدد المعارك بين «الحزب العـــربي» والمجموعات المسلحة المنتشرة في التبانة والداعمة لـ«الثورة السورية». نصّبت جولات العنف المتلاحقة «الحزب العربي الديموقراطي» متحدثا وحيدا باسم الطائفة العلوية، ويقول قيادي علوي مستقل إن خصوم «الحزب العربي الديموقراطي» هم الذين يدفعونه الى الواجهة، وهم الذيــن يساهمون في تنمــية دوره وحضوره، وهم الذين يمنحــونه الشرعية من خلال الاستــمرار في استهدافهم المباشر له وتعاطيــهم السلبي مع أبناء جبل محسن، وذلك بعدما أثبتت التجارب أن الحزب هو المستفيد الأكبر من ظروف كهذه.