1992 – 2001: خطف استقلالية الحركة النقابية
في 15 آذار 2001 انتخب غسان غصن رئيساً لـ«الاتحاد العمـالي العام» بطريقة تحاكي تماماً الانتخابات الهزلية في غالبية البلدان العربية. وجاء الانتخاب تتويجاً، بالمعنى السلبي طبعاً، لمرحلة مديدة من محاولات وضع اليد على الحركة النقابية والعمالية اللبنانية، ممثلة بنواتها الأصلب «الاتحاد العمالي العام». وتمتد تلك المرحلة، التي شهدت إحكام سلطتي الوصاية الخارجية وقوى الأمر الواقع سيــطرتهما عـلى أمور الدولة والمجتمع، من 8 تموز 1993، تاريخ انتخاب الياس أبو رزق رئيساً للاتحاد، وصولاً حتى آذار 2001. ومهّدت لها، بطبيعة الحال، الانهيارات البنيوية الكبرى التي رتّبتها الحرب الأهلية على الأصعدة الوطنية كافة. قبيل انتخاب غصن ترشح ابو رزق، بصفته رئيساً للاتحاد، لرئاسة مجلس إدارة «الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي». وقد جاء ترشيحه معاكساً لرغبة رئيس الجمهورية آنذاك إميل لحود الذي كان مرشحه موريس ابو ناضر. لكن ابو رزق انتخب من قبل الأكثرية الساحقة في مجلس إدارة «الضمان». إذاك، تدخل المدير العام للأمن العام جميل السيّد بواسطة الضغط المباشر على بعض النقابيين داخل مجلس الإدارة. وبنتيجة ذلك التدخل، طُرِح موضوع إعادة الانتخاب من جديد في جلسة عادية لمجلس إدارة «الضمان، بحجة ان محضر الانتخابات السابقة لم يصدق. ولأن الترهيب لم يكن هيّناً على الإطلاق، انتخب النقابيون الذين تجرعوا كأسه موريس ابو ناضر رئيساً، بعدما كانوا هم عينهم قد انتخبوا ابو رزق في المرة الأولى! ربّ سائل: ما نفع الانتقائية ههنا؟ الانتقائية في سرد هاتين الواقعتين ليست بلا دلالات تاريخية، يقول النقابي أديب أبو حبيب لـ«السفير». إذ «للمرة الثانية في تاريخ العمل النقابي يصوّت ممثلو العمال ضد انتخاب رئيس الاتحاد العمالي رئيساً لمجلس إدارة الضمان. المرة الأولى أيام كبريال الخوري، والثانية، أيام أبو رزق». كذلك، شكّل ما تقدّم ختام مرحلة مديدة من الشدّ والجذب المريرين. إذ تبخّر تماماً ذلك الحيّز من الاستقلالية الذي تمتعت به الحركة النقابية اللبنانية على امتداد تاريخها. وليس أبلغ دلالة على ذلك ان الحقبة التي أعقبت انتخاب غصن اتسمت بكونها الأشد رثاثة وتبعيّة للسلطة في تاريخ العمل النقابي اللبناني. فقد خضع الاتحاد إثرها لتحويرات بنيوية في طبيعته ووظيفته. حتى ليصحّ وصفه بعد ذاك بأنه أقرب ما يكون إلى «التجمّع الجهوي أو الملّي». أو، كي يكون الوصف أدق: الاتحاد العام لأحزاب السلطة. هذا من دون أن نغفل رجحان الكفة فيه لطرف في السلطة دون الآخر. بعبارة أخرى، غدا الاتحاد صفراً على الشمال في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية اللبنانية. بات، والحق يقال، يمثل الجميع، ما عدا من يُفترض به ان يمثّل. تدخل.. فتدخل.. فتدخل بدأت طلائع التدخل الفظ في شؤون «الاتحاد العمالي العام» في العام 1992 وتركزت أكثر فأكثر في العام 1993 قبيل انتخاب قيادة الاتحاد بقليل وأثناءها. ففي 6 أيار 1992، يقول أحد النقابيين المخضرمين لـ«السفير»، دعا الاتحاد العمالي بقيادة أنطوان بشارة إلى إضراب عام لثلاثة أيام في وجه سياسات حكومة الرئيس عمر كرامي. كانت المطالب المرفوعة «نقابية» بامتياز، لكن قيادة الاتحاد فوجئت بما لم يكن في الحسبان. دخلت على خط التحرك «أيدٍ خفية»، قصدها التخريب فحسب، يضيف النقابي. وقامت هذه الأيدي بـ«قطع الطرقات من الشمال إلى الجنوب، حيث بلغت حالات حرق الإطارات على أوتوستراد بيروت ـ طرابلس وحده حوالي 18 حالة حرق». كما «رُفِعَ شعار ضاغط في لبنان برمته عند الساعة الواحدة ظهراً يدعو إلى استقالة الحكومة، ولم يكن يمت بصلة إلى أجندة الاتحاد. وبالفعل، سقطت حكومة كرامي بعد افتعال أزمة وزارية كبيرة. وكلّف رشيد الصلح آنذاك بتكليف حكومة جديدة. وخرج الاتحاد من عملية التغيير تلك التي لم يكن له فيها ناقة أو جمل، مرتبكاً، غير فاهم حقيقة ما جرى، وماهية الدور الذي نيط به غصباً عنه في رسم معالم تلك المعمعة». طبعاً، لم يكن ذلك التدخل الأول في شؤون الاتحاد. وإنّما كان الأول من نوعه لجهة إشراك «الاتحاد العمالي» في مخططات الحكم الجديد، الهادفة إلى الإطباق على كل شاردة وواردة في البلاد. وغداة إسقاط حكومة كرامي ترك الاتحاد العمالي في مهب الريح لحوالي العام. وللخروج من هذه الدوامة من الحيرة التي لا تنتهي، دعي الاتحاد العمالي إلى انتخابات في تموز العام 1993، إبان حكومة الراحل رفيق الحريري. وكان وزير العمل وقتها البعثي السوري عبد الله الأمين. سبق الدعوة إلى الانتخابات احتدام الصراع بين الاتحاد العمالي ووزارة العمل في 2 كانون الثاني 1993. وذلك اثر إقدام الأمين على طرح مشروع لهيكلية نقابية جديدة. وخلال ندوة له أمام موظفي المصارف، هدّد الأمين الاتحاد العمالي قائلاً: إمّا ان تمشوا بهيكليتي أو سأقوم بإعطاء تراخيص لتأسيس نقابات واتحادات لكل الطوائف والمناطق. لاحقاً، نفّذ الأمين تهديده، وأكثر. طبعاً، اعتبر الاتحاد تلك الخطوة محاولة لوضع اليد على الحركة النقابية من خلال المس بحريتها واستقلاليتها، على ما يقول مستشار شؤون الاتحاد في تلك الفترة غسان صليبي في بحثه المعنون: في الاتحاد كوّة. وهو بحث يروي باسترسال ودقة وقائع تلك المرحلة وما شهدته من شدّ وجذب غير مسبوقين بين الاتحاد ووزارة العمل خصوصاً، والسلطة بأوجهها كافة عموماً. بيد أن الاتحاد، باشر، وفق صليبي، بوضع مشروعه الخاص للهيكلية النقابية في رد مباشر على نهج وزارة العمل التدخّلي. ولمّا بدأ التفاوض بينه وبين الوزارة على المشروع، قررت الأخيرة بصورة اعتباطية إنهاء التفاوض برمته، والادعاء قضائياً على رئيس الاتحاد أنطوان بشارة في مسائل تتعلق بشؤون المرفأ! الاستقلالية في مهب الريح بالعودة إلى انتخابات 1993، يلاحظ النقابي المخـضرم محــاولة حثيثة ومنظّمة من قبل السلطتين الحاكمة والمتحكمة لضرب استقلالية الاتحاد العمالي. فقد شهدت تلك الانتخابات تدخلاً سافراً في شؤون الاتحاد، حيث رشّح وزير العمل عبد الله الأمين الياس ابو رزق لرئاسة الاتحاد، بصفته رئيس «اتحاد النقابات المتحدة» ورئيس «نقــابة موظفي تلفزيون لبنان». وحيكت خطة الأمين وقتها بعـناية وتدبّر شديدين. إذ بـ«مناسبة عيد العمال دعا الأمين أعضاء المجلس التنفيذي للاتحاد إلى مقر وزارة العمل للاحتفال بالعيد. وخلال الاحتفال قلد الأمين ابو رزق الذي لم يكن عضواً في المجلس التنفيذي ميدالية تقديراً لنشاطه النقابي. هذه الخطوة عدّت بمثابة ترشيح ابو رزق لرئاسة الاتحاد. وبالفعل، أعلن ابو رزق ترشيحه بعد مدّة قصيرة. وبدأت عملية تأليف اللوائح». لكن الأمين عاد فـ«ابتعد تحت ضغوط معيّنة عن ابو رزق، مزكياً بشارة لرئاسة الاتحاد»، يقول النقابي عينه. وبنتيجة الضغوط أيضاً قرّر بشارة التخلي عن تحالفه مع كتلة اليسار. فعقد اجتماع في «الاتحاد الوطني للنقابات» تقرّر بموجبه أن يخوض الاتحاد الوطني وحلفاؤه، فضلاً عن «اتحاد النقابات العمالية للطباعة والإعلام»، المعركة في وجه أنطوان بشارة. عشية الانتخابات اتخذ التدخل صورة التشكيل المباشر للائحة بشارة، يضيف النقابي. فـ«اجتمع الأمين في مقرّه الخاص على الرملة البيضاء مع بشارة، ورتّب وإيّاه قائمة رأى إليها العالم برمته على أنها لائحة سلطة الوصاية وأدواتها المحليين». في مقابل الاجتماع المعقود في الرملة البـيضاء عقد اجتماع آخر في مقر «الاتحاد العمالي». وفي ربع الساعة الأخير تم التوصل إلى توافق استثنائي بين القوى اليسارية والليبرالية فضلاً عن الاتحادات الستة الداعمة لأبو رزق على انتخاب الأخير. وهكذا كان. إذ في اليوم التالي «نجح التحالف المستجد في فرض ابو رزق، الذي كان قبل أيام فقط مرشح السلطة، رئيساً للاتحاد العمالي بفارق صوت واحد عن بشارة. وجاء رئيس اتحاد موظفي المصارف جورج الحاج نائباً للرئيس، ورئيس اتحاد الطباعة والإعلام ياسر نعمة أميناً عاماً. وتحقق ذلك كلّه غصباً عن إرادة وزير العمل ومن يقف وراءه، في عز سطوة سلطة الوصاية. ما يعني أن البلاد كانت لا تزال تتمتع بحيز من الاستقلالية سيُعمل على خنقه ابتداء من تلك اللحظة بوتائر متسارعة وأكثر فجاجة من ذي قبل». غداة الانتخاب زار ابو رزق وزير العمل، كما شهدت العلاقة بينه وبين القصر الجمهوري تحسناً ملحوظاً. لكنها سرعان ما ساءت، بعدما باشر الاتحاد بتحرّكه المطلبي من أجل تصحيح الأجور ومكافحة غلاء المعيشة. حردان: الأمر لي إذا كانت انتخابات العام 1993 استلهمت تدخل رئيس الجمهورية أمين الجميل المباشر في انتخابات الاتحاد العمالي للعام 1983، فان دورات انتخاب هيئة مكتب الاتحاد العمالي اللاحقة ستشهد ما هو أدهى وأمرّ، خصوصاً على يد وزير العمل القومي الاجتماعي أسعد حردان. إذ ستوضع في التطبيق «نظريات» الأمين الخاصة بتفتيت واستتباع وتدمير كل موقع نقابي ومساحة لبنانية مشتركة. وكان رعاة هذه السياسة، على ما هو معروف، سلطة الوصاية أولاً وفي الأساس، ورموزها المحليين، ثانياً. وليس ظلما اختزال الأخيرين بترويكا الياس الهراوي (لاحقاً لحود) ـ نبيه بري ـ رفيق الحريري . ويطيب لأحد النقابيين اليساريين أن يضرب مثالاً على حــجم التــدخل في شؤون الاتحاد، إبان التسعينيات، يتمثّل في زيارة رئيس الجمهورية الفرنسية جاك شيراك إلى لبـنان في نيسان 1996. فـ«الزيارة التي أثارت سخط الجهاز الأمني اللبناني الســوري شهدت دعوة من قبل الاتحاد العمالي للتظاهر. كيف؟ دخل ابو رزق إلى أحد اجتــماعات المجلس التنفيذي للاتحاد مفاجئاً الجمــيع بطرحه ضــرورة التـظاهر ضد زيارة شيراك أمام البرلمان. ولما سئل عن الهدف، أجاب: كي نشكو رئيس الحكومة رفيق الحريري لشـيراك!». مهما يكن، طُوّق مــقر الاتحــاد العمالي من قبل القوى الأمنية، ما حال دون التظاهر. لاحقاً، سيعمل الحريري على خطب ودّ الاتحاد العمالي بأكثر من طريقة. إذ صارت المنحة المالية السنوية المخصصة للاتحادات النـقابية كافة والبالغة 500 مليون ليرة، تعطى حصراً للاتحـاد العــمالي، دون سواه. كما كان للراحل دور أساسي في توفير مقر جديد للاتحاد في كورنيش النهر. بعيداً من تلك الحوادث التي بات تكــرارها القـاعدة لا الاستـثناء، دعا ابو رزق إلى انتــخابات جــديدة لقيادة الاتحاد العمــالي في 24 نيــسان 1997. وقد سبق الانتخابات انضمام بعض الاتحــادات المرخص لها من قبل وزير العمل السابق عبد الله الأمين، والمحسوبة بمعظمها على «حركة أمل»، إلى الاتحاد العمالي. فخيضت معركة وقتها في وجه ما صار لاحقاً يعرف باسم تفريخ النقابات بغية تكبير حجم الهيئة الناخبة داخل الاتحاد، المكوّنة أصلاً من 22 اتحاداً. كما سبقها توثيق علاقات الحركة النقابية اللبنانية مع منظمتي العمل الدولية والعربية. على ان الانتخابات لم تمضِ على خير. إذ «مُنِعَ ابو رزق ونعمة وسواهم من أعضاء المجلس التنفيذي من دخول مقر الاتحاد العمالي القديم في بدارو لإجراء الانتخابات، بعدما كان معظمهم قد بات ليلته في مقر الاتحاد». ويكمل النقابي المخضرم، مسترجعاً بلا أدنى عناء وقائع ذلك اليوم المضحكة المبكية. بعيد هذا الترهيب أعلن ابو رزق أمام وسائل الإعلام ان الانتخابات جرت. وأنها أفضت إلى انتخابه رئيساً، والى انتخاب نعمة أميناً عاماً. لكن في غرفة أخرى في مقرّ الاتحاد كانت انتخابات موازية جارية على قدم وساق برعاية حردان. ونجم عنها انتخاب غنيم الزغبي رئيساً للاتحاد. على ان الزغبي الذي كان معروفاً بنزعته النقابية الجدية، أطلق وعداً غداة انتخابه بأنه سيعطي نفسه مهلة عام لتوحيد الاتحاد العمالي. وأعلن أنه إذا فشل في مهمته فانه سيستقيل مباشرة. وهذا ما كان. الجدير بالذكر، برأي النقابي اليساري، الذي واكب عن كثب وقائع تلك المرحلة، أن انتخابات 1997 شهدت تجاذباً بين دور كل من الجيــش وقوى الأمن. إذ وفّر الجيش الحــماية لابو رزق وفريقه، فيما وفّرت قوى الأمن الحماية للفـريق المـناهض. ولاحقاً، ادعى الاتحــاد العمالي على اليــاس ابو رزق ويـاسر نعمة بتهمة انتحال الصفة، كونهما أصرّا على شرعية الانتخابات التي أتت بهما. ما يعني أن القضاء نفسه لم يكن بمنأى عن براثن التدخل. وغداة استقالة الزغبي، قرّر المجلس التنــفيذي إجراء انتــخابات جديدة لموقع الرئيس في 30 تموز 1998. وانتخب ابو رزق رئيساً للاتحاد بوجه المرشحين جورج حرب وتوفيق ابي خليل وبعد انسحاب غسان غصن وبشارة شعيا وجوزيف يوسف. لكن المشكلة تكمن، برأي النقابي اليساري، في «قبول ابو رزق بالمجيء على رأس لائحة من خصومه السابقين، وعلى أساس تسوية نسجت خيوطها في الكواليس بين أجهزة الوصاية ورموزها المحليين». ما تقدّم يثبت، برأي النقابي عينه، أن ابو رزق كان يعيش في تناقض وتجاذب دائمين، بين نزعته السلطوية من جهة، ونزعته النقابية من جهة ثانية. وبناء على ذلك، بدا من الصعب جداً التوفيق بين متطلبات الوصول إلى السلطة بأي ثمن، وبين مقتضيات النضال النقابي الجدي. وليس أدل على ذلك النزوع المقيم، يستطرد النقابي، سوى إصرار ابو رزق على الترشح إلى الانتخابات النيابية في مرجعيون خلال العامين 1996 و2000 ضد أسعد حردان، على الرغم من كونه رئيساً للاتحاد. بعبارة أخرى، كانت «السلطة تجري في دمه كالأوكسجين». بعد العام 2000 سيتعرض ابو رزق لـ«مؤامــرة» من نــوع جديد، كونها تتخذ القانون ذريعة لمنعه من الترشح إلى رئاسة الاتحاد. إذ سيستفيق اللبنانيون على خبر إحالة موظــفي تلفــزيون لبنان ومن بينهم ابو رزق على التقاعد. وحلّت الوظيفة في التلــفزيون، بما مهّد لانتفاء الحاجة إلى نقابة لتنظيم أوضاع الموظفــين. وبالفــعل حلّت «نقابة موظفي تلفزيون لبـنان» ولم يعد أمام الــياس ابو رزق غير المغادرة إلى منزله. فلا هو نجح في المحافظة على النقابة التي يرأس، ولا نجح أيضاً في الحفاظ على وحدة واستقلالية وفاعلية «الاتحاد العمالي العام». «أصلاً قضية استنهاض الحركة النقابية لم تكن يوماً قضية شخص بمفرده. لطالما كانت وستبقى قضية بحجم بلد». يغمغم أحد النقابيين الناقمين على ما آلت إليه الأوضاع. حسن الحاف