As Safir Logo
المصدر:

في كتاب إبراهيم فضل الله المقهور يقاوم ثقافياً

من «التحدي الحضاري الغربي» إلى صراع الحضارات

المؤلف: المعوش سالم التاريخ: 2012-08-28 رقم العدد:12268

شغلت السنون العشرون الأخيرة أقلام الباحثين حول ما يجري في العلاقات الحضارية الإنسانية خصوصاً بين الشرق والغرب وبالتحديد بين العرب والغرب، مركزة على اللامنتهي في ثنائية التفاعل واللاتفاعل ولعبة التفوق والحاجة، وهو ما تمحور حوله الإصدار الجديد للباحث إبراهيم فضل الله في كتابه «التحدي الحضاري الغربي بين المثاققة والتفاعل»(الدار العصامية في بيروت). خمسة مصطلحات محوريّة في هذا الإصدار تتولى إعادة النظر في إشكالية العلاقة بين العرب والغرب، يتناولها فضل الله من منظور جديد في شبه إعادة هيكلية لتلك العلاقات التي حكمت المجموعات البشرية في العالمين، علاقات بدت فيها ثنائية التعاطي الضدّية. يسدد الكاتب خطى بحثه باتجاه إيجاد النطاقات التفاعلية بين العالمين عبر مقولتين «المثاقفة» و«التفاعل» اللتين تشكلان جوهر السعي لـ«نشد الحريّة» و«تحقيق الذات الحضاريّة»، والأخيران شرطان رئيسان لازمان وضروريان في سلك التقدم الإنساني. لكنّ المعادلة في المنظور المتجدد إلى تلك العلاقة والتي يجادلها فضل الله تبدو في خلل متواصل ناتج عن تعميق ثنائية العداء/التعاون، وكأن الميل في طرفي المعادلة لصالح التعاون بين العالمين غدا مستحيلاًَ، أو هو على الأقل قانون لا يتخلى الغربي عنه مثبتاَ عدائيته وتعاليه وادّعاء امتلاكه لثروات الشعوب وخيراتها، وأنّه المعلّم والقادر على إنتاج الخير والشر معا، ولا بديل له منهما، وإذا أوجد البديل فيكون نوعاَ من اختزال هذا الإنتاج في واحد هو الشر المتجسد في الاعتداءات الدائمة على الآخرين، وفي تحويل الحضارات إلى صدامات، والعلم إلى أداة من أدوات السيطرة حيث كانت القوى الروحية والأخلاقية تتقدم جنباَ الى جنب مع القوى المادية في بدايات التحضّر الغربي في عصر النهضة والتنوير والفلسفة الأحدث... حتى إذا وصلنا الى القرن التاسع عشر تبددت الطاقة الأخلاقية في الإنسان، بينما تزايدت الفتوحات التي قام بها العقل في الميدان المادي، وتوقفت الحضارة الغربية عن استخدام الفكر في إنشاء القيم الأخلاقية التي تناسب الواقع، وتركت هذا الواقع من دون مثل، وبدأ يسود الاعتقاد في الغرب بأن فكرة الحضارة «إنما تقوم في جوهرها على الإنجازات العلميّة والصناعيّة والفنيّة، وإنها تستطيع الوصول إلى أهدافها من دون أخلاق». يناقش فضل الله الإشكاليات بهدوء العالم بأسرار المعادلات التطوريّة الحضاريّة في سياق تاريخي واضح المعالم. فثمة تناوب على إنتاج الحضارات، حركة في الطرف الأول (العربي) وشبه جمود في الطرف الآخر (الغربي)... يوم أنتج العرب حضارة ومعرفة وعلماَ... مقرونة جميعها بالقيم، ويوم شكلت قاعدة معرفية للغرب استقاها جملة وتفصيلاً وبنى عليها أسس نهضته وثوراته العلمية، فوصلت إليه النوبة الحضارية التي شوه قسمها الأساس: القيم والأخلاق، واستباح لنفسه أن يكون مصارعاَ حضاريا من الطراز الأول: استفاد من حاجة الشعوب فباشر تدخله فيها بالقوة، واصطنع مقولة الصراع بين الحضارات، وكأن الحضارات الحقيقية تتصارع، فإذا المعنى ينقلب الى ضده، والحضارة تصبح لاحضارة ، وإذا بوفوده على الأمم بدواع غير حضارية، لذلك ينقلب التفاعل ويصبح ثنائية مثلية قوة بوجه قوة، وإقبالاً يرتدي ثوب التحديات، والثقافة تصبح وسيلة سيطرة، وثقافة المعتدى عليه تولد مقاومة في أعمق معانيها مقاومة تصبغ تاريخ العرب الحديث والمعاصر بأصباغها الوطنية، والقومية، والدينية، والإنسانية، والقيمية والحضارية، والمعرفية... تجد مسوغها في فعل الاستعمار فتكون رد فعل على فصول تعاطيه الإجرامي على ارض العرب من بدايات القرن التاسع عشر حتى يومنا هذا. إن شرعية تساؤل فضل الله تجد إجابتها في شرعية التوليد المستمر والدائم للثقافة الشعبية والمقاومة الشعبية على مختلف انتمائهما وفي الأساس لشعب صانع المعجزات ومتحدي «الحضاريين الجدد»، فرسان العولمة التي يتمناها الكاتب إنسانية وعادلة ومتعاونة بعيداَ من أفخاخ عولمة النظام الجديد، وقريباَ من ردم الهوات بين الشعوب.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة