ينتمي فيلسوفنا الصدر في كتابه »فلسفتنا« الى الطريقة العقلية، ويسعى الى تباين أولوية العقل على التجربة، بتبيان ان العقل يملك معارف ضرورية »فوق التجربة«. ويرى انه لا توجد فكرة فلسفية أو عملية لا تخضع لهذا المقياس العام. وحتى التجربة، ليست بنظره إلا أداة لتطبيق المقياس العقلي والمنطق العقلي (محمد باقر الصدر. فلسفتنا. دار المعارف للمطبوعات بيروت 1989، ص 7). كيف قدم الفيلسوف الصدر نظريته في الحكم المعرفي، قسّم الادراك الى تصور وتصديق. واعتبر ان ليس للتصور (الحد) قيمة موضوعية، لأنه لا يبرهن على وجود الشيء موضوعيا خارج الإدراك، بينما التصديق (الحكم) هو الذي يكشف الواقع الموضوعي للتصور. ويقسم الصدر المعارف التصديقية جميعا الى معارف أساسية ضرورية، لا يمكن إثبات ضرورتها أو البرهنة عليها، لمبدأ عدم التناقض، ومبدأ العلية، والمبادئ الرياضية الأولية، التي تقوم على هديها سائر المعارف والتصديقات. والحقيقة هنا، أن الإمام الصدر لا يميز بين الحكم الأفهومي Coceptuel، وهو حكم الذات العاقلة، وبين الأحكام الميتافيزيقية، والجمالية. فالحكم العقلي هو حكم احصائي، كمي، وضعي، يخضع لمبادئ الهوية والتناقض والثالث المرفوع، والقواعد العلية والسببية الظواهرية. أما الحكم الجمالي فهو حكم ذوقي، يجمع الهوية والغيرية، في ذات الشيء، ويقرن المتناقضات ويقبل بالثالث المرفوع والممتنع، ومناط هذا النوع من الحكم هو الإحساس والمخيلة. أما الحكم الميتافيزيقي فيختص بالأحكام المتعالية، وموضوعات »الفلسفة الأولى«، كالله، والنفس والعالم والوجود المحض. وحتى أحكام الذات العاقلة، هي أحكام نسبية واحتمالية تقوم على مبادئ العقل والتجربة، الذات والموضوع، الذهن والعين. كما أن مبادئ العقل المنطقي (الهوية، والتناقض والثالث المرفوع) ليست مبادئ العقل وحده، بل هي مبادئ الوجود والحركة والطبيعة. وإذا اعتبرناها مبادئ وجودية، وليست عقلية بحتة، فسنجد أنها تصير في الديمومة مبادئ نسبية، احتمالية، كوانطية، وميتافيزيقية. وهي إذن مبادئ كونية وعمومية Universals وليست فطرية. والحقيقة ان تسلسل فلسفة الإمام الصدر الإلهية يؤدي الى هذه العلاقة بين الفيزيقا والميتافيزيقا ويسعى إليها. يسعى الصدر لأن يدلل بأن المعرفة تقوم على المنطق العقلي، لا المنطق التجريبي والمنطق الديالكتيكي. فيدرس مبدأ العلية وقوانينها التي تسيطر على العالم، وما تقدمه لنا من تفسير فلسفي، على ضوء التطورات العلمية الحديثة (الفيزياء النسبية والكوانطية)، ويخلص الى التأكيد على تعاصر العلة والمعلول في مجال العلوم الذرية اللامتناهية في الصغر (الجزء الذي لا يتجزأ). وينتقل بعد ذلك الى المرحلة النهائية وهي البحث في »مراحل الصراع بين المادية والإلهية« على حد تعبيره ليصوغ مفهومه الفلسفي الإلهي للعالم في ضوء »القوانين« الفلسفية، وفي ضوء مختلف العلوم الطبيعية (والاجتماعية). ويمهد السيد الصدر لدراسته المعمقة والشاملة هذه بفصل حول المسألة الاجتماعية، يتساءل فيها عن النظام الأصلح في الحياة الاجتماعية، ويستعرض لهذا الغرض أهم المذاهب الاجتماعية، النظام الرأسمالي، النظام الاشتراكي، النظام الشيوعي، النظام الإسلامي. وهو يعتبر النظام الإسلامي النظام النموذجي لأنه يرتكز على فهم معنوي للحياة وإحساس خلقي بها، لما ينطوي عليه الإسلام من نظرة كلية كاملة، نحو الحياة والكون والاجتماع والسياسة والاقتصادية، والأخلاق، وهذه النظرة الشاملة (الشمولية) هي الوعي الإسلامي الكامل (فلسفتنا. المرجع نفسه ص 45). ان درامية المصير تجعل من المفكر الألوهي محمد باقر الصدر، »جميعة« طباقية للمفكر المادي، الشهيد حسين مروة، وقد أدرك الإمام الصدر التطورات الحديثة في الفيزياء (الكواطنية، والاحتمالية والنسبية) مستندا إلى نظرية الحركة الجوهرية عند صدر الدين الشيرازي. ومفاد هذه النظرة ان الحقيقة هي حقيقة تعلقية أو علائقية بلغة الفلسفة الحديثة. وبناءً على ذلك فليس الوجود الخارجي محكوما بمبدأ العلية، بل إنما يحكم مبدأ العلية على الوجودات التعلقية، والعلاقة بين العلة والمعلول ليست ميكانيكية، ولا ديالكتيكية تقوم على (الأطروحة والطباق والتركيب) بل هي علية متعاصرة، وهي علية تقوم على مبدأ الحركة الجوهرية، أو الحركة الكلية. ويستشهد الفيلسوف الصدر بنظرية الكوانطا التي تفيد بإمكانية تبديل المادة الى طاقة، والطاقة الى مادة، في علاقة الفيزياء بالميتافيزياء، والطبيعة بالألوهة، واستنتاجاته العلمية الصحيحة في مجال الفيزياء يوظفها في مجال الميتافيزياء (الميتافيزيقا) المدرحية. لكن الفرق بين النزعة المادية، والنزعة الإلهية، ليس في بطلان نزعة، ورجحان نزعة أخرى، وإنما في مقام الحكم العلي والسببي والعقلي والمنطقي. وفي مجال المادة الميكروفيزيائية، اللامتناهية في الصغر، يطغى ويصح الحكم الفلسفي التأملي، الميتافيزيائي. وإذا كان الشهيد حسين مروة، أصولياً في ماديته، التي تغلّب الحكم الإدراكي على الحكم الاحتمالي اللاقياسي، فإن الشهيد الصدر كان أصوليا في اختزاله للفكر الاشتراكي، إلى الشيوعية المادية، مع العلم بأن الاشتراكية هي مذهب اجتماعي اقتصادي وسياسي يقوم على أساسين هامين: أ الملكية العامة لوسائل الانتاج فتصبح ملكا للدولة أو المجتمع أو لهيئات تعاونية، أو لدولة الرعاية الاجتماعية في اقتصاد السوق. ب توزيع الثروة كل على حسب طاقته وعلى حسب عمله وإنتاجه. هل تستدعي جدلية الطبيعة ان يدحض الإلهي المادي،أو أن يفند المادي الإلهي؟ أم أن إدراك مقام الحكم ومقاله، وفصل المقال ووصله، يجعل من اعتراف الواحد بالآخر، وجهين للتعدد والاختلاف، في مجتمع تعددي، ديموقراطي، حديث؟