أثار الحكم الصادر عن محكمة الجنايات في جبل لبنان برئاسة القاضي جوزف غمرون وعضوية المستشارين خالد حمود وأحمد حمدان والذي قضى بإنزال عقوبة السجن سنة واحدة بالمتهم حسن د. (31 سنة) لإقدامه على مطارحة الغرام مع »راقصة« رومانية من دون ان يدفع لها ما وعدها به من أموال، استغراب المتابعين للشأن القضائي في لبنان على اعتبار ان من مفاعيل هكذا قرارات ان تشرع ممارسة »الراقصات« الاجنبيات للدعارة في لبنان واتفاقهن السري على البدل المادي المطلوب وحمايته بإعطائهن حق المطالبة بإنزال العقاب بمن يتخلف عن الإيفاء المادي بعدما يكون قد استوفى البدل الجسدي سلفا. وقالت المحكمة في قرارها الذي أصدرته بتاريخ 27 نيسان الاخير ان المتهم جر من سمّتها الراقصة الرومانية بالحيلة الى منزل بقاعي بعيد ومارس الجنس معها من دون ان يدفع لها ما وعدها به من مال (...) ويكون فعله كما هو موصوف أعلاه مشكلا للجناية المنصوص عليها في الفقرة الاخيرة من المادة 504 من قانون العقوبات وترى المحكمة بالنظر لظروف القضية وللإسقاط الحاصل منح المتهم أقصى الاسباب التخفيفية. وتنص المادة 504 من قانون العقوبات على الآتي: »يعاقب بالأشغال الشاقة المؤقتة من جامع شخصا غير زوجه لا يستطيع المقاومة بسبب نقص جسدي او نفسي او بسبب ما استعمل نحوه من ضروب الخداع«. تأسيسا على ذلك تبرز الاشكالية القضائية الاجتماعية وتكثر الاسئلة المحورية حول مفاعيل هكذا قرارات قضائية: هل تدرك المراجع القضائية المختصة ان علب الليل حيث تتكوكب من يطلق عليهن لقب راقصات أضحت مكانا لامتصاص دماء الشبان اللبنانيين الذين يدفع كثير منهم أثمانا باهظة لقاء تأمين رغبات الراقصات وقد أدخل كثيرون منهم الى السجون لاقترافهم جرائم مالية هدفها الأساسي تأمين موارد لإرضاء »الراقصات« الاجنبيات؟ وهل اتصل بعلم السلطات القضائية ان من يدخلن للعمل في لبنان على انهن راقصات هن في الواقع والممارسة مومسات محترفات؟ الا تشكل ممارسة الراقصات لمهنة الدعارة جريمة يعاقب عليها القانون اللبناني، وبالتالي كيف يسمح لهن بممارسة حق التقاضي بحق من لم يدفع لهن لقاء ممارسة الجنس معهن فيما يتركن هن أحرارا؟ هل يمكن اعتبار صدور احكام مماثلة لمصلحتهن تشريعا لعملهن في الدعارة السرية او الدعارة المبطنة وحماية لمصالحهن في لبنان؟ اكثر من ذلك، طالما ان الاجهزة القضائية علمت من خلال مندرجات هذه القضية ان الراقصات الاجنبيات يمارسن الدعارة السرية لقاء اتفاق مالي فلماذا لم تسارع الى توقيف هذه الراقصة الرومانية والتحقيق معها لمعرفة نشاطاتها الممنوعة ونشاطات رفيقاتها الناشطات جدا في لبنان؟ اسئلة تحتاج حتما الى أجوبة حاسمة والى معالجات سريعة والا فان الدعارة السرية تكون قد أبيحت عمليا بشرط ان تنطق بلغات اجنبية... وحتى تلك الساعة التي لن تكون قريبة تنشر »السفير« النص الحرفي للحكم الصادر في قضية الراقصة الرومانية بعدما كانت قد نشرت عنه فور صدوره ملخصا آثار الاسئلة المطروحة. باسم الشعب اللبناني ان محكمة الجنايات في جبل لبنان المؤلفة من الرئيس جوزف غمرون والمستشارين خالد حمود وأحمد حمدان بعد الاطلاع على مضبطة الاتهام الصادرة عن الهيئة الاتهامية في جبل لبنان بتاريخ 18/1/2000، وعلى ادعاء النيابة العامة في 26/1/2000، عدد /46207/، وعلى كافة الاوراق، ولدى التدقيق والمذاكرة، تبين انه أسند الى المتهم حسن. د مواليد 1969 أوقف وجاهيا في 2/12/99، الجناية المنصوص عليها في المادة /503/ق.ع. لإقدامه في منطقة جبل لبنان، وخارجها، على مضاجعة الراقصة المدعية المسقطة لورا باثري، بالعنف والتهديد بالسلاح، والظن به بالجنحة المنصوص عليها في المادة /573/ق.ع.، لإقدامه على تهديدها بالسلاح الحربي، وبالجنحة المنصوص عليها في المادة 72/ أسلحة، لحيازته على مسدس حربي غير مرخص، وبالجنحة المنصوص عليها في المادة 636/ق.ع.، لإقدامه على سرقة جهاز الراقصة الخليوي. وبنتيجة المحاكمة العلنية الوجاهية، تبين ما يلي: أولا: في الوقائع: المدعية المسقطة لورا باثري من التابعية الرومانية، وهي تعمل راقصة في ملهى كريزي هون في محلة سن الفيل، وقد تعرفت الى المتهم حسن. د وجالسته مرات عدة من خلال تردده الى ذلك الملهى. وفي المرة الاخيرة عرض عليها مرافقته لتناول الغداء في أحد مطاعم الجبل، وقد عقد العزم على خداعها، وحملها، بحجة تناول الغداء، على مرافقته الى إحدى قرى البقاع البعيدة بقصد مجامعتها، فوافقته الى عرضه، وبالفعل فقد اصطحبها عند الساعة الواحدة من ظهر يوم 16/11/99 من محل إقامتها في اوتيل لاتورال في جونيه، وتوجه معها في سيارة هيونداي كان قد استأجرها الى مدينة زحلة، ومنها الى منطقة البقاع الشمالي حيث دامت رحلته حوالى الثلاث ساعات، وبوصوله الى إحدى القرى النائية فيه، اوقف سيارته أمام أحد المنازل ونزل منها، وأوهم المدعية انه بصدد أخذ قسط من الراحة في ذلك المنزل، فوافته الى داخله، وهناك عرض عليها ممارسة الجنس معه لقاء مبلغ من المال قال انه سيدفعه لها بعد فعل الممارسة، فوافقته الى طلبه تحت وطأة ضروب الخداع المتلاحقة التي استعملها. وبعد ان مارس المتهم دندش الجنس مع المدعية لورا، رفض إيفاءها اي مبلغ من المال لقاء هذا العمل، فأخذت تصرخ وتبكي طالبة اليه اعادتها الى محل إقامتها وقد عقدت العزم على التشهير به، واختلاق الاكاذيب في وجهه من أنه هددها بمسدس حربي، وأدخلها الى منزل فيه بضعة رجال تناوبوا على اغتصابها بالعنف والإكراه. وخلال الطريق اتصلت المدعية بواسطة جهازها الخلوي بصديقتها في الاوتيل الذي تقيم فيه طالبة اليها إعلام صاحب الاوتيل والملهى الشاهد ماجد. بسبب تأخرها في الرجوع الى الملهى، فاتصل الاخير بها، وأعلمته بأن المتهم يرفض إعادتها الى الاوتيل حيث تقيم، فتحدث الشاهد قاسم مع المتهم حسن. د وطلب اليه اعادة المدعية فورا تحت طائلة تحمله كامل المسؤولية عما يصيبها، الا ان المتهم أخبره بأن عطلا طرأ على السيارة ويحاول اصلاحه. وفي محلة ترشيش أخذ المتهم هاتف المدعية عنوة منها لمنعها من الاتصال بواسطته، ثم اعاده اليها في وقت لاحق، ولم يوصل المدعية الى الفندق الا عند الساعة الواحدة بعد منتصف الليل. وتبين ان المتهم أنكر ما أسند اليه في التحقيق وأمام المحكمة لجهة إقدامه على مجامعة المدعية لورا بالعنف والتهديد، وكانت الاخيرة قد أدلت بإفادات في مراحل التحقيق، على النحو الذي كانت قد صممت عليه، بأن المتهم حسن دندش تناوب على اغتصابها بالعنف، والتهديد بالسلاح، مع رفيق له، وبمساعدة رفيق ثالث لهما، في منطقة البقاع. واستمعت المحكمة الى الشاهد ماجد. ق فكرر الافادة التي ادلى بها في التحقيق. وتبين ان النيابة العامة طلبت تطبيق مواد الاتهام. وترافع وكيل الدفاع طالبا إعلان براءة موكله لعدم كفاية الدليل، واستطرادا للشك. وطلب المتهم البراءة. وكانت المدعية قد أسقطت حقوقها الشخصية في هذه الدعوة، ثم غادرت الأراضي اللبنانية. وقد تأيدت هذه الوقائع: 1 بالادعاء والاسقاط. 2 بأقوال المدعية المسقطة في التحقيق. 3 بأقوال المتهم في مراحل التحقيق، وأمام المحكمة. 4 بإفادة الشاهد ماجد قاسم. 5 بمجمل ما ورد في التحقيق. ثانيا: في القانون حيث ان المحكمة، بعد اطلاعها على كافة أوراق الملف، قد تولدت لديها قناعة كافية بأن احداث هذه القضية قد حصلت على النحو الذي عرضته في باب الوقائع، وحيث ان النتيجة التي توصلت اليها المحكمة قد حازت على قناعتها لجهتين: فمن جهة اولى لعدم تصديقها رواية المتهم حسن دندش من أنه رافق المدعية المسقطة خلال اثنتي عشرة ساعة، انتهت في الواحدة فجرا، فقط من أجل دعوتها الى الغداء، ومن ثم الى فنجان قهوة أعدته لهما امرأة شقيقه (التي لم تعرف حتى هويتها، ولم تدع بالتالي الى شهادة دفاع) وفي بلدته بالذات، في الوقت الذي لم يمر فيه على زواجه أكثر من ستة أشهر، في مجتمع بقاعي محافظ الى آخر الحدود، ومن جهة ثانية، لعدم تصديقها رواية المدعية الراقصة لورا باثري، الملأى بالتناقضات، من ان المتهم أخذها عنوة، وبقوة السلاح، الى منزل بعيد، فيه تارة ثلاثة رجال وامرأة، وطورا رجلان وامرأة، وأجبرها بالقوة والعنف، تارة على ممارسة الجنس معه لوحده، وطورا معه ومع الرجال الثلاثة، ومرة اخرى معه ومع أحد الرجال، في موقع تتساءل المحكمة عما تفعل فيه تلك المرأة بين هؤلاء الرجال، وحيث يبقى الحل المنطقي الذي توصلت اليه المحكمة، والذي برر تراجع المدعية عن دعواها فيما بعد وهو جرها بالحيلة الى ذلك المنزل البقاعي البعيد، من قبل المتهم، وممارسة الجنس من قبل الاخير معها، بهذه الطريقة، دون ان يدفع لها ما وعدها به من مال، الا ربما، في وقت لاحق لتوقيفه، الامر الذي حملها على إسقاط حقوقها الشخصية، ومغادرة الاراضي اللبنانية، وحيث يكون فعله، كما هو موصوف أعلاه، مشكلا للجناية المنصوص عليها في الفترة الاخيرة من المادة /504/ق.ع.، وحيث ترى المحكمة بالنظر لظروف القضية، وللاسقاط الحاصل، منح المتهم أقصى الأسباب التخفيفية المنصوص عليها في المادة 253/ق.ع، وحيث يقتضي تبعا لكل ذلك، واستنادا لما جرى عرضه، إعلان براءة المدعى عليه حسن د. من جنحتي المادتين 573/ق.ع. و72/ أسلحة، وحيث انه بالنسبة لجرم السرقة المنسوب اليه، فان عناصر هذا الجرم لم تتوفر في النزاع المالي باعتبار ان حيازة المتهم لجهاز الهاتف الخلوي الخاص بالمدعية المسقطة، والذي اعاده اليها في وقت لاحق، لم تكن سوى حيازة عارضة، وليس بقصد التملك، الامر الذي يفقد جرم السرقة أحد عناصره الاساسية، وحيث يقتضي تبعا لذلك إبطال التعقبات بحقه لهذه الجهة لعدم توافر العناصر الجرمية. لهذه الاسباب، وبعد الاستماع الى النيابة العامة، والدفاع، والمتهم الذي أعطي حق الكلام الاخير، تحكم المحكمة بالاجماع: أولا: بعدم تجريم المتهم حسن. د بجناية المادة 503/ق.ع. المسندة اليه، وباعتبار فعله من قبيل الجناية المنصوص عليها في المادة 504 منه، وبإنزال عقوبة الاشغال الشاقة به سندا للمادة المذكورة لمدة ثلاث سنوات، وبتخفيف هذه العقوبة بحقه سندا للمادة 253/ق.ع. الى سنة حبس واحدة، على ان تحسب له مدة توقيفه منذ وضعه في تصرف النيابة العامة. ثانيا: بإعلان براءته من جنحتي المادتين /573/ق.ع.، و72/ اسلحة، لعدم كفاية الدليل، ثالثا: بإبطال التعقبات بحقه بالنسبة للمادة /636/ق.ع. لعدم توافر العناصر الجرمية بحقه لهذه الجهة. رابعا: بتدريكه الرسوم. حكما وجاهيا أعطي وأُفهم علنا بحضور ممثل النيابة العامة في 27/4/2000.