As Safir Logo
المصدر:

قرار المحكمة الدولية برد دفوع الدفاع بعدم الاختصاص: ينقض كلام كاسيزي... وطلب لحود تصويب مسار المفاوضات

المؤلف: عبيد حكمت التاريخ: 2012-08-01 رقم العدد:12247

"نعم يمكن للمحكمة أن تُصحح أخطاء ارتكبها مجلس الأمن، فنحن وليدة مؤسسة سياسية وبقرار سياسي، لكننا الآن مؤسسة قضائية ولا شيء يمنع من الانقلاب على مجلس الأمن، كالولد الذي ينقلب على ذويه"؛ بهذه العبارات أجاب الرئيس السابق للمحكمة الدولية القاضي الراحل أنطونيو كاسيزي، رداً على سؤال وجهته اليه "السفير" في إحدى ورش العمل الإعلامية في مقر المحكمة في لاهاي. هذا الكلام شكّل آنذاك، بالنسبة للمواكبين لمسار المحكمة، "مدخلاً لتصويب الخلل البنيوي الذي شاب عمل "المحكمة" منذ لحظة ولادتها، فمجلس الأمن استند إلى الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة للطلب من الأمين العام للأمم المتحدة إنشاء المحكمة "والتفاوض مع الحكومة اللبنانية بشأن اتفاق يهدف إلى إنشاء المحكمة استناداً إلى أعلى معايير القضاء الجنائي الدولي". ولم يحترم مجلس الأمن، انذاك، ميثاق الأمم المتحدة وتحديداً الفصل السابع الذي ينص على أن مجلس الأمن "يقرر ما إذا كان قد وقع تهديد للسلم أو إخلال به أو كان ما وقع عملاً من أعمال العدوان، ويقدّم في ذلك توصياته أو يقرر ما يجب اتخاذه من التدابير تبعاً لأحكام المادتين (41 و42) لحفظ السلم والأمن الدوليين أو إعادته إلى نصابه". وواقع الحال أن جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري، لا يتطابق توصيفها مع ما نصّت عليه بنود الفصل السابع، لا بل على العكس من ذلك، فقد جاء في المادة (43) من الفصل عينه الفقرة (3) "أن المفاوضة في الاتفاق أو الاتفاقات المذكورة تجري بأسرع ما يمكن بناءً على طلب مجلس الأمن، وتُبرم بين مجلس الأمن وبين أعضاء الأمم المتحدة أو بينه وبين مجموعات من أعضاء "الأمم المتحدة"، وتصدّق عليها الدول الموقّعة وفق مقتضيات أوضاعها الدستورية". أي أن مجلس الأمن، ألزم نفسه، في ما يتعلق بالاتفاقات التي تنتج عن مفاوضات مع دول أعضاء، باحترام المقتضيات الدستورية لهذه الدول؛ إلا في حالة المحكمة الخاصة بلبنان فإنه أسقطها من حساباته، وردّ ذلك إلى مفهوم مشترك بين المحكمة ومجلس الأمن آنذاك بأن "ثمة عراقيل مؤسساتية" تدفعنا قسراً للسير في مخالفة الميثاق! والمخالفة الأهم، أن الفصل السابع وجد لمعالجة القضايا الأكثر تعقيداً وخطورة والتي "تهدد السلم والأمن الدوليين" وتستدعي "تدخلات عسكرية فورية من قبل مجلس الأمن"، كالحروب الأهلية التي تبلغ مستوى الإبادة الجماعية والتطهير العرقي؛ فيما الواقع في لبنان لا يتصل بصلة إلى التوصيف المشار إليه. وعلى طريقة مجلس الأمن عندما أنشأ المحكمة، غزلت غرفة الدرجة الأولى قرارها، واستندت إلى عيوب القرار 1757 لتصدر قرارها برد كل دفوع محامي الدفاع الذين رأوا بأن المحكمة أنشئت خلافاً لصلاحيات مجلس الأمن وللدستور اللبناني. وقد تجاوزت الغرفة في ردّها للدفوع قواعد الإجراءات والإثبات التي تحكم عمل المحكمة عندما حاولت أن تسقط حق الدفاع في استئناف قرارها بموجب المادة (90) من "القواعد، عندما اعتبرت ان دفوع محامي الدفاع لا تطعن في إختصاص المحكمة بل في شرعيتها، أو صحتها، وبالتالي، فإن الدفوع "لا تندرج ضمن تعريف الدفع الأوّلي". فالمادة 90 حصرت مبدأ الاستئناف التمهيدي بحالة "الدفع بعدم اختصاص المحكمة" وبحالات أخرى يُرخص باستئنافها على أساس أن القرار يتعلق بمسألة من شأنها أن تؤثر إلى حد كبير في عدالة سير الإجراءات وسرعتها أو في نتيجة المحاكمة. وفي حال أعطي الحق للدفاع بالاستئناف من قبل قاضي الإجراءات التمهيدية "سيكون أمامه عشرة أيام من تاريخ إيداع القرار المطعون فيه". أما في حال تبنت "المحكمة"، مفهوم غرفة الدرجة الأولى، فإنها ستحرم محامي الدفاع من الاستئناف لأنه وبحسب الفقرة (هاء) من المادة فإن "القصد بالدفع بعدم الاختصاص المنازعة حصراً في قرار الاتهام لعلّة أنه لا يدخل من ضمن اختصاص المحكمة الوظيفي أو الزمني أو المكاني بما في ذلك أنه لا يتعلّق بالاعتداء على الحريري أو باعتداء له طبيعة وخطورة مماثلتان ومتلازم معه وفقاً لمبادئ العدالة الجزائية". ثمة عيوب اضافية شابت قرار غرفة الدرجة الأولى، تضاف إلى العيوب القانونية والصلاحية، فهي اعتبرت أن القرار 1757 هو الأساس الوحيد لإنشاء المحكمة، ولبنان بصفته دولة عضو في الأمم المتحدة احترم التزاماته المحددة في القرار المذكور. وقد تجاهلت الغرفة أن القرار 1757 جاء بناء على طلب من حكومة لبنانية، كانت ولا تزال، "فاقدة للشرعية الميثاقية" من وجهة نظر فريق سياسي لبناني وازن، كما أنه حتى ولو كانت حكومة ميثاقية، لما كانت صاحبة صلاحية بمخاطبة مجلس الأمن وانشاء معاهدة دولية، فهذا حق لرئيس الجمهورية، وبالتالي فإن القرار لا يشكل السند الوحيد لإنشاء المحكمة كالقرار الذي انشئت بموجبه محكمة يوغسلافيا السابقة، بل ان إنشاء المحكمة استند إلى مفاوضات بين مجلس الأمن وحكومة الرئيس فؤاد السنيورة، وأقرت الاتفاقية خلافاً للأصول الدستورية، بشهادة 5 أعضاء من أصل 15 عضواً في مجلس الأمن امتنعوا عن التصويت لصالح القرار 1757، لأنه "لا يجوز تخطي الأمم المتحدة للسيادة اللبنانية". الأغرب في قرار "الغرفة" اعتبارها أن الدولة اللبنانية لم تدَّع قط أن سيادتها انتهكت، لا بل على العكس فإن لبنان وفى بالتزاماته، وفي هذا القول شيء من التعامي عن حقائق موثّقة لدى الأمم المتحدة، فخلال فترة التفاوض أرسل رئيس الجمهورية العماد إميل لحود ملاحظاته على مشروع الاتفاق بشأن تأسيس المحكمة ونظامها الأساسي في كتابين منفصلين بتاريخ 9 تشرين الثاني من العام 2006، وفي ما يشبه خلاصة الكتابين المذكورين طلب رئاسي لإعادة تصويب مسار المفاوضات بما يضمن محكمة دولية متوازنة بين الطرفين الشريكين: الأمم المتحدة والجمهورية اللبنانية، وبما يحضّ قيام المحكمة دستورياً، انطلاقاً من احترامها أصول المفاوضات، ومن ثم التوقيع فالإبرام النهائي في مجلس النوّاب اللبناني.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة