As Safir Logo
المصدر:

أبو يعرب المرزوقي: الحرب الأهلية العربية في رؤية فلسفية

المؤلف: كوثراني وجيه التاريخ: 2000-05-06 رقم العدد:8592

في كتابه الاخير »آفاق النهضة العربية ومستقبل الانسان في مهب العولمة« يطرح المفكر والباحث في الفلسفة أبو يعرب المرزوقي(*) اشكالية جريئة لفهم مأزق النهضة العربية في مرحلتيها: في المرحلة القديمة: لماذا انتكست بعد ان أينعت فانحط العرب، وفي المرحلة الحديثة: كيف بدأت مأزومة فلم تفلح في استئناف عملية النهوض وتجاوز »الانحطاط«. في المرحلة الاولى: ووفقا لفرضيته »حاول إبن تيمية وابن خلدون ان يحددا شروط تحرير الانسان من التصور التيوقراطي للدولة ومن الانتساب الى الفكر الجبري الذي يجعله لا حول له ولا قوة في تحديد مصيره. الاول (ابن تيمية) بالتركيز على الشروط الروحية والعقلية دون نسيان الشروط المادية الطبيعية، والثاني على الشروط السياسية الاجتماعية دون نسيان الشروط الروحية العقلية«. كان هم هذين المفكرين كما يلوح للمؤلف »كشف آليات التواطؤ بين سلطة الوسطاء الروحيين أو الفقهاء والمتصوفة (من جهة) وسلطة الوجهاء الماديين او مرتزقة السيف (الجيش والامن) ثم مرتزقة القلم (الجباة والاداريين) من المماليك والمغول الذين أصبح بيدهم الحل والعقد في مجال قيم الإبداع الحضاري. وقيم الإبداع الحضاري التي جمدت بسبب أزمات حصلت في زمن مضى فكانت سببا للتوقف، لا تزال تعيق اليوم أسباب تعثّر فعل التحديث: التحديث في مجال القيم الجمالية (الشعراء والفنانون)، التحديث في مجال القيم الاخلاقية (نخبة رجال الدين)، التحديث في مجال القيم المعرفية (العلماء)، التحديث في مجال القيم الجهوية (الحكم)، ويعني الطبقة السياسية او الحكام، التحديث في مجال القيم الشهودية او الوجودية، ويعني الفلاسفة والحكماء. هذه القيم تعاني أزمات عميقة اليوم يحاول المؤلف ان يفككها بخطاب فلسفي وببعض الامثلة التاريخية لفهمها كمدخل لإدراك »فساد الأساسين« اللذين تستند عليهما النخب العربية في نزاع أطرافها: أساس النموذج المرجعي الاهلي، وأساس النموذج المرجعي الاجنبي« (ص16). هذه النخب بطرفيها هي من طبيعة واحدة لأنها تستند الى »تناف مطلق«، انها شمولية ترفض التمايز بين النخب والقيم، »وهو ما يؤدي ضرورة الى الحرب الاهلية التي لا هوادة فيها بين حزبين شموليين. مثل ذو دلالة يعطيه المؤلف من التاريخ المعاصر: »اشتد هذا التقاطب في عهد عبد الناصر بحكم اعتماد احزاب التحديث (وتمثلها مصر الناصرية) على النخب الاولى لزعزعة الاحزاب المحافظة، واعتماد الاحزاب المحافظة (وتمثلها السعودية الوهابية) على النخب الثانية لزعزعة احزاب التحديث، فوصل الامر الى الحرب الاهلية الفعلية التي تعينت في اليمن خاصة« (ص31). هذه الحرب الاهلية العربية التي قسمت المنطقة العربية الى معسكرين، ما لبثت ان تحولت الى حروب اهلية في كل قطر ووفقا لخلفية واحدة وعقلية واحدة، ومنهج واحد في النظر الى الأشياء والى القيم تلخصه الصيغة الواحدة لعلاقة الوجود السياسي بالمقدس الديني، علاقة موجبة او علاقة سالبة. فكرة يصوغها المرزوقي بمصطلحات الفلسفة السياسية: »... وكانت هذه المعارضات ستكون فعلا سياسية لو كان الدين بالنسبة اليها أمرا غير محدد لا إيجابا ولا سلبا، أعني لو كانت علاقتها به مثل علاقتها بالعلم او بالفن او بأي مقوّم آخر من مقومات الوجود الاجتماعي والثقافي (...) سلوك هاتين المعارضتين المتعصب يجعلهما منقسمتين الى حزب أصلاني ديني بالايجاب وعلماني بالسلب، والى حزب أصلاني علماني بالايجاب وديني بالسب. بل ان الدين هو في الحقيقة لا ديني لكونه يكاد يرد الدين الى مجرد تأسيس عقدي للسياسي. واللاديني ديني في الحقيقة لكونه يرد السياسة الى مجرد حرب دينية. ولما كان الامران كلاهما ممتنعين احتاج الثاني الى حماية عسكرية ليعارض شعور الأغلبية ويحمي سلطان اللائكيين (العلمانيين)، لكأن السياسة صارت مقصورا دورها على حماية عقيدة الأقلية ضد عقيدة الاغلبية. واحتاج الاول الى اعتبار حق الاغلبية ملغيا لحق الاقلية جاعلا السياسي مقصورا دوره على تحقيق الشروط التي تفرض هذا الشعور بامتلاك السلطان، فحصر الدين في بعده الفقهي، وحُصرت السياسة في الدفاع عن هذا البعد الفقهي. كلاهما أفسد الدين والسياسة، لان الاصلاني حصر الدين في السياسة ايجابا والعلماني حصر السياسة في الدين سلبا. وتلك هي علة الحرب الاهلية التي لن تهدأ ما لم نتخلص من عقيدة هذين الحزبين اللذين ينتهيان الى صراع بين همجيتين دمويتين، لعل ما يجري في الجزائر عربيا وفي أفغانستان إسلاميا يعد اكبر تعين لهما، (...). العلماني والأصلاني كلاهما ينتسب الى فئة متعصبة تخلو في كل الاحوال من خاصيات الحزب السياسي« (ص34). مسائل اخرى على قدر كبير من الاهمية والخطورة، يثيرها أيضا كتاب المرزوقي: هل كان لابن رشد دور في النهضة الاوروبية اللاتينية اكبر من دور ابن سينا والغزالي او الفلاسفة والعلماء العرب الآخرين؟ يجيب »في الغرب كان لابن سينا والغزالي دور أهم بكثير من ابن رشد في العملية الاحيائية واستئناف النهضة الفكرية والحضارية خلافا لمزاعم الرشدية اللاتينية« (ص39)، بل ان العلماء الفلاسفة كانوا أهم بكثير من شارحي ارسطو. هؤلاء العلماء من أمثال ابن قره الحفيد والبيروني وابن الهيثم والخيامي والطوسي.. كانت لهم »حصة الأسد في الحداثة الانسانية«. لماذا إذن تركيز دعاة النهضة عندنا منذ فرح انطون (بتأثير رينان) الى محمد عابد الجابري، على ابن رشد؟ مرده الى كون المضمون الايديولوجي هو دائما أيسر ما يكون في متناول المتفلسفة الذين ليسوا معاصرين لقيم الفكر الانساني القديم منها والحديث والمعاصر« (41). في رأي المرزوقي كاد الفكر العربي في مرحلة النزع الاخير (مرحلة ابن خلدون وابن تيمية) يقدم نقدا يتجاوز فيه »الميتافيزيقيا الارسطية والميتا تاريخ الافلاطونية« حيث انحبس الفلاسفة. ولكن هذا »السعي جاء متأخرا«، وفي رأيه لم يفهم حتى الآن. ولكن يبقى السؤال كيف ولماذا؟ ان الفرضية جديرة بالاعتبار والتفكر ولكن تحتاج لتدعم، الى بحث تاريخي في مجال تطور الافكار ودراسة العقليات والذهنيات وفي إطار من »الكل الاجتماعي«. ومع ذلك تبقى الفرضية في رأيي اكثر علمية وتاريخية من الرأي الانتقائي الايديولوجي للرشديين العرب الجدد. ذلك ان خروج أوروبا الحديثة من مأزق الفلسفة المدرسية (الارسطية والافلاطونية كما فهمت في القرون الوسطى) تم على يد فلاسفة من نمط آخر (فلاسفة علماء). »ان الذين حققوا هذا التخلص لم يكونوا ممن يطلق عليهم اسم الفلاسفة بالمعنى المتعارف عليه في القرون الوسطى كما هو الشأن عندنا، بل كانوا جميعا من كبار العلماء ومن أبناء الكنيسة في الوقت نفسه بمن فيهم ديكارت سليل الاصلاح الاوروتواري لكنيسة فرنسا الكاثوليكية خلافا لما يزعم من يجهل تاريخ الفكر الغربي فيتصور الحداثة من ثمرات اللائكية التي هي حركة هامشية ومتأخرة في التاريخ الغربي. فكبار الفلاسفة العلماء من أمثال ديكارت. ولايبنتس، وباسكال، ونيوتن لم يكونوا من دعاة اللائكية لا في الممارسة النظرية ولا في الممارسة العلمية. بل ان البعض منهم وهم من هم قد كانوا من ذوي المشروعات الاصلاحية في مجالي المسائل الدينية (لايبنتس) او التعليم الفلسفي الديني (ديكارت) او الوجدان الفلسفي الديني (باسكال)، او التصورات الدينية العلمية (نيوتن). هذا فضلا عن كون جل الفلاسفة الألمان وكل كبارهم في القرنين التاليين كانوا في الأصل من رجال الدين، تكوينا وتربية إن لم يكن حرفة وسلوكا«. ينفي المرزوقي عن ابن رشد صفة الفيلسوف وصفة العالم بالمعنى الذي حمله الفلاسفة العلماء النهضويون في أوروبا، ويحيل فلسفته الى »فلسفة ارسطو« كما عرفها العرب، اي في شكلها المتقهقر« (ص44)، ويرى فيه مثقفا فقهيا يغلب عليه منهج »الاجتهاد الفقهي« لا التفكير الفلسفي المستقل. يقول: »هل يستحق كتاب فصل المقال المنزلة التي يوليها إياه الباحثون في الفكر الرشدي؟ (...) »ان هذا المصنف لا يعود ان يكون فتوى ومن ثم فهو من باب التحيل (من حيلة) الفقهي، وليس من باب التفكير الفلسفي. فاذا كان من المعلوم ان الدين الاسلامي يدعو الى الاعتبار والتدبر العقلي، فما هي الحيلة الفقهية التي يمكن ان تستعمل لجعل ذلك يكون بالطريقة المزعومة فلسفية وبصورة أدق بالمنطق؟ ان طرح ابن رشد المشكل بهذه الصورة، يعد بحد ذاته دليلا على تخلف الطرح والعلاج عنده بالقياس الى ما تم حسمه بعد في المشرق العربي منذ ثلاثة قرون، فلسفيا (الفارابي)، ومنذ قرن كلاميا، فالغزالي لم يحتج لفتوى لاستعمال المنطق لكونه لم يجمع بين النظر في الوجود فلسفيا، والنظر في علوم المنطق، بل فصل بينهما فلم يستنتج من تبني المنطق الارسطي ضرورة تبني الفلسفة كلها..«. هذا، ويستبعد المرزوقي ان يكون لاستعادة ابن رشد اليوم اي دور في بعث نهضتنا الآن. اولا بسبب التراكم المعرفي الفلسفي الذي لا يمكن القفز عنه عالميا، وثانيا، بسبب اختلاف مشاكلنا اليوم عما كانت عليه بالامس، والتي حاول ابن رشد ان يتصدى لها متصورا التوفيق بين »الحكمة والشريعة«. يتساءل المرزوقي: ألسنا بذلك نعيد الحياة الى جروح اندملت فنعود الى اختلافات الفرق وحروبها، فلا يتميز الفكر الفلسفي عندئذ عن الصراعات الفئوية حول التأويلات الدينية بين الفرق الكلامية«؟ يخلص المرزوقي الى النتيجة التالية: لا يمكن ان نعالج أدواء الحضارة العربية الاسلامية من دون إنجاز مهمتين اعداديتين هما: الاول: تصفية الحساب مع الماضي الاهلي والتعامل معه بصفته ماضيا لم يبق منه حيا الا العقل المؤسس لحضارتنا من دون تعيّناته إشكالات وحلولا.. الثانية: تصفية الحساب مع ما حصل من الحضارة الانسانية من دوننا بفهم أسسه الجوهرية، إذ لا يمكن تجاوز ما نجهل لتعذر التجاهل بعد ان تجاوز التأثير في مجتمعاتنا حد النخاع. مثل هذه الدعوة ليست جديدة، باحثون ومفكرون كثيرون عرب يلتقون عند هذه المهمات، يمارسونها بحثا او دعوة، ومع ذلك يبقى »الاستسهال« الأيديولوجي الذي يراه المرزوقي في خيارات الرشديين الجدد مزلقا قد يقع فيه اي باحث جدي. أليس تحميل ابن تيمية محاولة انقاذ مسار الحضارة العربية الاسلامية من مأزقها الروحي هو ايضا من قبيل الانقياد الى الايديولوجيا عند المرزوقي؟ أوليس في تحميل ابن خلدون محاولة كشف التواطؤ بين السلطة الروحية والسلطة السياسية، هو أيضا من قبيل خلط الأزمنة: رؤية الماضي من خلال مرآة الحاضر؟ وأحسب ان المرزوقي ينظر بهذه المرآة في هذه المسألة. ألم تعتمد السلطات المملوكية التي يحملها المرزوقي مسؤولية الجمود الفكري بسبب طغيانها، على بعض فتاوى ابن تيمية لتلاحق من يتهم بالاجتهاد تحت مظلة »السياسة الشرعية«؟ ألا تعتمد اليوم بعض الأصوليات الاسلامية على بعض نصوصه؟ أوليس ابن خلدون ايضا هو المحدد لدور الدولة الاسلامية على انه جهاد وتطبيق للشريعة، وفقا لما جرى عليه التقليد الفقهي السلطاني، في الربط بين السياسة والدين، وعلى قاعدة حاجة الدولة للدين عملا بنصيحة أردشير للملوك؟... ان لمعات ابن خلدون في التنبيه للعلاقة القائمة بين العصبية والدعوة تنبني من دون شك على كشف آليات التواطؤ بين أهل العصبية وأهل الدعوة، ولكن هذا الكشف يظل يحمل ازدواجية المؤرخ والفقيه في شخص ابن خلدون، وكثيرا ما تطغى شخصية الفقيه فتضيع تحليلات ابن خلدون التاريخية الاجتماعية الثاقبة تحت قباب من التأويلات الفرقية والمذهبية.. مثلا: موقفه من صراع علي ومعاوية، على أنهما اجتهادان فحسب! ان ازدواجية ابن خلدون بين المؤرخ والفقيه قد تكون مماثلة لازدواجية ابن رشد بين الفيلسوف والفقيه. وقد يكون خيار المرزوقي لابن خلدون وابن تيمية كمرجعين »حاولا تحرير الانسان من التصور التيوقراطي للدولة« مماثلا لخيار فرح أنطون والجابري لابن رشد كمحرر عقلاني للحياة الدينية لدى المسلمين. أرجح انه في ظل غياب تراكم المعرفة بوقائع التاريخ العربي والاسلامي ووعي مساراتها كأجزاء وتفاصيل وكليات، يبقى احتمال خيار »الجزء« واردا عند المفكرين والباحثين العرب، لتضخيم هذا الجزء ورؤيته رؤية »مهدوية« وخلاصية. وبناء عليه أرى نفسي وعلى الرغم من أهمية المغامرة في اختيار الفرضيات من زاوية فلسفية أميل الى المدرسة التاريخية التي تتطلب المزيد المزيد من إنجاز فعل التراكم في المعرفة التاريخية لماضي العرب والمسلمين بغية فهم مجتمعاتهم وعقلياتهم وحياتهم وأفكارهم، بلا تمييز معياري بين صوفي وفقيه وبين فيلسوف عقلاني وعرفاني وبين فيلسوف عالم وفيلسوف فقيه. ان أرخنة مجتمعاتنا، اي وعي تاريخيتها، بمنهج التاريخ العالمي والمقارن، هي في صلب المهمتين الاعداديتين« التي يلمح اليها المرزوقي. لكن هاتين المهمتين لا تطرحان استعجال الفرضيات القاطعة والحاسمة، سواء باتجاه المبالغة في دور ابن رشد او المبالغة في دور ابن تيمية او ابن خلدون. (*) ابو يعرب المرزوقي، آفاق النهضة العربية ومستقبل الانسان في مهب العولمة، بيروت، دار الطليعة، 1999.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة