بُعيد احتفالها بفيلمها الأخير «عن الصدأ والعظم» للفرنسي جاك أوديار (المسابقة الرسمية لمهرجان «كانّ» السينمائي، أيّار 2012)، بدأت تصوير فيلم جديد لها بعنوان «حياة منخفضة» (ترجمة حرفية للعنوان الإنكليزي Low Life) للأميركي جيمس غراي. لم تكد تغادر «كانّ» حاملة معها كَمّاً هائلاً من الثناء والتقدير، بفضل دورها الفرنسي هذا (مُدرِّبة دلافين تتعرّض لحادث مأسوي قضى على ساقيها، قبل لقائها هامشيّاً مُعدماً يُصبح امتدادها الحياتي)، حتّى وجدت في «استديو كوفمان أستوريا» في نيويورك امتداداً حياتياً من نوع آخر: تثبيت حضور سينمائي لممثلة أتقنت فرادة التمايز عبر التماهي بالشخصية إلى حدود الامّحاء، من دون أن يُشكّل الامّحاء تغييباً لبراعة الأداء التمثيلي الاحترافي في صناعة الصورة المطلوبة منها عن الشخصية. من «عن الصدأ والعظم» إلى «حياة منخفضة»، خطت الممثلة الفرنسية ماريون كوتيار (مواليد باريس، 30 أيلول 1975) خطوة إضافية على طريق التمثيل الاحترافي. قبل جيمس غراي، اشتغلت كوتيار مع سينمائيين أميركيين كبار: تيم بورتون («سمكة كبيرة»، 2003)، مايكل مان («عدو الشعب»، 2009)، روب مارشال («تسعة»، 2009)، كريستوفر نولان («ابتداء»، 2010). غير أن مفارقات عديدة وسمت مسارها التمثيلي منذ بداياتها الفنية، المتمثّلة بأدوار تلفزيونية عابرة. مفارقات عدّة، جعلتها تحتلّ مكانة بارزة في المشهد السينمائي الفرنسي، والدولي لاحقاً. أول ظهور صادم لها كان بفضل شخصية تينا لومباردي في «يوم أحد طويل مليء بحالات الخطبة» (2004) لجان ـ بيار جوني. النتيجة: دور ساحر وأداء رفيع المستوى، منحاها جائزة «سيزار» الفرنسية في فئة أفضل ممثلة ثانية. صحيح أن مشاركتها في الأجزاء الثلاثة الأولى (1998، 2000، 2003) من سلسلة «تاكسي» للمنتج لوك بوسّون وضعتها في المشهد الأمامي، وأعطتها شعبية كبيرة، ومنحتها أول ترشيح لجائزة «سيزار» في فئة أفضل ممثلة عن دورها في الجزء الأول. صحيح أيضاً أن تربيتها التمثيلية والتأثيرات الإبداعية لوالديها الممثلين نسيما ثييو وجان ـ كلود كوتيار لعبت دوراً أساسياً في صقل موهبتها، ودفعتها في طريق الفن بشكل أسلم وأمتن. لكن عملها مع جوني شكّل المنعطف الأساسي الأول لها، قبل ثلاثة أعوام فقط على تأديتها شخصية إيديث بياف في «الصبيّة» (2007) لأوليفييه داهان: أحد أجمل أدوارها السينمائية، مخترقة بفضله شكل بياف وروحها إلى أقصى حدّ ممكن. قدّمت درساً في التمثيل، أفاد بأن الاندغام المطلق بالشخصية الحقيقية يجب ألاّ يُلغي حساسية الممثل في التقاط السمات الواقعية للشخصية نفسها، وفي فهم أبعادها والإحساس بنبضها. أفاد بأن تأدية دور متعلّق بشخصية حقيقية يعني السير على الحدّ القاسي بين التمثيل والتقليد، حيث يُمكن للممثل أن يقع سريعاً في فخّ التقليد، إن لم يُحصِّن نفسه بالاشتغال على قواعد التمثيل، وعلى التماهي بالشخصية الحقيقية إلى اللحظة التي تجعله يتحرّر منها عند وقوفه أمام الكاميرا: «في كل مرّة أوافق على التمثيل في فيلم ما، أغرق فيه كلّياً من بدايته حتى النهاية. أضع حياتي جانباً»، كما قالت كوتيار في حوار فسّرت فيه علاقتها التمثيلية بالفيلم الجديد «عن الصدأ والعظم». أضافت: «هنا (في فيلمها الأخير هذا) كان الأمر مستحيلاً. إذا كانت هذه المغامرة مؤلمة أحياناً وصعبة غالباً، فهي باتت في النهاية جديدة وأخّاذة بشكل كامل. سُحرتُ مباشرة بشخصية ستفاني (في فيلم أوديار). لكنّي شعرتُ بسرعة أيضاً أنها بعيدة جداً عنّي. كل اتصال مباشر بها بدا لي مستحيلاً. هذا شكّل جزءاً من رغبتي في الموافقة على المشروع: عندما أمثّل في فيلم، أحبّ أن أشعر بإمكانية عدم قدرتي على التمثيل فيه. هنا، لم أعرف ما إذا كنتُ سأنجح في فهم ستفاني (أم لا). لكنّي كنتُ مقتنعة بأن طريقي إليها ستكون، في وقت واحد، مثيرة ومُدوِّخة». نديم جرجوره