As Safir Logo
المصدر:

حكاية الخصي والصقالبة

المؤلف: الذهبي خيري التاريخ: 2012-07-20 رقم العدد:12237

كان السؤال الذي أطل ملحاً: لماذا كانت دولة الجنوب السلافي تحمل اسم سلافيا مثل يوغوسلافيا، وسلوفاكيا، وسلوفينيا، بينما كانت دول الشمال السلافي لا تحمل اسم السلاف، بل اختارت اسم الرس أو الروس أو الأوكران، فمن هم الرس أو الروس وما علاقتهم بالسلاف؟ في الكتاب ـ الوثيقة الأنتروبولوجية الأولى والوحيدة عن الرس وأعني: رحلة ابن فضلان إلى بلاد الخزر والرس والبلغار. في هذا الكتاب يقدم لنا ابن فضلان قبائل من الفايكينغ الوثنيين الذين غزو سلافيا أثناء زيارة ابن فضلان لها، فهو يقدم لنا طقوس دفن أو إحراق الأرملة بعد وفاة زوجها إذ يضعونها في سفينة، وهذه ذكرى من تاريخ لهم حين كانوا قراصنة وبحارة مشهورين بعنفهم وقسوتهم التي أرّقت أوروبا وزلزلت استقرارها السياسي والكنسي، ووصلوا في غزواتهم حتى الأندلس فسماهم الأندلسيون المجوس نظراً إلى أنهم لم يكونوا قد تنصّروا بعد، وكانوا لا يزالون وثنيين. كان هؤلاء الرس، وربما كان هذا الاسم اسم قبيلة اسكاندينافية، كانوا يضعون الأرملة في سفينة ويقدمون لها كل أنواع الطعام والشراب، ثم يدخلون عليها عدداً من الشبان الوسيمين لتشبع كل شهواتها للحياة قبل أن تدخل إليها المرأة المكلّفة بخنقها مصحوبة بالصراخ وضرب الطبول داخل وخارج السفينة بحيث لا يسمع الجمهور صوت استغاثتها إن استغاثت مرعوبة من الموت، فإذا ماتت أحرقوا السفينة عليها وعلى جثة زوجها الراحل وعلى أملاكهما المنقولة. أما عقوبة السارق لديهم فكانت تعليقه حياً إلى شجرة حتى يتآكل بعوامل الطبيعة، ولكن الصورة الأبشع التي يقدمها السفير العباسي القادم من بغداد عاصمة الأناقة والنظافة في ذلك الحين فهي في تقديم طست الماء إلى الملك ليغسل وجهه وفمه وأنفه في الطست ثم إلى النبيل الذي يليه، فيقوم بالطقوس نفسها منظفاً فمه وأنفه في الماء نفسه ثم يعطي الطست إلى من يليه وهكذا حتى يمر الطست على كل رجال البلاط، ولنا أن نتصور انطباع ابن فضلان القادم من حضارة تعتبر النظافة جزءاً من الإيمان نفسه.المستشرق الروسي كراتشكوفسكي يتحدث عن رحلة ابن فضلان باحترام كبير ويعتبرها الوثيقة الوحيدة والموثوقة عن طريقة عيش الرس في بداوتهم في السهوب السلافية. طبعاً ظل هؤلاء الرس وبعد تنصّرهم وإقامتهم الدولة الروسية الأولى (دولة كييف) يحنّون إلى جذورهم الاسكاندينافية، وظلت الارستقراطية الروسية حتى القرن التاسع عشر إذا ما أراد نبيل منهم الفخر ادعى أنه من نسل روريك القائد الفايكنغي الذي عبر إلى السهوب السلافية. في التاريخ نفسه تقريباً كان يعيش على بحر الخزر ـ قزوين ـ دولة غير مسبوقة في التاريخ وهي دولة اليهود الخزر أو المتهودين، وهي دولة لشعب من العائلة التركية العريضة التي تضم المغول والتركمان والجغتاي الذين أنجبوا السفاح تيمورلنك الخ. هذه الدولة أحست بالصغار لمجاورتها دولتين متحضرتين هما العباسية المسلمة والبيزنطية المسيحية الأرثوذكسية، وكانت دولة الخزر هذه قد أثرت ثراء كبيراً من التجارة البينية، أي بين الشرق الأقصى وسلافية وبيزنطة. قرر أحد ملوكهم أن الأوان قد آن لاتخاذ دين توحيدي، فاستدعى ممثلين للأديان الثلاثة، اليهودية والمسيحية والإسلام، فطلب منهم أن يحدثوه عن أديانهم كي يختار الدين المناسب، وأخذ كل منهم يطنب في مدح دينه، ويبدو أنه خاف إن أسلم أن يصبح تابعاً للدولة العباسية، أما إن تنصّر فسيصبح تابعاً للبيزنطة، ولذا فقد اختار الدين الذي ليس له سياسة، وهكذا اختار اليهودية. هذه الحكاية نفسها تروى عن الملك الرسي فلاديمير الذي اختار المسيحية متخلياً عن اليهودية والإسلام، ثم تزوج من أميرة بيزنطية، وصارت دولة كييف نسخة من بيزنطة في طقوسها الكنسية وعمارة كنائسها حتى حين بنوا كاتدرائية جعلها ياروسلاف نسخة مصغرة من آياصوفيا. المهم دولة الخزر هذه كانت تجارتها الكبيرة والمربحة هي تجارة الرقيق الأبيض وممن كان يؤتى لهم بالرقيق الأبيض إلا من سلافيا الذين كانوا لقمة سائغة للغزاة الرس والخزر والنخاسين الذين لم يكن لهم من هم إلا نزوات السلافيين والمحصورة بالفراء والصبيان والبنات الذين كانوا يباعون إلى تجار العبيد العالميين مسلمين ومسيحيين فينظفونهم ويدربونهم حتى يصبحوا ويصبحن مناسبين للقصور، ثم للجيوش أو الكنائس حسب المراد. كانت الكنيسة البيزنطية الأرثوذكسية متيمة بالأصوات الجميلة للمنشدين يقرأون الترانيم في الكنائس، والحق أن جزءاً كبيراً من تراث الكنائس الأرثوذكسية اللحني والشعري يعود إلى الشاعر والموسيقي ابن ديصان أو بارديصان الذي اختلفت قراءته الكنسية مع مار أفرام السرياني، فحرمه، وصارت كلمة ديصاني تعني المارق أو المهرطق حتى كان الإسلام وصارت كلمة ديصاني في الفترة العباسية تطلق على كل مخالف أو معترض سياسي على السلطة. المهم أن الكنيسة الأرثوذكسية كانت تعاني من مشكلة العثور على منشدين وشماسين ذوي أصوات جميلة، وأخيراً وجدت هذه الأصوات عند الغلمان، ولكن هؤلاء الغلمان كان لديهم مشكلة وهي أنهم ما أن يدركوا الرجال حتى يخشن صوتهم ويفسد، فتضطر الكنيسة إلى التخلي عنهم والبحث عن غلمان ذوي أصوات جميلة. ويبدو ان هذه المشكلة قد طال الأمد عليها وعندئذ تقدم النخاسون والخزر بالحل ألا وهو خصاء الغلمان ذوي الأصوات الجميلة فيظل صوتهم الغلامي الشبيه بالصوت النسائي يلعلع، وقدموا للمشرفين على الكنيسة بعض هؤلاء الغلمان الخصيان والذين تجاوزوا العشرين، ولكنهم ظلوا ينشدون بتلك الطبقة المرغوبة للغلمان. هل كان اليهود الخزر أول من اكتشف الخصاء وأهميته في الاحتفاظ بعذوبة صوت الغلمان؟ لا أحد يعرف، فليس هناك من دليل، ولكن دولة الخزر صارت المورد الأكبر للخصيان السلاف إلى بغداد والقسطنطينية، فأما بغداد فكانت تريدهم لحراسة وخدمة الحريم في القصور، وأما بيزنطة فتريدهم للإنشاد. اكتشف أحد العسكريين فجأة قسوة وعنف هؤلاء الخصيان، فجرب استخدامهم في الجيش ليكتشف أن لديهم عنفاً وشهوة للدم والقتل أقوى بكثير مما لدى الفحول الأسوياء، وهكذا زاد الطلب على الخصيان جنوداً، ثم قادة... وكثيراً ما كانت الحرب بين بغداد العباسية والقسطنطينية، يقودها خصيان على طرفي الحرب، تلك الحرب التي شهدت أشكالاً من الدموية والتمثيل والتشويه التي لا يقوم بها إلا خصي عاجز عن الاغتصاب، والاغتصاب أحد مكافآت الحرب. في ذلك الحين دخلت إلى العربية كلمة صقالبة والتي تعني العبيد البيض، وهنا أخذ السؤال يلح عليّ: ما معنى كلمة صقالبة، ولماذا دخلت بصيغتها الأجنبية إلى العربية وعدت إلى المراجع، ولكني لم أجد ما يقاربها، فقررت البحث عن كلمة slave والتي تعني العبد في الانكليزية، وهنا كانت الصدمة فقد كان قاموس كولينز يشرح كلمة slave فيصل إلى أن الكلمة مشتقة من الكلمة الفرنسية esclave المتحدرة من فرنسية العصور الوسطى المتحدرة من الكلمة اللاتينية sclavas والتي تعني الإنسان المقيد، ثم يشرح كلمة المقيّد بقوله: إن الشعوب السلافية حين كانت تهزم أمام الغزاة كانوا يقيدونهم تمهيداً للتصرف بهم، ثم يكمل بأن كلمة سكلافوس مشتقة من الإغريقية المتأخرة sclabos وهكذا عرفت بأن كلمة سكلابوس قد انتقلت إلى اللغة العربية لبيزنطة فجمعوها وصاروا يقولون صقلبي وصقالبة ويريدون العبد السلافي ثم انتقلت الكلمة من الفرنسية إلى الانكليزية على slave ذات الجذور التي سبق تتبعها .هاتان الدولتان العسكريتان أصلاً وإن كانت أولاهما وأعني دولة الخزر التي قامت عسكريتها على الجيوش المرتزقة إذ يحدثنا ابن فضلان عن جيوش مسلمة كانت تعمل لدى الدولة اليهودية هذه، وكان لديها جيوش تركمانية أيضاً. أما الدولة الثانية فهي دولة الرس الذين كانوا قبائل هائمة في سلافيا تغزو وتنهب و تبيع منهوباتها وأسراها إلى دولة اليهود والخزر، وظلت قبائل الرس على هذه الحال حتى أنشأت دولة كييف أولى مستوطنات الرس، وحين تنصّرت، وصارت بدورها دولة لها جمارك وضرائب وتجارة اصطدمت مصالحها بمصالح الدولة المسيطرة دولة الخزر، فهاجمة دولة الرس دولة الخزر ودمرتها، فتمزق يهودها بين خزاريا وبولونيا، هؤلاء اليهود هم من سنعرفهم بعد عدة قرون تحت اسم اليهود الاشكيناز والذين سيقدمون إلى فلسطين وتكون الدولة الأولى التي تعترف بهم هي دولة روسيا التي كانت تسمى الاتحاد السوفياتي. ونعود إلى الصقالبة، فالحضارة العربية الإسلامية، عباسية كانت، أم أندلسية أو فاطمية قد تعاملت واشترت الآلاف من الصقالبة لتستخدمهم حرساً للحريم ومحاربين قساة شديدي القسوة، والتاريخ يذكر حكاية الخليفة العباسي عبد الله بن المعتز الذي رأى وكان طفلاً أباه الشاب يجرونه إلى القصر ذبيحاً في منتصف العشرينات من عمره فأقسم أن يبتعد عن السياسة وطلب الرياسة، وعاش حياته منغمساً في ملاهي بغداد وخماراتها ومواخيرها، وكان في الآن نفسه شاعراً جيداً وعالماً من علماء البلاغة، ومؤرخاً إلى أن مات الخليفة المكتفي، وبحث القائمون على الحكم عمن يضعونه أو يبايعونه خليفة، وأخيراً قرروا اختيار أخيه الطفل جعفر والذي سيعرفه التاريخ باسم الخليفة المقتدر، والمضحك أنه الخليفة الذي سيرسل ابن فضلان بعد عشرين سنة من حكمه في رحلته الانثروبولوجية الشهيرة، ولكن جعفر أو المقتدر كان صبياً في الثالثة عشرة من عمره عند موت المكتفي، فأبى كبراء بغداد من المدنيين أعني الوزراء السابقين وكبار البيروقراطيين والتجار وبعض الجنرالات من العرب، وكان أهمهم الضابط المغامر الحسين بن حمدان والذي سنعرفه فيما بعد من خلال ابن أخيه سيف الدولة بن حمدان صاحب حلب. ألحَّ هؤلاء الكبار على ابن المعتز ليكون الخليفة، فهو الرجل ابن الأربعين وهو أكبر العباسيين وابن الخليفة الأسبق المعتز، ورجوه، ووعدوه، وألحّوا، وهو يعتذر، ثم أقسموا له بالولاء وبأن قطرة دم لن تسكب في سبيل هذا الهدف حتى كانت غلطته وهو الشاعر أن قبل مشاركتهم في انقلابهم على الصبي المقتدر. نجح الانقلاب، وصار ابن المعتز خليفة، ولكن ليوم وليلة واحدة اجتمع فيها الجنرالات الترك والصقالبة، وقاموا بانقلاب مضاد هرب على إثره المتآمرون وعلى رأسهم الحسين بن حمدان، وتركوا ابن المعتز لقدره، فقبض عليه وحكم عليه بالموت. كان لابن المعتز صديق بين هؤلاء الجنرالات وكان خصياً صليبياً وكان اسمه وصيف وكان رغم صداقته الحميمة لابن المعتز نقيضاً له في كل شيء، فهو العبد صديق الأمير، وهو العيي صديق الشاعر، وهو الخصي صديق فحل بغداد، فطلب وصيف أن يسلموه ابن المعتز لينفذ فيه حكم الإعدام، وهل لأحد أن يتخيل كيف نفذ فيه حكم الموت، لقد اعتصر بيده العارية خصيتي ابن المعتز حتى الموت. والآن، وأمام معضلات الربيع العربي منذ ليبيا وحتى سوريا هناك سؤال يلح في مرارة: من هو النخاس خاطف الأطفال، ومن هو النخاس الخاصي، ومن هو الخصي الذي تحول إلى الدموي في هذه اللعبة الجهنمية، ومن هو طالب الحرية والحكم العادل الذي تعتصر خصيتاه حتى الموت على يد الخصي الصقلبي لأنه تجرأ على صرخة لا في وجه مماليك لم يدعهم أحد إلى التسلط على خلافة كانت يوماً جمهورية.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة