As Safir Logo
المصدر:

... والغواني يغرّهنَّ الثناء

المؤلف: الحسيني مصطفى التاريخ: 2000-05-05 رقم العدد:8591

عندما بصَّرنا أمير الشعراء أحمد شوقي بأن »الغواني يغرُّهنَّ الثناء« لم يكن يصرف قوله إلى الاستخفاف ببعض من النساء درجنا على استهجان طبعهن أو مسلكهن، فالغانية في الدارج بيننا من اللغة هي المرأة المتبذّلة اللعوب، أما عند أمير الشعراء فهي أفضل من هذا، بل نقيضه وأعف و... أجمل وأحسن أي أوفر حسناً. الغانية هي من استغنت في جمالها عن الزينة، تعتز بحسنها وتعتد فتستغني، وهو اعتداد لا يخلو من تواضع تمازجه خصلة من غرور. فكأن أمير الشعراء أراد أن يفتح مداركنا على انه حتى الغانية الزاهدة في الزينة مكتفية بجمالها، يغرها الثناء. وقد تشابه الحسَّانة الغانية وتقاربها وتنافسها، فهي ذات الجمال المتناسق المتكامل، لا تقل قسمة منها حسناً عن سواها، وهي أجمل من القسيمة ذات الحظ الوافر من الحسن والتي تفوقها الوسيمة ثابتة الحسن، وربما كانت أعظمهن غرورا أو زهدا، هي المعطال، إذ يحدث ان يتطابق الغرور مع الزهد، فهي لا تبالي أن ترتدي ثوباً حسناً. II وصفت العرب النساء فأجادت، جمعت فأوفت، لكنها أيضا فعّلت ودقّقت. فالصباحة تكون في الوجه، والوضاءة في البشرة التي تكون أيضا رقراقة إذا تسفَّت كأنما يجري فيها الماء، فإن رقت ونعمت كانت بضة، وتكون نضيرة ان وشت بنضرة النعيم. أما الجمال فموضعه الأنف، ومنه الأنَفَة التي هي الترفع عن الدنايا، لكن المرأة طيبة الريح تسمى أَنُوفا، وتُرى الحلاوة في العينين اللتين قد تكونان دعجاوين أي سوداوين على مقلتين واسعتين، أو برجاوين إذا اشتد فيهما السواد وسطع البياض، أما إذا اتسع سوادهما فهما جوراءان، فإن كانتا واسعتين فهما نجلاوان، أما العين الكَحِلة فهي سوداء الجفن من غير كحل. وتكمل العيون بالحواجب، ومنها الزجّاء أي الدقيقة الممتدة، ومنها البليجة أي المنفرجة، وتقابلها القرَنة والأولى أجمل. وترسو الملاحة على الفم الذي يكون رشوفا إن كان طيب المذاق. كما يحلو الفم إن كان شَنِبا، ولا يعني هذا طبعا أن يعلوه شارب من الشعر بل ولا زغب، فالشنب هو رقة الأسنان واستواؤها وحسنها، وقد تكون الأسنان رَيَلَة أي حسنة التنضيد متسقة، أو منفلجة إن لم تتلاصق، فإن اتسعت الفرجات بين الأسنان يسيرا، فالثغر شتيت، وهذا من طبائع الحسن. أما الظرف ففي اللسان، والرشاقة في القد فتكون صاحبته غادة وغيداء إن كانت في مشيتها تتثنى عن لين لا يبرأ من التعمد، وهي أيضا رَوَد ولدنة إذا اقترن اللين بالنعومة، فإذا تلطف منها انحصر وعلت لها القامة فهي ممشوقة، فإن دقت محاسنها فهي مملودة. أما اللباقة فلا تكون إلا في الشمائل، ولا يكمل حسن المرأة إلا بجمال الشعر وغزارته ليجعلها فرعاء. III وقد ترى كل امرأة أو تريد أن ترى في نفسها غانية غيداء، غادة فرعاء، حسانة قسيمة وسيمة، صبوحة الوجه وضاءة البشرة رقراقتها مع بضاضة ونضر، أنوفا حلوة العينين؛ دعجاوين أو برجاوين أو نجلاوين مع اكتحال، زجّاء الحاجبين بَلِجَتهما، مليحة الفم رَشوفته، ذات أسنان رتلة شَنِبة منفلجة أو ذات ثغر شتيت، ظريفة اللسان رشيقة القد، رَوَد لدنة، غراء أي بيضاء أو ظمياء أي سمراء، لبقة الشمائل كاملة الحسن فرعاء. فما بالنا إذا كان الى ذلك رَصوف أي طيبة الخلوة، ربوخ يغشى عليها عند الجماع، وفوق هذا كله شموع تهنانة شموس، أي لعوب ضحوك ضحاكة متهللة دون أن تطمع الرجال في نفسها، حصان عفيفة، صَناع عاملة الكفين تحسن تدبير المعاش، خفرة دون أن يغشى حياءها وجل ولا خجل. وقد لا تُرى امرأة تجتمع فيها هذه جميعا إلا في حور الجنة. ويصعب تصور أن تحب امرأة ان توصف بأي ممّا سيلي من صفات رغم أنها عند العرب تدل على الحسن، لا تحب امرأة أن توصف بأنها سَبِطَة مع استحسان الطول في النساء، أو بأنها عيطبول حتى ولو كان إيماءً الى طول عنق المرأة الجيداء، ولا بأنها رَغْبوبة أي بيضاء رطبة، ولا بأنها بهكنة حتى وإن كانت تعني أنها جميلة الوجه حسنة المعرى، ولا بأنها برهرهة أي ترعد من الرطوبة والغضاضة ولا بأنها عرهرة أي عظيمة الخلق مع جمال، ناهيك أن يقال عنها بلهاء أي كريمة أو عيطموس أي فطنة حسناء أو سهلبة أي نحيلة مجدولة ممشوقة، ولا سرعوفة وإن كانت تصف طولاً مع نعومة، ولا يرضيها أن يقال عنها فيصاء أو عقاء إعجابا بطول جيدها. فهذه كلها كلمات أصبحت من غرائب اللغة. IV على أن جمال المرأة وحسنها عند العرب، شأنه عند سائر الناس، ليس مقياسا واحدا، فالناس ذائقات وأمزجة ومذاقات، فقد يُرى الجمال في المرأة الرمجلة التي هي ضخمة في تعمد وعلى اعتدال، أو المستجلّة التي زاد ضخمها ولم تقبح، أو الخدلجة وهي السمينة الممتلئة الذراعين والساقين، أو المرمادة أي السمينة التي ترتج من سمنها أو الرداح أو العجزاء ذات العجيزة العظمية أو اللغاء التي ضيقت كثرة اللحم ملتقى فخذيها، أو المرأة المسبطرّة وهي الجسيمة. أو كما يقول المصريون »كل فولة لها كيال«. V كان بالعرب الأوائل، ولعٌ خاص بالنساء، حتى أصبح الغزل فيهن غرضا صافيا من أغراض الشعر، والتشبيب بالمحصنات والنائيات والأنوفات والمترفعات منهن فناً من فنون الصبوة، ولعلهم ما زالوا كذلك، وربما لا يختلفون فيه عن سواهم من الأجناس. ومع ذلك فقد كان برجالهم تعصب للذكورة يلامس الاستهانة بالمرأة، رغم أن السعي الى قرباها ورضاها ووصالها كثيرا ما أنزلهم منازل الهوان. ومن باب التعصب للذكورة فضلوا في خَلَفهم الذكور وأعفوا أنفسهم من المسؤولية عن خلاف ذلك، فردوا نوع النسل من ذكر وأنثى الى المرأة، أو انهم أضفوا عليها الفضل. فعندهم ان المرأة كثيرة الولد بنون، وقليلة نزور ومن تلد الذكور مذكار وأم الإناث مئناث، ومن تلد ذكورا وإناثا فهي مَهَاب، والمنجاب تلد النُجباء على نقيض المُحمقة التي تلد الحمقى، بل وحمَّلوها ما لا يجوز أن تحمل، فنعتوا من لا يعيش لها ولد بأنها مقلات. وكأن الآباء لا يورثون أولادهم من صفاتهم شيئا لا حسنا ولا سيئا. VI استخرجت جُلَّ ما سبق من كتاب »أخبار النساء«(*) لابن قيم الجوزية، أو بالأحرى من الفصول التي أمتعتني من الكتاب. لكن فصولاً أخرى فيه تركتني على قدر من الكرب غير يسير، فيها يعرض الفقيه الحنبلي الذي عاش بين القرنين الهجريين السابع والثامن، صورة للمرأة عند الإسلام والمسلمين على ما ذهب إليه ما زالت تطاردنا حتى اليوم. (*) شرح وتحقيق د. نزار رضا طبعة مكتبة الحياة بيروت، 1973.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة