الأربعاء 12 تموز 2006: الساعة الخامسة صباحاً إنه وداع المنزل. ولكن، كيف يودّع الإنسان ما لا يملكه في الأساس أو ما لم يألفه أو ما لم يعرفه حسن المعرفة، وبقي بعيداً عنه حتى لو أقام منه؟ ثلاثون عاماً وعام، وهي تقريباً نصف العمر، ونحنُ (أعني أنا وعائلتي) نتشرّد فيها على خطوط التماس، من أقاصي الجنوب إلى ضواحي بيروت، ومن قلب المدينة إلى أطرافها البحرية... كانت ثمة قذيفة تلاحقنا باستمرار، كيفما اتجهنا وحيثما حللنا.. ما أن ننتقل من خط تماس إلى مكان آخر، حتى ينشأ في هذا المكان تماس آخر... وكم من مرة، حين كان يشتدّ الرصاص على المكان الذي نحن فيه، ولا تعود الإقامة تطاق، نزلنا إلى الشارع، وصعدنا السيارة، ثم انسدّت علينا الطرق، وصرنا ندور على أنفسنا ونحن في مكاننا كطائر عالق في شبكة... ثم كم قطعنا المسافات وبدّلنا المنازل كما تبدّل الأحذية، وكم نمنا تحت جسر، أو في الكنيسة، أو في مستودع كل ميزته انه تحت الأرض، فلم تكن الملاجئ لتلجئنا، ولم يكن لدينا منها واحد... لذلك، ففي أي منزل أكتب في هذا الصباح الباكر من الحرب الجديدة؟ نصف قرنٍ من الزمان، ونحن مكشوفون تحت عراء الله. لذلك كان من الصعب عليَّ أن أصدّق أنه صار لي منزل، أنزل فيه، أو مقرّ، أقرّ فيه، أو مراح، لكي نرتاح... ومع ذلك، ومع الصباح الآتي بالرعب من البحر والسماء، وقفتُ على شرفة المكان الذي كنّا نعيش فيه، في أطراف الضاحية الجنوبية من بيروت، وسرّبتُ نظري من بين فسحات البنايات غرباً نحو البحر، وكانت تأتي منه نسمات لكنها مشحونة بأصوات شبيهة بأصوات الغربان في جزيرة معزولة، ثم انتقلت إلى الشرفة الثانية، ونظرتُ إلى الجنوب، حيث تمتد غابة أشجار الغولف، وتضيء حواشيها انفجارات القذائف والصواعق، فلاحظت أن كل ما يجري، ويهزّ فينا أحشاء الحياة، لم يكن بقادر على إسكات أصوات العصافير المزغردة من أجل حناجرها، والمتطايرة هنا وهناك تعلو وتسقط كأنها الحجارة... فالعصافير لا تهتم بالحروب، وهي تبني أعشاشها حتى في فوهات المدافع وخوذ الجنود... فلماذا تأبه لنا نحن المهاجرين أبداً، في رمضاء العقوبة، نحو «زمزم» ولا زمزمَ لنا في الأرض ولا ماء ولا خيمة؟ نسيتُ أن أقول، إنه في ذلك الفجر من تموز، كان يطلّ على الشرفة الجنوبية من جهة الجَبَل، ويتسلل إلى الصالون، قمر شاسع أصفر أبله... تركنا كل شيء حيث هو، وخرجنا. { الخميس 13 تموز 2006: في البدء كان التماسّ انتهى. ابتعد المنزل. غاب. كان لم يكُن. سيّان تهدَّم أم لَمْ... غبنا عنه، رحلنا. لم يعد لنا ولا نحن له. نحن لسنا نحن ولا هو هو: نقطة صغيرة جداً في بلادٍ صغيرة جداً في أرض صغيرة في كون صغير... وضاعت. في البدء كان التماسّ.. جماعة كانت تجمعت ثم تبددت. أين الغرابة؟ «بالأمس كانوا هنا واليوم قد رَحَلوا وخلَّفوا في سويدا القلب نيرانا نذراً عَليَّ لئن عادوا وإنْ رجعوا لأزرعَنَّ طريق البيت ريحانا» لقد حَدَث كل شيء فجأة. كأنه أمر قاهر وقَدَر لا يُردَّ. حتى تولد، يقال لك: كُن هنا في هذه اللحظة. حين تموت، يقال لكَ: مُتْ هنا والآن. ولا شيء بعد ذلك ليقال. أنا الآن أكتب من مكانٍ آخر. دعوني أصفْ لكم أين أنا. أمهلوني قليلاً. فالأحاسيس ترتجف والكلمات والجغرافيا. أنا الآن في الطبقة السادسة من مكان اسمه... (أمهلوني قليلاً) ماذا أسميه؟ إنه فقط كائن على الطرف الشرقي من المدينة، عالٍ ومنكشف كالفضاء. إنه مكان طائر، وليس له سوى جهة واحدة.. جهة لا تني تضرب بضرباتها المؤلمة على بصري، جهة الضاحية، يكشفها ويراها ولا تراه. مسكين أنا ومسكينة الضاحية.. الضاحية. الأضحية. الأضحى. الضحيّة، الضُحى... .... «والضُحى/ والليل إذا سجى [ ما ودّعك ربُّك وما قلى [ وللآخرةُ خيرُ لك من الأولى [ ولسوف يعطيك ربُّك فترضى [ ألم يجدك يتيماً فآوى [ ووجدك ضالاً فهدى [ ووجدك عائلاً فأغنى [ فأمّا اليتيم فلا تقهرْ [ وأما السائل فلا تنهرْ [ وأمّا بنعمة ربك فحدّث». ـ لمن تنتسب في هذه اللحظة يا محمّد؟ ـ أنتسب إلى فقه الضحايا وميتافيزيقيا المعذّبين قيامتكم حاضرة وعرسكم مؤجّل. { الجمعة 14 تموز 2006 من خلال النافذة، أنظر إلى الضاحية. عيناي واسعتان حتى تكاد تتمزّق حدقتاهما من شدّة الاتساع. أذناي كأنهما رادار الأبديّة. أريد أن أرى وأسمع كل شيء يحدث هناك. كل تنهيدة وصرخة وصلاة. وأريد أرى الناس وهم في الزوايا يرتجفون من الخوف أو من خشية الله. يعلو في «المنار» دعاء الجوشن، دعْك من الخوف، فهو لاغٍ في لاهوت المضطهدين... كذلك «ولا تحسبنَّ ... ... ...». نعم.. «ولا تحسبنّ...» ولكنْ: من يقنع الطفل بسوى حليب أمه ولعبته؟ ومن يستطيع الآن أن يجادل في اليأس والرجاء؟ ومَنْ يجادل في الألم؟ الكلمة التي هي الأصل هراء. ومع ذلك أنا الآن موصول بالضاحية. بالجسد، بالصوت، بالعين، بحبل السرّة. الهواء الذي يفصل بيننا يوحّدنا حتى كأننا جسد واحد. الأنين الذي هناك في صدري وأقرب إليَّ من حبل الوريد. لا أنام. عند الفجر يصل صوت المؤذن ناحلاً كالغيبوبة. أصغي إليه، وأنا أنظر إلى جدار كنيسة مجاورة. البنايات التي بيننا تنام تحت خطّ الصمت. إنها تصغي فقط، ولا تعطّل ما بيننا من حوار عجيب. أسمع أرى وأحدّد الأمكنة باتجاه الانفجارات وعلامات الدخان المتصاعد منها، والمتبدّد نحو الغرب. الطائرات المنفرعة تحوم وتنقضّ فتنفجر صواريخها كالصواعق، فتتبعثر البيوت تحتها كالعهن المنفوش وتدفن ساكنيها تحتها وهم أحياء «وعيونهم شاخصة إلى السماء». مات أهلي هناك. ذكّرتني الانفجارات وكومات الدخان، أنه كان لي منزل، في تلك الجهة التي في الضواحي. منزل؟ إني أخمّن من خلال الدخان والتماعات القنابل أماكن الإصابة واحتمالاتها. خمّنت كثيراً... ولكنني ما لبثتُ أن أقلعت عن ذلك. كتبت في رأسي: انتهى، وأغلقتُ الباب. وكنت أنظر إلى سيف جلعاد وهو يقطع المدينة نصفين، كما تقطع السكين التفاحة. { السبت 15 تموز... سيف جلعاد أنا الآن أقيم في وطني. لبنان. موصول بفلسطين من الجنوب. بحبل الشيخ والجليل. تسمّي إسرائيل أرضها أرض جلعاد أو الميعاد. حسناً. أنا الآن أقيم في البلاد التي تقع شمالي أرض جلعاد. لقد سمّت إسرائيل هذه الحرب باسم جنديّها الأسير واسم نبيها القديم. «سيف جلعاد» وحدّدت الجغرافيا بحدّ السيف. البلاد التي هي شمالي جلعاد يفري فيها السيف، تنبش صواريخهم أرضها وتقتل أهلها. الجسور قطعت والبلاد والقُرى قُوِّرت كأنها الذبائح. سيف جلعاد يا للتسمية التوراتية القاتلة. أقول لنفسي: أثمة وقت للتأمل الآن في الكلمات؟ وأخذت أستعير من ذاكرتي ما يثير العَجَب. إنهم يستعيرون لمجازرهم ومخازيهم عناوين القصائد والروايات والأساطير... «النجم الساطع» «عناقيد الغضب» «سيف جلعاد»... يستخدمون فقه اللغة لفقه القوّة. أجمل الكلمات لأبشع الحروب. ما هذا؟ هم يتحدثون عن الشعر أم عن الجريمة؟ أبوسع القاتل أن يكون شاعراً؟ وكيف يطهّر الجمال الوجود؟ أبإحراقه بالنار؟ هل تستوقفك متعة النار الملتهبة وهي تحرق الأجساد؟ وانعقد في مخيلتي قوس من رجلين متباعدين، مختلفين في الزمان والمكان واللغة والرؤية.. إنما لكل منهما حكمته.. وهما (ولتعجبوا) «فريدريك نيتشه» و«أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ»، فيلسوف القوّة وشاعرها المجنون، وحكيم الأدب وظريفه العاقل. يلاحظ «نيتشه» في كتابه «تحطيم الأصنام، أنّ الأقوياء يمنحون أنفسهم حقّ تسمية الأشياء والأفكار بالتسميات التي يريدونها، وأنهم يمنحون التسميات ما يشاءون من دلالات، هكذا تتغير اللغة دائماً بفعل ما تحفره سكاكين القوة في جلد القاموس ولبّه وقلبه من علامات. نعم إذن: إنها مناورات «النجم الساطع» الأميركية، وما رسمته من خرائط الخليج، وإنها حملة «عناقيد الغضب» الإسرائيلية وما أرخّت له في مجزرة «قانا» في العام 1996، واليوم إنها حرب «سيف جلعاد» على لبنان.. هذه الحرب التي أرى يذبح بها حامل سيفها على الأرجح. وحدهم الأقوياء هم سادة الإسم. سمّت المقاومة أعمالها «الوعد الصادق». لقد منحها سيّد المقاومة الاسم. استلّه من عمق القرآن، وصدق الوعد الإلهي لعبده. لقد وعد السيّد أسرانا بالتحرير، وهو كما علّمنا، إذا وعد صَدَق في وعده. ولكنْ. ما لنا الآن ولهذا الترف في اللغة وفقهها والقوة وفقهها؟ ولنؤجّلْ قليلاً دعابة الجاحظ.. { الأحد 16 تموز: سطور تمرّ كالطيور ألقي بسمعي إلى النافذة، فأسمع انفجارات الضاحية، عالية بليغة رهيبة.. ولا بلاغة تعلو على بلاغتها. وأكثر بلاغة منها صليات حزب الله على مستعمرات إسرائيل. ألقي ببصري إلى شاشة التلفزيون، فأقرأ تحت صُور المتحاورين والمعلقين والمحللين، سطوراً صغيرة، تمرّ سريعة كالطيور. سطر: المجازر تتوالى في القرى الجنوبيّة. سطر: صواريخ حزب الله تنصبّ على كريات شمونة. سطر: عائلة الشيخ عكّاش في الدوير: الأب والأم والأولاد العشرة دفنوا تحت ركام منزلهم بصاروخ واحد. سطر: صواريخ المقاومة تنصبّ على حيفا سطر: أربعون شخصاً قصفتهم الطائرات الإسرائيلية في «مروحين»، بعد أن أمرتهم بمغادرة القرية، واصطادتهم بضربة واحدة. سطر: ثلاثون شخصاً من الأهالي في «الزراريّة» قتلوا بصاروخ سدّد إليهم وهم يتجمّعون في منزل واحد.. دفنتهم في مكانهم.. وما زال أنين بعض المدفونين يسمع من تحت الأنقاض. آنئذٍ، رأيت بين صلية وأخرى للمقاومة تنصبّ على إسرائيل، مجازر أخرى ستحدث لا محالة، والقرى الجنوبيّة، واحدةً واحدة، ستبقر بطونها كالذبائح. آنئذٍ، أحسست أن «قانا الجليل»، لبست كل قرى الجنوب، وأنّ صليب المسيح، يتصالب بين النهرين، وأنّ مسامير كثيرة ستدقّ في أيدينا وأرجلنا وصدورنا وأعناقنا وفي عيوننا... إن قتيلاً واحداً هائلاً بحجم التاريخ، يسقط في الجنوب... وليس للعالم عيون. ولأعد إلى السطور سطر: صواريخ المقاومة تضرب في عمق إسرائيل. العدد خمسون. سطر: الصواريخ تضرب في عمق الطاغوت. العدد سبعون. سطر: إنها تضرب في عمق العمق. العدد مئة سطر: إنها تضرب في عمق عمق العمق. العدد مئة وخمسون. سطر آخر: الصواريخ تسقط تماماً في قلب جلعاد، بلا عدد. { الخميس 20 تموز.. مرمى النبلة الحرب لا تزال تضرب بأجنحتها المسعورة على الدم. كلاب التلمود تنبح وأنا أكتب. وأسأل نفسي: لماذا؟ ما دامت الكلمات سترحل، أما الكارثة فتبقى؟ وأجيب نفسي متعلّلاً: لعلّ العكس هو الصحيح. الكارثة ترحل أما الكلمات فتبقى. من أجل هذا وضعت صدري في مرمى النبلة. من أجل هذا أكتب لأشهد. { الجمعة 21 تموز... انتهى. ماتت الطفلة انتهى. أقفلنا عيني الطفلة الميتة على منظر لعبتها التي كانت ممددة إلى جانبها، وأوصينا خالتها بالصبر والصلاة. { السبت 22 تموز... فكّكوا «الريحان» إنه طفل آخر. حيّ وعجيب. جالس إلى جانبي مع عشرات الأطفال والنساء والرجال، في الطبقة السادسة من المكان الذي نسيت اسمه، وطلبت أن تمهلوني لأتذكّره. معاً اجتمعنا هاربين من الضاحية. إنه طفل آخر. أول حرف من اسمه: «ح ...» هو ابن: «ع ...» من آل: «نا ...» وعمره: ثلاث سنوات. من بلدة «سجد» الجنوبية قرب جبل الريحان. كانت قالت لي أمه إنه يكره إسرائيل ويحب المقاومة. سألتها باستغراب: هل هو في هذه السنّ في مثل هذا الوعي؟ قالت: جرّبْه. اخترعت له حكاية، ونحن نجلس جنباً إلى جنب، أمام التلفزيون.. قلت موجّهاً حديثي إلى والدته، وهو يصغي: ـ هل تعلمين؟ لقد فكّكت إسرائيل بالأمس «جبل الريحان»... نظرت إليه.. رأيته قد انكمش وانطوى على نفسه كالعصفور الخائف. مرّت دقيقة صمت، ثم انفجر الطفل فجأة بالبكاء. حضنته سريعاً إلى صدري. قلت له: لا تخف على جبل الريحان فكّكته «إسرائيل» وعادت المقاومة فركّبته. لقد ركّبته المقاومة. انفرجت أسارير الطفل. لجأ إلى صدر أمه ونام. { الأحد 23 تموز.. رسالة حبّ أعتصر من شرياني نقطة من الدم، وأضعها على آخر السطر في الصفحة البيضاء، لأقول لكِ يا حبيبتي انتهت الحرب، فليخففْ عني جمالُكِ وطأة المجازر، وليشملني بعفوه الخاص، فأنا سأحبك بين حرب وأخرى، وقبل الدم وبعد الموت، وقبل الأبجديّة وبعد الكلمات، وأعدُكِ بأن أكون لكِ أباً في هذه الحروب الطويلة، فكوني لي أماً فيها. إنّ قبلتكِ لي يا حبيبتي فرح الشعوب بالسلام، ولن تمنعني الطائرات من تدبّر شؤوني الصغيرة معكِ، مثل أن أحبك ولا أفكر بالكارثة. وأن تهدر من حولنا الطائرات وتتناثر الأشلاء والضحايا وأنا ملجأ لك وأنت ملجأ لي. أحبيني بين قتيل وقتيل. اذكريني عند مدافن القرى وبين ورودها، واعلمي أنني طائعاً وعت قلبي كورد على قدميكِ وفرشت صدري كبساط ممدّد لخطواتك، فاحضري. حلمت يا حبيبتي بأنّ الحروب انتهت، فكتبت لكِ هذه الرسالة على عجل، حيث أنتِ بعيدة، والبريد لا يصل، وألقيتها في البحر، ليحملها الموج إلى قدميك العاريتين في الشاطئ الآخر من هذه الأرض. { الأحد 23 تموز... تَرَف الجاحظ قال: كان اثنان يركبان في مركب ويجذّفان في بحر. أحدهما فقيه وأديب وشاعر (قلت في نفسي إنه يشبهني)، والآخر رجل من همل الناس وعامتهم. قال الأديب لرفيقه المسكين: هل تعرف القراءة والكتابة؟ أجاب الرجل: كلا، فأهلي لم يرسلوني إلى الكُتّاب وأنا صغير.. وهكذا بقيت أمياً كما ترى قلت متعاظماً: ويلي عليك، لقد أضَعتَ نصف عمرك سدى. وفيما نحن نتحاور، اهتاج البحر وحرّكت الرياح المركب بعنف، فألقتنا معاً في الماء.. وكنا غير بعيدين من جزيرة خضراء. في تلك اللحظة من الحكاية، سألني الرجل الأمّي وأنا أتخبّط في اللجّة، وقد شارفتُ على الغرق: ـ ألا تعرف السباحة أيها الشاعر العظيم؟ أجبته، وفمي يمتلئ بالماء: كلا... أنا لم أطلق رصاصة في حياتي ولم أمسك بندقية... قال: كان عليك أن تتعلّم القتال مع الشعر.. ولوّح بيده مودعاً وهو يمضي إلى الجزيرة: إلى اللقاء في عمر آخر. { الأحد 30 تموز.. قانا تأخذ زينتها: العرس إنه عرسها الثالث. ولا من معجزة. ماتوا جميعاً تحت علم الأمم وقرب المغارة. كان قد تجمّع الناس من القرى المجاورة فقد تناقل الرواة خبراً يقول إنه المسيح عاد حاملاً على كتفيه صليباً كبيراً بحجم المدينة، وأنهم رأوه عارياً وواقفاً بوجهه الحزين عند مدخل المغارة، وإنّ قانا جمّعت صغارها لمقدم البشارة. قال بعضهم إنه ليس المسيح بل سواه، فكيف يستطيع أن يعود والجسور قُطّعت كما تقطّع الأسمال، والبلاد قوّرت كأنها الذبيحة؟ «تجمّعوا من القرى يقودهم رجاؤهم والخوفْ وقيل إنهم عشرونْ وقيل أربعون أو مائةْ لكنهم وهم رعاةُ خوفهم تناقلوا ما بينهم بأنه في عرسه الثالث والأخير لربما تقودهم يداهُ نحو معجزة أو ربما تقودهم إلى الحياةْ وبينما كان هذا تناقل الرواةُ فجأةً بأنهم تمزّقوا وأسدلت ستارة المأساة فوقهم كالليل تكلّمت فاطمةُ التي تخاف أن يموت قبل عرسه وولولت تقولْ: يا سيّدي يا أيها القتيلُ والغريبُ والمؤمّل القريب والذي يبدّل اسمه كما تبدّل البحار ماءها والسماء طيرها والبلاد ساكنيها... بعزّة الأئمة الأطهار قل لنا: مَن أنت؟ وقل لنا: متى يقام عرسُكَ العجيبُ هل لنا انتظاره لآخر الزمانِ بينما نحن واقفون بين الموت والحياة؟ وآنذاكْ وفوق ساحةٍ مضاءة بلا قَمرْ أشار نحوهم إشارة غامضةً وقال: هنا امكثوا كي تحرسوا المكانْ أما أنا فغائب لآخر الزمانْ». { الثلاثاء 15 آب... الغيوم التي في الضواحي إنه الصيف.. هذا الصيف الذي لا يشبهه أي صيف في التاريخ أو المخيّلة. نظرت من النافذة... كانت الغيوم تتجمّع في الضواحي.