مضى عام تقريباً على اقرار قانون حماية الملكية الفكرية في لبنان من دون ان تتغير الملامح العامة لصناعة البرمجيات تغيرا ملموسا. فبعد منع تجارة برامج الكمبيوتر المقرصنة، لم يشهد لبنان الانطلاقة التي وعدت بها شركات محلية وأجنبية في مجال الاستثمار في قطاع المعلوماتية، وضغطت متسلحة بهذا الوعد في سبيل اقرار القانون. وبمبادرة من طلاب في الجامعة الاميركية، عقدت ندوة تناولت هذا القانون ما يشكل فرصة لاعادة تسليط الضوء عليه وعلى تأثيره في قطاع صناعة البرمجيات والمعلوماتية في لبنان. المؤسف في القانون الذي جاء تحت ضغط شركات اجنبية كبرى، انه ادى الى وقف قسم كبير من حركة تجارة البرامج من دون ان يطلق في المقابل حركة موازية. ومع التشديد على ان التجارة في برامج الكمبيوتر، قبل اقرار القانون، كانت تنتهك وبشكل صارخ حقوق الملكية الفكرية، إلا انها كانت توفر للمستخدمين من افراد وشركات صغيرة القدرة على مواكبة التطور المتسارع في عالم الكمبيوتر وبرامجه. وعلى الرغم من ان هذه الميزة التي توفرت طوال اعوام للمستخدم اللبناني الحقت ضرراً بالشركات المنتجة، إلا ان صغار المستخدمين لم يحصلوا من القانون على ما يعوض عليهم خسارتهم، بل عجزهم عن التزود بالبرامج نظراً الى ضعف القدرة الشرائية لدى اكثرية اللبنانيين. فالتعديلات التي ادخلت في اللحظة الاخيرة على القانون صعبة التطبيق عمليا، بل ان هناك من يشكو من عدم التزام الشركات بوعودها التي قطعتها اثناء فترة الاعداد للقانون. ويقول مؤيدو القانون انه يجعل المناخ الاستثماري في لبنان مشجعا للشركات الكبرى لضخ رؤوس الاموال وإطلاق مشاريع مهمة فيه. لكن هذا لم يحصل. فالاستثمار الاجنبي في قطاع البرمجيات يكاد لا يذكر والمكاتب التي افتتحتها بعض الشركات وسط ضجة اعلامية طاغية، لا تفعل سوى التسويق التجاري لمنتجاتها. كما يستحيل الفصل بين مناخ استثماري للبرمجيات والمناخ الاستثماري العام الذي يمر في ظروف صعبة. لقد تم تقديم القانون وسط اجواء طهرانية تطالب بالتزام درجة قصوى من النقاء في التعامل مع الاستثمارات الاجنبية وفتح الباب واسعا امامها، من دون مراعاة أسس المقايضة المنطقية ومساومة الشركات ورؤوس الاموال بأن إقرار القانون بهذه الصيغة يقتضي منها تقديم استثمارات ملموسة لتحرك عجلة الاقتصاد في البلاد، بقدر ما يبطئها منع التجارة بالبرامج المقرصنة. وترتفع اليوم اصوات تحث على تبني معاهدة »تريبس« (TRIPS) (معاهدة الملكية الفكرية في المجالات التجارية) التي تشكل احدى مراحل الاتفاقيات التجارية الشاملة وتقف وراءها هيئات دولية كبرى كمنظمة التجارة العالمية. وقبل الموافقة على هذه المعاهدة وغيرها، مما سيبرز في الاعوام القليلة المقبلة، قد يكون على لبنان ان يمعن النظر في ما تعنيه المعاهدات وتحديد مصالحه. فحتى اليوم، تمثل الاتفاقيات الدولية في المجال التجاري وموقع لبنان (واستطرادا الاكثرية الساحقة من الدول النامية)، قارة مجهولة المعالم غامضة التضاريس حيث لم يتبرع احد لشرح الفوائد او المخاطر التي تنطوي عليها. قانون حماية الملكية الفكرية لم يكن سوى خطوة صغيرة في بلد صغير في سياق اعم وأشمل نحو عولمة تسعد بها الشركات الضخمة على حطام اقتصاد وآمال الدول الصغيرة بالرفاه والنمو.