As Safir Logo
المصدر:

التحوّل الفقهي والتحوّل الثقافي (4) الاجتهاد: هل هو برنامج عملي أم مغامرة عقلية*؟

المؤلف: السيد رضوان التاريخ: 2000-04-14 رقم العدد:8577

I ما يزال الاجتهاد موضع أخذ وردّ، لا من حيث القول بإجازته أو عدمها، بل في تاريخه وحدوده ومعناه في الظروف الراهنة. فمنذ حوالى القرن ما عاد أحد يرى التقليد او ينتصر له بصراحة. لكن هناك من لا يزال يعتبر الإقفال القديم لباب الاجتهاد واقعاً مفهوماً او مسوّغاً. فهناك من يرى ان التأسيسات التي وضعها كبار الأئمة ما كان تجاوزها ممكنا وبخاصة بعد ان تدعمت بالقواعد الفقهية. ويرى آخرون ان محاولات السلطات للتدخل في الدين وفي تفسير الشريعة دفعت الفقهاء لإقفال باب الاجتهاد! لكن أتباع هذين الرأيين يذهبون الى ان الاجتهاد الجزئي استمرّ عبر القرون داخل المذاهب وفيما بينها. ويضربون أمثلة على ذلك الترتيبات داخل المذاهب الفقهية (ظاهر المذهب، وما عليه الفتوى، ورأي جمهور أهل المذهب)، وظهور فن اختلاف الفقهاء او الفقه المقارن الذي يجعل فقيها حنفيا مثلا يوافق في مسألة ما آخر شافعيا أو مالكيا ثم ظهور الفتاوى والنوازل، والتي تعني السعي للتوصل الى حل لمشكلة حاضرة قد لا يكون ما عليه مدار الفتوى في المذهب. على ان هناك من ذهب تحت تأثير شاخت Shacht الى ان المنظومة الفقهية نفسها كانت تحمل في قلبها بذور جمودها. فعلم أصول الفقه الذي ركّبه الإمام الشافعي تسبب في تعطيل انطلاقة الاجتهاد من خلال أمرين: التسوية بين السنة والقرآن في الحجية مع اعتبار السنة مصدرا مستقلا لا ينسخه القرآن، وقصر الاجتهاد على القياس او حصره فيه. جمال باروت، الذي لم يتخصص في الفقه، لكنه يعرف تاريخ الفكر الاسلامي الحديث جيدا، يعتبر ان القول بالمصالح وبمقاصد الشريعة كانت تعابير عن محاولات لتجاوز الجمود الفقهي تحت تأثير الصدمة الأوروبية. شبّهت الاصلاحية الاسلامية نفسها بالبروتستانتية وفعاليتها ودورها في المسيحية. فذهب عدة إصلاحيين الى أنهم عندما يخرجون على التقليد انما يعودون للاسلام الاصلي او لأصول الاسلام فيتحررون بذلك من سطوة المذاهب التقليدية، ومن صورية المنطق القياسي. وبذلك يغادرون العلة الى المقصد او الحكمة او المصلحة. بيد ان هذا الجو المنفتح بدأ يتباطأ في العشرينات والثلاثينات من هذا القرن لأسباب داخلية (حدود نهج التأصيل) وخارجية (الهجمة الاوروبية على ديار المسلمين وثقافتهم وبروز أولوية الهوية على مسألة التقدم). أما جمال الدين عطية، ذو التجربة الغنية في مجالي الفقه والقانون فلا يُعنى كثيرا بالتاريخ، لكنه يوافق باروت فيما توصل إليه، ويمضي بعد مقدمة قصيرة لافتة لوضع برنامج واسع للاجتهاد الفقهي ذي شقين: شق ما أنجز وقراءته نقديا، والشق الذي ينبغي إنجازه، او ان الفقه الاسلامي قصّر فيه. في المقدمة القصيرة ذكر ملامح للتجديد الفقهي تستدعي الانتباه والاهتمام. لكنه ذكر أمرين مهمين دون ان يركّز عليهما. ذكر ان التجديد ضروري في علم أصول الفقه. ثم ذكر أن الشريعة قسمان: تزكية النفس بالعبادات، وبالأخلاق الحميدة، وباتباع الأحكام والاجتهاد فيها في المعاملات. والقسم الثاني يتأسس على القسم الاول، لأنه الغاية والحكمة والمقصد. ففي هذا القسم الايمان والاسلام والتصديق والشأنان الخاص والعام، وباختصار: هنا تكمن إنسانية الانسان التي يُفصح عنها عمله! وما قاله جمال الدين عطية في معنى الشريعة، بدا كثير منه مرة اخرى في ملامح التجديد الفقهي التي ذكرها، ثم في »البرنامج« الذي وضعه للتجديد في اثني عشر مجالا. ورغم إعراضه عن »برمجة« التجديد في الأصول كما ألمح، فإن تقسيمه للشريعة على هذا النحو يعتبر احتجاجا على ما آل اليه فهم قضية الشريعة في عصر الاحيائية الاسلامية. فقد تحوّلت الشريعة الى »قانون« يُطبّق فتقوم دولة القانون، دولة الشريعة (= الدولة الاسلامية)، او لا يُطبق فتنعدم دولة القانون او تزول المشروعية الاسلامية عن الحاكم تارة وعن المجتمع والحاكم معا تارة اخرى. على مطلب التجديد الفقهي الجذري والشامل عند عطية، جاءت مداخلة د. وهبه الزحيلي بمثابة رد قوي. فالزحيلي عالم من علماء الشريعة، مارس التدريس والتأليف في الفقه وله تجديدات عدة في عدة مجالات. والزحيلي لا يجادل في ضرورات التجديد والاجتهاد. لكنه لا يرى ضرورة للإصلاح الاصولي او الفروعي. بل الضروري تطبيق الأدلة الشرعية الأصلية والفرعية، والقواعد بدقة وصرامة. فالمنهج القياسي التقليدي لم يستنفد أغراضه، والدليل على ذلك المؤلفات الضخمة في الفقه في هذا العصر، والمجامع الفقهية وقراراتها واجتهاداتها. اما المقاصد والحكم والمصالح وعلومها فهي جديرة بالاعتبار، لكنها تُستخدم اليوم ذرائع للتفلت من النصوص، ومن الآليات المضبوطة للاستنباط والفقيه عندما تتعارض لديه الحكمة مع العلة يكون عليه ان يلجأ إلى العلة التي تنضبط، بينما لا تنضبط الحكمة او لا تُعرف دائما، والمعروف أن القياس الاستنباطي لا يقوم إلا بمعرفة العلة. وقد ضرب د. الزحيلي أمثلة عدة لاجتهادات روعيت فيها اعتبارات المصلحة او المقصد فأخلّت بالشريعة وانتظامها. ولذلك رأى من الضروري حتى في مجال إعمال الأدلة التقليدية الاصلية والفرعية، ان يحذّر عند كل منها (مثل الاستحسان، والمصالح المرسلة) من التفلت والخروج بها عن الغرض. ذلك ان تلك الأدلة تلجأ الى العقل وهو ليس مصدرا من مصادر الفقه. فالفقيه حتى عندما يستخدم العقل بشكل محدود في القياس انما يكشف عن الحكم ولا يُنشئه! لذلك يتهم الزحيلي دُعاة التجديد الجذري بالتأثر بالغرب لدراستهم او عملهم فيه. ورغم ان د. عطية قال في مقدمة مناقشته لأطروحة الزحيلي ان بينهما اتفاقا في اكثر الامور، فالواقع انهما مختلفان في أكثر الامور. وأهم وجوه الاختلاف ذلك الاختلاف في المنهج: العقل ودوره، والحكمة وعملها، والشريعة ومفهومها. أما أحمد الريسوني، الاسلامي المغربي المعروف، فله أعمال في المصالح والمقاصد. ولذلك لا يسلك مسلك باروت في »قراءة« روح الاصلاحية الاسلامية، بل ينصرف لقراءة آليات التجديد وسط جدالية النص والمصلحة. لكنه وهو العارف للفقه الاسلامي ولإمكانيات الآليات التقليدية، يجد نفسه بسبب من انضوائه ضمن الاحيائية الاسلامية المعاصرة أقرب الى الزحيلي، وان لم يثق ثقته بالآليات التقليدية. فهو في الواقع من جماعة التأصيل (العودة للقرآن والسنة مباشرة)، وممن يرون الاعتصام بالنص عن التعارض الظاهر بينه وبين المصلحة الفردية او الجماعية. II في كتابَي دار الفكر الجديدين نحن أمام ثلاثة مناهج: المنهج القياسي في أقصى امكانياته (الزحيلي)، ومنهج المقاصد (عطية) وقد بدأ يتجه ليصبح نظرا عمليا في التجديد الثقافي والفقهي، ومنهج التأصيل (الريسوني) وقد بدأ يتخلص من راديكاليته ليتحول الى مشروع (نظام او منظومة) لإقامة الدولة الاسلامية، دولة تطبيق الشريعة. فالزحيلي ليس تقليديا بحتا لأخذه بالجوانب العملية للاصلاحية الاسلامية دون جوانبها النظرية (الاستناد الى الغرب). ولأن الريسوني ليس إحيائيا سلفيا متشددا فانه يلتقي مع الكثير مما عرضه الزحيلي، مع إصرار أكبر على الأصالة في مواجهة التغريب، وعلى الصفاء فى مواجهة الانتقائية الاصلاحية. اما جمال الدين عطية فهو يقود الروح الاصلاحية الى أقصى حدود تفتحها مع معرفة جيدة وغير عدوانية بالاستنباط الفقهي التقليدي، وإعراض شبه واضح عن الأصالة والتأصيل. فهو يأخذ على التأصيليين فهمهم الضيّق للشريعة، ويأخذ على القياسيين تجاهلهم شبه التام للفقه العام او الشأن العام (المتمثل في المقاصد والحِكَم والمصالح). ويتجاوز الأمر ذلك كله عندما نسأل عن مشروع كل منهم: الزحيلي يخشى الانقلاب والجذرية بقدر ما يخشى الغرب والمتغربين. لذلك يصير الى انتقائية يعتبرها كافية للتجديد، فيذهب الى إمكانية تقنين الفقه بل ضرورته. ولا يطرح مسألة المشروعية على الحاكم او النظام او المجتمع. فنقد الغرب يصل به الى امكانية سلوك الطريق الوسطى. بينما يملك الريسوني مشروعا سياسيا تحوطه الأيديولوجيا، ولذلك لا يقبل الانتقائية ولا الطريق الوسطى، بل يريد تطبيق الشريعة ضمن إشكاليات النص/ المصلحة، كما صار عليه الأمر لدى الاسلاميين او تيارهم الرئيسي في الثمانينات والتسعينات. ومشروع عطية مشروع ثقافي وحضاري. لذلك يقدّر التراث الفقهي تقديرا عاليا، ويرى ضرورة جمعه وتنظيمه ودراسته، لا من أجل تطبيقه، بل من أجل تجاوزه. وهو يريد لقاء بالعالم ومشاركة فيه من ضمن التجديد الجذري، والالتقاء في ظل المشتركات مع العالم والعصر. بل ان التجاوز هذا إنما تجري شرعنته باللجوء الى مقاصد الشريعة ومصالحها، من أجل الالتقاء بالعالم بالذات. وينظر جمال باروت الى الثلاثة نظر الدارس المتفهم، الذي قلبه مع الزحيلي، وعقله مع عطية. فقراءته لذلك كله مغامرة ثقافية وفكرية، وهو يقوم بها لا لأنها دين او حضارة، بل من أجل التلاقي مع الآخرين في منتصف الطريق. (*) قراءة في كتابين: الاجتهاد، النص، الواقع، المصلحة لأحمد الريسوني ومحمد جمال باروت وتجديد الفقه الاسلامي لجمال عطية ووهبة الزحيلي. حوارات قرن جديد. دار الفكر دمشق بيروت، 2000.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة