هكذا فجأة وكما تكتشف مستعمرة من الكمأة في بادية شاسعة، ثم بهدوء وكما تكتشف تستخرج حباتها من بطن الأرض بفرح وتؤدة. ألقى ممدوح عزام بوجهنا رواية »قصر المطر« وتركنا لننقب فيها بهدوء، ومعروف أن التنقيب يحتاج لخبراء، فحبة الكمأة لا يخرجها سليمة شهية إلا »الكماؤون« المحترفون، أما الدخلاء فإنهم لا يجدون سوى الصخور وقطع الكمأة المتفتتة المحشوة بالتراب، فيهزون أكتافهم معتبرين ان هذه مستعمرة حصى مدببة وحبات فاسدة، غير مدركين أن ضربات معاولهم العشوائية هي من فتّتت الحبات وأخرجت الحصى. تعرضت »قصر المطر« لظلم من هذا النوع، وتعرضت لظلم من نوع آخر، فالشهرة جعلت من ينتظرون قراءتها وكثيراً ممن أنهوا قراءتها يعاملونها على أنها رواية هامة، ومعيار الأهمية معيار طاغٍ، أفقد أو غيّب قيمة أهم: هذه الرواية جميلة. ويمكن القول إن المهتمين بها (وهم كثر) يستخدمون التعبير الخطأ: من الواجب قراءتها، في حين انها رواية من الممتع قراءتها. وممدوح عزام انتظر حتى الخمسين ليكتب »قصر المطر« وكان قد كتب قبلها مجموعة قصصية »الشراع« ورواية »معراج الموت« التي تحولت إلى فيلم سينمائي بعنوان »اللجاة« من إخراج رياض شيا، ومجموعة أخرى أقدم من ذلك »نحو الماء«. ورواية »قصر المطر« تنتمي الى صنف الأدب الملحمي، وهي ترصد بيئة وعر اللجاة في بدايات القرن العشرين. وتتناول الصراعات الشخصية والوطنية في تلك الفترة، وتحلل ما طرأ على المجتمع، وهي باختصار رواية عن صراع الإنسان من أجل البقاء، صراعه مع الطبيعة، صراعه مع المحتل، صراعه مع الشر، وصراعه مع نفسه. حول »قصر المطر« كان هذا الحوار مع ممدوح عزام محاولة لإضاءة بعض النقاط الغائمة، وتوضيح ما قد يكون ملتبساً للبعض: { صنعت في »قصر المطر« صيغاً لغوية مدهشة، وكتبت لغة متطورة عن لغة أعمالك السابقة، وبدا واضحا انها مشغولة بإتقان على المستوى اللغوي، هل مرد ذلك إلى أن »قصر المطر« هي ملحمتك التي كنت تريد كتابتها أم لأن رحابة الموضوع وشاعرية الأحداث وروحانية الشخصيات ساعدتك على إطلاق طاقات لغوية مخبأة؟ كل هذه الأمور التي ذكرتها في سؤالك صحيحة، لقد بذلت الكثير من الجهد لصياغتها على أكمل وجه، وهي طريقة في الكتابة تعتمد على التأني الشديد في صياغة الجملة الأدبية بحيث تولى الكتابة نفسها عناية شديدة ابتداءً من التراكيب النحوية، إذ انني أرتب الجملة على أكثر من وجه لكي يستقيم المعنى ولكي يصل إلى القارئ كثيفا وممتلئا الى حدوده القصوى، ومرورا بالصياغة البلاغية حيث تتراكب الصور والاستعارات والمجازات بأنواعها لتشكل بنية لغوية خاصة من جهة ومتعة نوعية من جهة ثانية، بمعنى آخر أسعى إلى إحياء السردية الكتابية نفسها، باهتمام يماثل تماما الاهتمام بالمعنى وبالمضمون الفكري للرواية إن لم يزد عنه، بحيث تكون الحصيلة النهائية تقديم نص مشوق ممتع للقارئ يعيد إليه الثقة بأن الروايات والقصص والموسيقى وغيرها من الفنون، إنما كان هدفها الأصلي العميق، منذ بدأ البشر يبدعون، تقديم المتعة الروحية والجمالية قبل أي أمر آخر. وقد ساعدني في تركيب النص أن الموضوع الذي عالجته الرواية، وهو الثورة ضد الاحتلال الأجنبي لبلادنا من جهة والصراع ضد الإقطاع المتسلط من جهة أخرى، والبحث عن طريق الحياة وخيارات العيش من جهة ثالثة، كان موضوعا شائكا وشائقا في الوقت نفسه أغنى الكتابة الأدبية نفسها. أضف الى ذلك ما ذكرته في سؤالك عن روحانية الشخصيات، إذ انني الآن وبعد أن ابتعدت الرواية عني صار بوسعي أن ألاحظ ما أشرت إليه، وهو أن معظم الشخصيات تمتلك طاقة روحية محلقة، بل إن شخصية مثل الذيب الأعرج نفسه تراه في لحظات كثيرة مليئا بالعطف والحنان وروح التضحية، أما الباقون فمعظمهم يسمو الى النبل والسمو النفسي، والتوق إلى المجهول الجميل، والرغبة في تحقيق السعادة، وبالطبع لا يمكن للكاتب أن يعبّر عن كل هذه الأشواق الروحية الجميلة إلا من خلال لغة خاصة تتميز بالدفء والشفافية والبوح. { رأى بعض القراء أن بعض الشخصيات في الرواية تتقاطع في نقاط محددة مع شخصيات من الحياة، ما هي مساحة التأريخ في روايتك؟ دعنا نوضح أمرا، فالرواية عمل تخييلي بالضرورة، لم يكن وثيقة في يوم من الأيام، ولم يقل أحد في تاريخ الأدب العالمي أن شخصيات أي رواية تمثل بالمطلق هذا الشخص أو ذاك، وهناك من ينوّه في روايته أن جميع الأسماء والشخصيات والأحداث في النص الأدبي من صنع الخيال، وإذا حدث أي تطابق بينها وبين أسماء وشخصيات من الواقع فإن ذلك يكون مصادفة محضة لم يقصدها الكاتب مطلقا، وأجد اليوم نفسي ملزما بهذا التوضيح البسيط والبديهي والذي ظننته من أبجديات القراءة. ولكن الأمر الواضح أن الروائي يستمد عناصر كثيرة من الواقع لكي يستطيع أن يبني في نهاية الأمر رواية تنبض بالحياة وتتحرك الشخصيات داخلها وكأنها شخصيات من لحم ودم. وليست روايتي فريدة في هذا المجال، ولا أنكر أنني استمددت من الواقع عناصر كثيرة، ولكن الشخصيات التي خلقت في الرواية باتت ملك الرواية وحدها، وقد قلت من قبل إنه لا يوجد لأي من شخصيات روايتي سجل مدني في أي مكان من الأرض، وخاصة تلك الشخصيات القادمة من أصول فلاحية مغمورة أدّت دورها داخل النص كل حسب منطق حياته وسيرورته، وهناك شخصيات عامة في الرواية مثل قائد الثورة وبعض معاونيه، وهؤلاء معروفون جيدا في التاريخ، وهذا هو التقاطع الذي أشار إليه القراء الذين تعنيهم، وأقول هنا بصراحة إنني أشعر بالفخر لأنني رسمت لقائد الثورة السورية الكبرى صورة روائية جميلة ومليئة بالروح وبالمواقف الإنسانية والوطنية التي تشكل جزءا من شخصيته الحقيقية، والصورة المرسومة في النهاية هنا هي شخصية الثائر كما يراها الروائي، أو هي الصورة الفنية للشخصية الواقعية، وهكذا فعل تولستوي في »الحرب والسلام« وماركيز في »الجنرال في متاهته«.. الخ. ولكنني هنا في »قصر المطر« رسمت للثائر شخصية مليئة بالروح والوجدان والضمير الحي. أما عن مساحة التأريخ في الرواية فمن الطبيعي القول إن الروايات لا تستطيع كتابة التاريخ، وإنما تأخذ مقطعا منه أو لحظة نموذجية وتحاول خلق نسيج روائي يقول شيئا ما عند تلك اللحظات، وهنا يمكن القول إن هناك أحداثا حقيقية فعلا مثل احتلال الفرنسيين لبلادنا والنهوض الوطني الذي تجسّد في الثورة السورية، والوقائع الحقيقية موجودة داخل كتب التاريخ أو في الذاكرة الحية لبعض من جاهدوا في تلك الثورة، ودور الرواية هنا هو تأريخ الروح الإنسانية التي كانت وراء الاندفاع والجرأة والشجاعة التي انطلق بها أولئك الأجداد الميامين، وكمثال على ذلك فقد كتب تولستوي الصورة الروائية لمعركة »بوردينو« في رواية الحرب والسلام، لم تحدث المعركة الحقيقية كما حدث في الرواية، ويمكن القول إننا إزاء معركة مرسومة روائيا لتخليد تلك اللحظات، وإذا جاز لي القول فقد فعلت أمرا مشابهاً، إذ كتبت أكثر من ثلاثين صفحة أصف فيها معركة المزرعة وصوّرت البطولات والتضحيات التي قدمها أبناء المنطقة، ويمكن هنا أن يأتي روائي آخر فيكتب فعلاً روائياً عن المعركة نفسها فيرسمها بصورة مختلفة عن التفاصيل التي قدمتها ولكن المعنى سيظل واحدا: لقد كانت لحظات نادرة قدم فيها الناس أرواحهم للدفاع عن الحرية. { تبدو شخصيات »قصر المطر« وكأنها تنوس بين مشاعر متعددة، ويكون من الصعب أحيانا فهم تناقضها، بماذا تفسر هذا التناقض؟ لا أدري إن كان تناقضا ولكني مؤمن بأن كل إنسان يملك في داخله نوازع لا حصر لها، ولا ندري ولا نعرف متى يظهر أي منها، ومتى يتغلب الخير في داخلنا على الشر، متى تستيقظ الرجولة أو قيم الشرف، متى تظهر الرغبة في الانتقام أو التدمير. وبسبب إيماني بتعقد الشخصية الإنسانية وغناها ورحابتها بدت الشخصيات في الرواية بمثل هذه المشاعر التي سمّيتها متناقضة، هي ليست متناقضة بقدر ما تمثل الإنسان بشكل عام، ومن نافل القول إن شخصا ما لا يمثل الخير المطلق مثلا أو النزاهة أو الإخلاص، كما لا يمثل الشر أو الخيانة، فالإنسان كتلة من كل ذلك وهو الذي يستطيع بعقله وتفكيره وبانسجامه مع نفسه أن يغلب نزعة الخير أو الحب أو الشرف أو الرجولة على كل ما عداها من نوازع، وفي النهاية فإن شخصيات الرواية هي داخل الرواية ويجب أن تقرأ في علاقتها مع النص والشخصيات الأخرى والأحداث الروائية لا في تقاطعها مع المرجع الواقعي. لا تكتب من فراغ { تتميز »قصر المطر« بأنها ترصد تفاصيل لم يألفها القارئ العربي من قبل، فهل ترجع ذلك الى غنى بيئة الكاتب أم حجم المتخيل؟ أو بمعنى آخر ما أخذت من البيئة وماذا أضفت إليها؟ التفاصيل في »قصر المطر« وليدة المخيلة وحدها ويمكنني أن أستعير تعبيرا للروائي الياس خوري فأقول إن الروايات والقصص والحكايات إنما تبتكرها المخيلة البشرية لتقول شيئا ما بخصوص الحياة التي نعيشها ولكن الروائي لا يكتب من العدم، والخيال نفسه ليس وليد الفراغ، وإنما يستمد بعض عناصره من الحياة، وإذا تحدثنا عن البيئة فإنها غنية بالفعل، غنية جدا، فهي تمور بالحياة والحركة مثلما هي جميع البيئات في كل أصقاع الأرض، ويمكن للتفاصيل في الرواية ألا تشبه البيئة، وهي لا تشبهها إذا شئت، فالرواية في نهاية الأمر حياة مستقلة وقائمة بذاتها ولا تشير إلى أي مرجع خارجها، وما يأخذه الكاتب من بيئته هو المادة الخام التي سيعيد إنتاجها بصورة غير مألوفة وغير معروفة، هذا هو حال الرواية في العالم كله، وقد ازدادت جرعة الخيال في الرواية المعاصرة كثيرا، وهو الأمر الذي تلقفته »قصر المطر« بحيث إن عالمها وشخصياتها يمكن أن تكون مستقلة تماما ومنوطة بها وحدها. { تبدأ الرواية حيث يجب أن تنتهي فالراوي (البطل) يصف لنا جثة مرمية في الفلاة ويخبرنا أنها جثته هو وتنتهي الرواية لنكتشف أن من روى الأحداث هو الشخص نفسه وإن في حياة أخرى، ماذا أردت أن تقول من خلال استخدام هذه التقنية؟ التقنية المستخدمة في »قصر المطر« تعتمد على قضية فكرية هامة صرت من المؤمنين بها، وهي أن التاريخ يكاد يسير في حلقة كبرى مغلقة تبدأ وتنتهي حيث بدأت، إنها نوع من الحفاظ على البقاء والاستمرار، فلولا الصراع ما استطاع الجنس البشري، وربما الكائنات الحية كلها، الاستمرار في الوجود. وقد حاولت »قصر المطر« ان تقول شيئا يخص الحياة الإنسانية كلها، فالبطل روى في الحياة الثانية التي عاشها أحداث حياته الأولى وحياة عائلته كلها وما جرى من أحداث، وكان حصيلة كل تلك الصراعات التي خاضتها الأسرة في منطقة وعرة مجهولة ضد القوى التي تمثل الشر إذا استخدمنا التعابير الأخلاقية تكاد تكون مأساوية. لقد استطاع الشر ان يبقى وهذا طبيعي، لكن الخير لا يتراجع، لا يدمر، قد ينهزم لفترة لكنه ينهض من جديد، لا أقول هذا كي أكرر إيديولوجيا الأمر بل أقوله لأنني مقتنع بأنه جزء جوهري وضروري من طبيعة البشر، إنه عنوان البقاء وسجل الصيرورة التي استطاع الإنسان من خلالها أن يبقى، منذ قابيل وهابيل والصراع بين بني البشر متواصل ومستمر، هذه هي تقنية الاستعادة التي استخدمتها في الرواية، وهذا باختصار ما حاولت الرواية قوله. (دمشق)