إلى الآن، يحتلّ الاستهزاء بالطرابلسيين مكانة القاعدة الذهبية في التعامل معهم. ومن آخر علاماته، ذلك التمثال الذي ظهر فجأة لدلفين يقفز وعلى وجهه ابتسامة صفراء! كم هو مستفزّ هذا الدلفين، في مدينة تكاد تفقد أحد أعمق ملامحها، وأبرع حرفها، وهي الفكاهة. ستخونك الذاكرة وأنت تبحث عن آخر وزير داخلية زار طرابلس وسأل أهلها عن وجعهم، حتى عندما كان الوزير ابن الضنيّة المجاورة، ساكن الفيحاء، صهر العائلة الطرابلسية العريقة. ستخونك، وانت تبحث عن «مانشيت» جريدة أو مقدمة إخبارية، عرّجت على طرابلس إلا في الموت. جرّبنا كلّ شيء، من صناديق الاقتراع الكاذبة، إلى التظاهر بلا صدى. من الفنون المعجونة بجنوننا المتصاعد إلى مآذن ما تبقى من حكمة في المساجد، وأجراس ما تبقى من قداسة للكنائس. ولم يسمع أحد. يأتي موسم الدماء، فتنطلق أوركسترا تجار الجثث بتوزيع سفيه. هنا من ينفخ في بوق «القاعدة التي خطفت المدينة». وهناك من يعزف على وتر شاعرية المدينة «الحقيقية»، ثمّ يقرعون طبول «الفتنة القادمة»، فيدوّي موّال «الشعب والجيش يد واحدة» على ايقاع أقدام الطرابلسيين الذين احترفوا رياضة الركض بطفل في يد، وما تبقى من كيس خبز منكمش في الأخرى. «اوبرا» طرابلس مضجرة، ولم يلّحنها طرابلسيون، هم مجرد ظلال في «فيديو كليب» صوّر دون علمهم. العنف الذي ينفجر من أفواه البنادق في أيام القتال، هو نفسه الذي يكسّر شواهد القبور في مقبرة باب الرمل في أيام «السلم» المستدام بسموم المسكّنات التي لا تهدئ إلا لحين. هي نفسها الجروح التي يحملها شبابنا على ذراعاتهم تشويها للذات، انتحارا يوميا. ألف بوعزيزي هنا كل يوم. قندهار؟ ليست قندهار؟ أسئلة مستشرقين. بعضهم يشفق على طرابلس كما أشفق لورانس الانجليزي على حال قبائل العرب، وبعضهم الآخر يحوّلها مورداً لاستعراض بلاغته وقدراته الإنشائية كما صالونات اوروبا في القرن التاسع عشر. أمن طرابلس ليس بـ«التراضي» ولا «بالتفاهم». أمن طرابلس بالعلم والعمل. تريدون منع انتقال «الازمة السورية» إلى طرابلس؟ أفهموا ابن المدينة إذن أن المظلوم في سوريا ليس مظلوما لمذهب ينتمي إليه، بل لعيش كريم يطلبه. علّموه أن السلاح لم يجلب للثورة السورية سوى التشتت وخسارة التفوق الأخلاقي المحلي والدولي. ولا تقولوا له أن تضامنه يهدد الأمن القومي، لأنه حينها وبما تذخر به ذاته من عداوة إزاء نظام سوريا وارتباط بشعبها وأرضها، سيخرج عن الدولة وأمنها ليرتمي في حضن الانتماء الأوسع الغامض والذي يضمن له، ولو بالعنوان، شرعية تضامنه والمطالبة باسترجاع حقه المسلوب في العيش الكريم. تماما كما خرج كثير من اللبنانيين، عشية الحروب الاهلية اللبنانية ـ التي لم تنته ـ عن دولة لم تعترف، لا بشرعية تضامنهم مع الجار المنكوب، ولا بتساوي مواطنيتهم في لبنان الدولة. لا يسحب البساط من تحت أقدام المتاجرين بالحراك الشعبي المشروع أو بالدفاع عن سيادة الكيان السوري، إلا بمنح التضامن إطارا بناء لا غوغائياً. إطاراً يخدم فعلاً قضيته المعلنة، ولا يكتفي بتسجيل وقوفه خلفها. عندها سيكتشف الجميع، أن العمل من أجل الشعب السوري، والعمل من أجل تحصين سوريا، ليسا قابلين للتعايش فحسب، بل متكاملان وضروريان. عندها، سيمكن اقناع ابن المدينة الذي يوالي النظام في سوريا، أن أصالته وانتماءه للمدينة لا يمتّ بصلة لمصير هذا النظام، وان حقه في اختلاف الرأي تكفله سلمية أدوات التعبير للجميع. أعطه مكبر صوت كي لا يصرخ. تريدون تحصين لبنان من تداعيات «الانفجار السوري»؟ حيّدوا الجميع عن نهج تسجيل المواقف، وأثبتوا بالفعل أن لبنان يترك لمواطنيه مساحة حقيقية للنضال السلمي نحو غد أفضل. وإلا، وإذا كان منطق «شرعية الدولة» يخوّل لطـرف ابداء تضامنه مع النظام السوري، فإن منطق «الموقـف الأخلاقي» يخوّل للطرف الآخر إبداء تضامنه مع المناهض للنظام. وليس من الحيادية ولا من الوسطية في شيء، أن تفتح الباب للأول وتغلق الباب أمام الثاني، فلبناننا لا يزال عاجزا عن استنباط أخلاقية جماعية يحضنها كيان الدولة. إن المعادلة الاقتصادية والاجتماعية وال(لا)ثقافية، التي أنتجتها منظومة 8/14 آذار في طرابلس، أطلقت «رصاصة الرحمة» على أي وجود فعلي للطبقة الوسطى بالمعنى الاجتماعي، وهي الوحيدة التي بإمكانها أن تبني الجسور على كل المستويات. ولعلّ اللعنة المذهبية هي الحاجز الأخير أمام انفجار خزّان الفقر المديني في وجه الامتداد البرجوازي الجديد للمدينة، والذي هو أصلاً فاقد للهوية حتى في مقاييس الجمالية الظاهرية العمرانية، إلا من رحم ربّك من جدران وزوايا ينفخ فيها بعض المبدعين الطرابلسيين الغرباء، روحاً وجسداً. دروب الحلّ مفتوحة لو كان المخلصون في مواقع السلطة أو حتى الزعامة. لكن هذه المواقع تتوزع على الشكل الآتي: قوى سياسية رسمية تنظر للمدينة كأداة مساومة وتعزيز لشرعية تمثيل زائفة في خدمة تحالفات إقليمية ودولية، وقوى «شارعية» ذات صبغة دينية تنطلق من الثأر لتبرّره بالشريعة، مستثمرة فشل الجامعات في الحؤول دون احتكار الجوامع للفكر الجماعي. رسالة طرابلس لرؤوس الطبقة السياسية اللبنانية، أنّ طبيعة وجودهم تشكل أكبر تهديد ممكن للأمن اللبناني. ولرؤوس الطبقة الثقافية ـ إن وجدت ـ أنّ طبيعة علاقاتهم بالمجتمع والسلطة، انهزامية تماماً أمام حتمية التشتت والجهل. رسالتها: حتى التوازن الركيك الذي تأسس على أشلاء بيروت بين محادل «العمران» الرأسمالي، وثقافة البندقية الجهادية ـ المهدوية، ليس قابلا للاستنساخ في طرابلس التي تشكل على الأرجح نظام الإنذار اللبناني المبكر. أما نداء طرابلس فليس موجــها إلى السـياسيين، بل إلى أبنائها واخوانهـم في الوطن اللبــناني: فلتتوجه طاقاتنا لتطوير المدينة، كلّ بما يملك، مادة وعقلا وروحا. فلنواجه كلّ اسـئلة المدينة، ولنتقمص كل هواجسها بصدق، فنصنع الأجوبة بالحـوار والعمل، ونخلق الطمأنينة في مساحات لا تضـيق بأحد، فقد ولّى زمن المعجزات وآن لعقولنا أن تدخل زمن الواقع. يقول المثل الطرابلسي الصوفيّ النكهة إن «العبادة بين السيقان لا بين القيقان (الغــربان)»، أي بين الناس لا في العزلة. وعلى كل من يريد خيرا لهذه المدينة، ولكلّ هذا الوطن اللبناني، أن يبدأ بالتعرف عليها عن كثب، لا بالصور النـمطية ولا بالتـغني المنفصم عن الواقع. وليعلم الجميع، أنّ مدينتنا قد شهدت من التجربة البشرية ما يحصنها من رفاهية اليأس.