As Safir Logo
المصدر:

شــذرات التيــه

المؤلف: الازرق يوسف التاريخ: 2012-04-13 رقم العدد:12158

1 كلما أحسست بتفاهة ما يدور حولك أشعل حلما بقربك ينتظرك. ستسافر بأجنحتك الضوئية إلى أمكنة تتجمع فيها قلوب معطوبة وأطياف شرسة تنتظر فريسة لتُفرغ فيها هزائمها المتعددة وستكون كما أنت بدون أقنعة صافيا، هادئا ومتسلحا بروحك الوفية، وعندما يدق بابك فراغ مبتسم انظر للوحل العالق بحذائه فستجد خناجر وسيوفا جائعة ولا تعرف الندم، لذلك اصنع بابا زجاجيا شفافا كعقلك حتى لا تأخذك العاطفة الغبية للوقوع في مخالب الخريف. قبل كل الثواني الجاحدة التي تسبح في رحم الخيال ستجد نفسك مهشما ومهمشا كعلبة مدعوكة.. تقطر عليك فراشات مختنقة لتسيل وتسيل نحو بحر عظيم مملوء بالمسامير والضباب والعرق. 2 القمر المستلقي على ذراعي الساهرة يبتسم ويوزع ضوءه الأبيض على صمتي المسافر. أخرج مني لأنظر إليّ بصفاء فتظهر أمامي غرفة دافئة وملابس نظيفة وملائكة شبقة تنتظرني لموعد عشق لاهث. على مكتبي الخشبي ترقص مسودات قصائد مقبلة وتغني كتب وفية. على الجانب الآخر تتجمع لوحات تشكيلية غير مكتملة وبجانبها فرشاة طويلة وزغبها مبلل بذكريات عاهله. أدخل إليّ وأحضن نورسا يحرسني.. أنا لست وحيدا ولست مقتنعا ولكن يكفيني أنني لا أتلوث بنفاق الآخرين ونظرات المشبوهين.. سأعد للقمر حفلا صغيرا ووجبة خفيفة حتى لا تخطفه مني أطياف وراء النافذة تتربص به.. سأقرأ له نصوصي الأخيرة وأستمع بجدية لملاحظاته وإشراقاته وربما سنكتب قصيدة مشتركة ستظل سرنا الصغير.. بعد قليل ستخرج من هذا الباب الشفاف ستسكنك غيمات كثيرة وتبتلعك سماء زرقاء وفضية بعد قليل ستصادف امرأة تائهة في الطريق شعرها محترق وعيناها مجنونتان في خطواتها جثث رجال كثر ستحضنك بكل قوة وحب وستسقطك فيها وتوهمك بالحياة وبأنك شاعر خفيف الظل.. بعد قليل ستخونك أقلامك ورياحك ستصبح بدون عنوان.. بدون مكان. بعد قليل ستنزل صاعقة قوية على وجهك لتفرغ منك ملامحك فتغني بجسد دون رأس وتتجول في المقابر والأضرحة والمخيمات.. 3 بعد موتي جانب السور المهموم تقبع خوذة تركها محارب خسر كل معاركه في الحياة والصداقة والحب والإيمان فعانق جذع شجرة منهارة وانتظر قدوم زحف الزلزال لينصهر مع خليط ضحاياه.. الآن... من غيمة عالية تسكن في سقف السماء ينظر لخوذته بحسرة كبيرة وباشتياق أحمر لكن السور لا يستطيع أن يهمس للخوذة بدواخل المحارب لأن السور أصم وأبكم يكتفي بأن يرمي عليها قطعا من جسده حتى تتشابك أيادي الخوذة بعروق الأرض. يااااه.. ما أبعد المسافة بينهما.. هو في الأعلى وهي في الأسفل متى سيلتقيان؟ ربما عندما تستيقظ القيامة.. 4 يدي تهرب أحيانا لتغطس في طيفك المبلل بندى الفجر لتطعم عروقها اليابسة، ورائحتك النائمة على أوراقي ترتوي من مدادي الأزرق فتصبحين جسدا ممددا على القصيدة أكتبك بك وتتوغلين أكثر في ماء الروح فتتفجر اللغة فرحا بنا ويعيد الزمن ذكرياتنا الدافئة، أنصت إليك وأنت تحكين لي أحلامك الوردية، ألامس خصلات شعرك الطويلة لأضع عليها فراشات ملونة ودبابيس ناعمة. نظراتك تهتز في روحي الوديعة فأهمس في أذنك شذرات شعرية تجعلك تتأوهين وتبتسمين وتضخين فيّ نغمات لا تنتهي.. 5 في صباح ثمل: الفندق المرمي على واجهة المحطة الشاحبة يغط في نوم عميق، والطريق الجائعة تتقيأ وجباتها المسمومة بعابرين مشردين وقطع تائهة لفظتها أنهار مصابة باليأس ستخلع أقفالا كثيرة من واجهة غضبك، وستحاول أن تنام وحدك وأن تتربص بحلم غفلت عنه أعين السماء لتضعه على وسادتك الغاصة بالرمل والمسافات المؤجلة، وستلتقط أذنك المرهفة أصوات نساء تؤلمهن أجسادهن ورجال يبكون في صمت وجسر بعيد يتلو قصائد «بودلير» لحيوانات أليفة حتى تستطيع أن تضمن عبورا خفيفا بدون أخطاء ستكرر ما فعلته مع بعض الإضافات البسيطة كعدم الإنصات لحبيبتك أثناء انتظارك قصيدة وعدم الذهاب للمقهى مع ديوان شعر وعلبة أحاسيس عذراء وترك الرغبة في البصق على وجوه خاوية بدرج مكتبك.. هكذا سترقع يومك المشبوه وستغلف بنايات روحك بأثواب صينية تتمزق بعد يوم.. 6 التراب نبع البدايات وقبر المتاهات يتفتت في أحشائه الجسد وتردم بصدره همسات الروح فلتسقط أيها الفائض بالكبرياء على قدم غيمة كانت شاهدة قبر مرتعش فالرمل يتسلقك.. تقف بكل أوحالك المنتصبة أمام شروق يبعث الكون الطفولي والرمل يمتص ظلك المكلوم.. لا تهمس لروحك بأشعار تخنقك.. دع الغفوة تستمر في امتصاص رغباتك البسيطة فالصبح الذي كان يغازل لحم الطريق سيرحل من جديد. 7 متكئة على حائط منخور بدموع الجحود ترضع المرأة الحزينة دموع المدينة الشريدة فتتساقط نيازك كانت سجينة الكون على فخديها النحيفتين كغصنين هجرهما الماء والسنوات الضائعة من حياتها الموجعة تجلس جانبها وتسخر من غدر الرياح وقسوة البحر. المرأة التي صاحبت الموج وأهدته من دمها طريقا جديدا انسلت من عيونها كل الزوارق المشرقة والأحلام الكبيرة لم تنفعها كل الأمنيات التي أطعمتها بشبابها والقصائد التي رتبت لها سريرا بحجم الجبال الشاهقة لم يمهلها الهدير لحظات صغيرة لتلملم خساراتها وتجمع الرماح المنغرسة في ظهرها المرأة التي تتناثر في أرجاء روحها زهور الحب الأبيض وتتورم ضفيرتها بهواء الرغبات الحمراء لا تزال مؤمنة بالفصول الصديقة رغم الطعنات المستمرة ستغزل بصوف وحدتها قمصانا لبحار يصاحب الموت كل ثانية وستعد له وجبة عشاء باذخ وستحكي له قصصا غفيرة تغلفها بورق الضحكات الصافية المرأة المجروحة والمعلقة بين شباك ممزقة ستتلو صلواتها الليلية جانب قبر ترقد فيه نوارس أهلكتها سهام العاصفة وستدفن جانبها قلبا لم يعد ينبض منذ الأزل 8 سنة تمضي وتجر بنزيفها قصائد الحرب والحب والخيبات إلى أقبية تربض بها قبور منتظرة وشواهد مزينة بمداد الندم والضياع سنة عارية من الكلام والأحلام والغيمات سنة حارقة كامرأة جرفها إعصار الزمن وتركها وحيدة.. يائسة ومعانقة للهاث الأرصفة سنة مجنونة تصحو متأخرة كل ساعة حتى لا تغتالها ذئاب الزلازل سنة تسيل من نهودها سوائل سوداء وروائح نتنة سنة أخرى يمتصها بركان الوجع ويوزع أطرافها التائهة على فهود شرسة وجائعة سنة لا تختلف عن أي سنة.. تغريك بالموت أكثر وبالصمت أكثر وبالحزن أكثر حلق يا ظلي المتمرد خارج أسوار الزمن القاتل وتجرع الحب من شفاه الخلود ظل ينتظرك منذ ألف ظل ظل يعد لك وجبة حلم مزين بزهور الألق والهدير هذا العالم لا يسع قصائدك وهذا الألم لا يريد أن يقشر جلد الحزن فتخلص مني يا ظلي أنا جسد منهك بالأضواء المحتضرة والمخالب الطويلة والفصول الباردة أنا لغة فقدت صوتها وعذريتها أنا أرصفة سوداء تقبع فيها لطخات العابرين والمجهولين أيها الظل المتبقي في دمي عانق بصدرك الشاسع نجوم المرأة التي لا ظل لها وتوغل في عروقها الشاحبة حتى تفقس دموعها أيقونة الحب المنشود 9 تلك الليلة التي هرّبت بين أجنحتها رسائل الريح وسلمتها بلذة وفية لعيون البحر تلك الليلة العاشقة للإشراق الحالم المشبعة بقصائد «بوشكين» لم تعد تنتظر نجومها السارحة في شفاه الكون أرهقتها الوحدة وألم الذكرى وغدر الغيم فغادرت العالم في شهقة انفجار 10 دقات الساعة الكبيرة تمتص أرواح الصباح فيستيقظ الخريف الذي أعار ملابسه القطنية لامرأة قضم جسدها برد الوحدة. المقبل من الأيام يتجلى أمام العرافة الشاحبة فترمي نفسها من نافذة الألم الحب قبعة لرأسين بعروقه المتمردة يشكل قفصا للغة تريد أن تحلق خارج داخله على طاولتك البيضاء تتدافع خيول متوحشة لتنقض على آخر طريدة تركتها في قصيدة الأيام بدأت تفقد أسنانها والطفولة انتهت من ردم جثث الضحكات المرأة التي عشقها تحولت لذئبة عليه إذن أن يتحوّل لقناص ببندقية بها طلقة واحدة رغم أن الغياب نبتت له زعانف ضخمة إلا أنه ما زال يثق بصداقة الرمل مقهى غريب وبحر غبي وسماء ترمي من جوفها موتى بوجوه بهلوانية صاحت الخطيئة في وجه الشاعر: كم تكلفك قصيدة؟ أجابها بصوت مختنق: قطيع دموع وركام من التيه ظل يخترق ظلا آخر وضوء يتقيأ نورا أبيضَ على جدول به ضفادع صغيرة وامرأة عارية تركت جسدها في حقيبة بنية جانب كرسي الحديقة العمومية بخفة العابر من جسر متهالك إلى امرأة تتجرع حساء الانتظار وبفرح المتوغل في جسد قصيدة لذيذة وبتنهيدة الغيمة المحدقة في عبور روح شاعر يشعل المساء غرف البحر الغامضة والملهمة والناعسة منذ سقوط الوهم وينهمك في ترميم أحاسيس الفهد المبعثرة بين شغف الانتظار واستسلام الطريدة 11 في المحطة الأخيرة تجلس المرأة الحزينة وبيدها تمسك رسالة أخيرة تعيد امتصاص حروفها العاشقة بعينين منطفئتين وتسلمها لنورس عابر وتنتظر... تنتظر أن يأتي الليل مبتسما.. ليرميها على سرير من موج حالم وشعر حارق حاملا معه إكليل أمل وباقة شغف لكن الليل لم يأت..... والمحطة تستعد لسفر جديد لوطن من هدير... في المحطة الأخيرة يدخن رجل وحيد سيجارته السوداء ويحدق في العابرين وينتظر بشوق أن تظهر الغيمة البيضاء المدثرة بفراشات الجنة لكن الغيمة لم تظهر.. والريح تتأهب لإغلاق باب الكلام في المحطة الأخيرة يتلذذ الجلاد من خلف زجاج الخراب بأوهام خرساء وأطياف مشنوقة (شاعر مغربي)

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة