As Safir Logo
المصدر:

حكاية في أربعة فصول ... وخاتمة المدينة والبيت... والتكنولوجيا

روبوتات منزلية بكامل اناقتها
المؤلف: فياض رهيف التاريخ: 2000-04-07 رقم العدد:8571

1 الفصل الأول: الهياكل الإنشائية الحديثة... والمصاعد غزت التقنيات الحديثة، ومنها تقنيات البنيان، مجتمعات البلدان الصناعية، باكرا. وعرفت مدن عديدة في أميركا وأوروبا، المباني المرتفعة أو »المباني الأبراج«، منذ ما يزيد عن قرن كامل. فنبتت هذه المباني كالفطر، في شيكاغو، وفي نيويورك، وفي سان فرانسيسكو، وفي غيرها. هيكلها معدني صلب مزخرف في أعلاه، غلافها زجاجي شفاف، فيها المكاتب والمساكن، فيها المقاهي والمطاعم، وفيها قبل كل ذلك، درة التقنيات الجديدة، المصاعد الجبارة، تنقل الناس من الرصيف الى قمة الأبراج في دقائق لا بل في ثوان. وعرف الناس هناك قبل ذلك، كيف يتسمرون على مقعد قطار، ويستسلمون لوقع عجلاته، ولإيقاع صفاراته، ويتركونه ينقلهم الى المدن، والى الأصقاع البعيدة حيث ستقوم المدن الجديدة. خبر الناس هناك تجربة اجتياز المسافات الشاسعة وهم جلوس. فأخافهم بداية، هذا التناقض الصارخ بين هدوء جلوسهم، وبين سرعة انتقالهم. ثم اعتادوا على ذلك، لا بل وجدوا فيه متعة كبيرة، فأقاموا في القطارات الصالات الفسيحة، والمطاعم المريحة، والمقصورات الفخمة. أما أن يقفوا جماعات في علبة مزروعة عند أقدام »المباني الأبراج«، تصعد بهم الى قممها بأعجوبة، وأن تسمى العلبة هذه مصعدا، أما ان يستغنوا عن الأدراج، ويستبدلوا الجهد المضني تقوم به أرجلهم وسواعدهم، لا بل تقوم به كامل أجسادهم لصعودها، أما أن يستبدلوا كل ذلك بالوقوف في علبة لا تلبث ان ترتفع بهم نحو السماء بقدرة خارقة غير مرئية، ففي الأمر ضرب من السحر الأكيد، في الأمر لذة تسكن العقول، مع صعود الأجساد نحو السماء وهي بلا حراك، ساكنة. جميل، ان تعمل التقنية عنا قال محدثي. نجلس، فتنقلنا على هوانا بين المدن، ونقف فترفعنا، وعلى هوانا أيضا، من الأرصفة الى القمم. ثم طوَّرت التقنيات صناعة البنيان، قلت بعده، طورت الهياكل الإنشائية، وطورت معها المصاعد، فازداد ارتفاع المباني، وعمّت الأبراج مدن العالم الراقي، وكثرت ناطحات السحاب. وانفلشت موجة التقنيات تجتاح العالم، قلت متابعاً، فوصلت إلينا. ووصلت معها الهياكل الإنشائية الجديدة، ووصلت أيضا المصاعد. فازداد عدد الطوابق عندنا. إلا أن ارتفاع المباني ظل معتدلا خلال أربعة عقود، ولم تقم الأبراج. برجان فقط ارتفعا فوق السطوح، »برج المر«، و»برج رزق«. وشاء التوازن الضروري خلال الحرب، ان يكون الأول الى الغرب، والثاني الى الشرق. فصار البرجان بذلك من معالم المدينة البارزة. وسكن الميسورون آنذاك في الطوابق العليا فوق السطوح، في طابق صاغه القانون خصيصا لهم، واستعار له اسما من لغة العصر الراقية، وسمّاه بالعربية »طابق الروف«، مجالات للسكن واسعة، أمامها سطوح فسيحة تزرع أو تبلّط وتطل على المدى الممتد بلا نهاية. * ومن فوق السطوح الفسيحة المعتدلة الارتفاع، بقي البحر في متناول الساكنين. وبقي الرصيف قريبا، وصوت الباعة المتجولين يطال آذان الجميع. واستمر الناس يتخاطبون عبر الشوارع، واستمرت السلال تتدلى من الشرفات حتى بوابات الدكاكين. * من فوق السطوح المعتدلة الارتفاع، زيّن حرج بيروت المدينة بكاملها، ورش أخضره فوق بيوتها، وحافظت الساحات على قياساتها المتناسقة، فالتقى الناس فيها، وفيها تنفست المدينة. * من فوق السطوح المعتدلة الارتفاع، رأينا الطرقات تتلوى داخل الأحياء، ورأينا الجبال البعيدة كما رأينا أيضاً التلال القريبة بصنوبرها وبسنديانها. * من فوق السطوح المعتدلة الارتفاع، استمررنا نرى حدود المدينة. 2 الفصل الثاني: المدينة بلا حدود... وأبنيتها أبراج أما في العقدين الأخيرين، وفي العقد الأخير خاصة، فقد اشتد سعار »الإعمار«، وعمت الفوضى، وانتشر البنيان بلا ضوابط. فتمددت المدينة على الساحل بكامله، وتسلقت معظم التلال، فتخطت المثلث الجميل الذي قامت عليه، وضاعت حدودها. وفقد العمران بذلك دوره الأساس، في إكمال المعطى الطبيعي الذي قامت عليه المدينة، وفي شرحه. فالنسيج المديني لا يدل على تضاريسه. والشوارع الجديدة لا تشير الى منبسطاته. والعمارة الزجاجية اللماعة، لا تحكي عن عشقه العتيق للبحر. والعلامة الفارقة، وسط هذا الصخب العارم، هي كثرة »المباني الأبراج« التي انتشرت في كل الأمكنة تكرر نفسها ببلادة ظاهرة. من التلال بعد الحدود حيث الأبراج الجديدة، الى جادة فؤاد شهاب، حيث تكثر الأبراج، الى عين المريسة، الى جل البحر، ومنطقة الوردية، ومنطقة الحمراء، ومنطقة السوديكو، إلى أبراج الشوارع، وأبراج الأزقة، وأبراج الزواريب. وتؤكد طفرة الأبراج هذه، أن مرحلة طابق الروف قد انتهت الى غير رجعة. وكانت بداية نهايتها طويلة، مثلما كانت الحرب، من بدء العمل بالمرسوم رقم 3/80 (طابق المر)، حتى تعديل قانون البناء في العام 1983، مرورا بتعديلات قانون البناء، التي جرت في أول السبعينيات. * انتهت المرحلة، وانتهت معها متعة العيش عند السطوح، والإحساس من هناك بالساحات، بالأرصفة، بالطرقات المتعرجة عند أقدام المساكن، بالناس يتنزهون أمام واجهات الدكاكين. * انتهت المرحلة، وانتهت معها القدرة على رؤية حدود المدينة، بتلال الصنوبر تزنرها، وبالبحر يعشقها ويرسل تكسر أمواجه، آهات تصل الى داخل البيوت. فالطوابق العليا في المباني الأبراج متشابهة الإطلالة، واحدة العلاقة بمحيطها المبني وغير المبني على السواء. تطل نوافذها على نوافذ مقابلة، أو على بحر ناءٍ، يقتصر حضوره على لون أزرق، يتوحد مع السماء في الأفق البعيد. أو تطل، في أحسن الأحوال، على سطوح متلاصقة تمتد أمامها بلا حدود. لا شيء في امتداد السطوح هذا يدل على الطرقات. لا شيء فيها يشير الى الساحات، أو يهمس بوجود أرصفة. وحدها الأوتوسترادات الجديدة، الواسعة، والمستقيمة، حاضرة بوقاحة وسط المشهد المديني العام. فهي تمزق المدينة، تقتحم حرمة المنازل، وتفاجئ الناس في بيوتهم من الشبابيك. ويظهر في طرف أحدها، المطار عملاقاً احتل معظم الضلع الجنوبي من مثلث المدينة. فهو في موقعه وفي قياساته، حدودها، وجزء منها في آن. ويظهر في طرفه الآخر المرفأ، وقد احتل معظم الضلع الشمالي للمثلث. * من شبابيك المباني الأبراج، المدينة شبكات، أوتوسترادات، وجسور. المدينة مطار، ومرفأ، وأنفاق عبور. * من شبابيك المباني الأبراج، المدينة سطوح، متتابعة، متراصة، ممتدة بلا حدود، تسكنها الصحون اللاقطة، وقد اصطفت تتابع تحركات الأقمار الصناعية، بلا كلل. 3 الفصل الثالث: المدينة، البيت... والتكنولوجيا حنينك إلى الرصيف، وإلى النوافذ فوقه، إلى الباعة المتجولين، الى السلال تتدلى من الشرفات، حنينك هذا، لا ينتمي إلى هذا الزمن، زمن التكنولوجيا والشبكات، قال بعد أن أستمع إلى أطروحتي. أقول ذلك، لأنني عرفت زمنا جميلا غابرا، سار فيه الناس على الأرصفة، حين كانت توصلهم الى الساحات، الى الحدائق، الى بوابات بيوتهم، الى أماكن عملهم. عرفت زمنا غابرا، كانت فيه الأرصفة تحد مسار الشوارع، قال متابعا. فرأيت في الأرصفة آنذاك، مجالا طويلا، ممتدا، موازيا لواجهات الدكاكين، فيه يلتقي الناس ويتسامرون، ومنه الى دور السينما يدخلون، وفي المقاهي القائمة عند أطرافه يجلسون. تتغنى بالأمكنة العامة، تتغنى بالحيز العام كما تحب أن تسميه، مستعملاً مصطلحاً تريده مختصاً، تتغنى بالحيز العام والرصيف جزء منه، ولكن!؟ ولكن لماذا الرصيف!؟ قال بصوت عالٍ! فلا حدائق يوصل إليها، ولا ساحات يربط بينها! لا مداخل لعمارات تطل عليه، ولا بوابات لدور السينما تحاذيه!؟ لماذا الرصيف!؟ لماذا الفسحة!؟ لماذا الساحة!؟ لماذا كل هذه العجقة من المصطلحات العتيقة!؟ * الحيز العام!؟ مكان اللقاء!؟ مكان التواصل!؟ الحيز العام!؟ في هذا الزمن، زمن التكنولوجيا والشبكات!؟ الحيز العام، قال، هو في المطار، حيث المجالات الواسعة، حيث قاعات التجمع الأنيقة، حيث المقاهي، والمطاعم، وأماكن اللقاء، ومطارح التواعد. * الحيز العام!؟ مكان اللقاء!؟ مكان التواصل!؟ هو في المجمعات المبنية الكبرى، حيث المدى الرحب المغلق، وحوله دور السينما بالعشرات وبآلاف المقاعد، والمقاهي على اختلافها، والدكاكين الراقية على تنوعها، وشاشات التلفزة معلقة في كل الأرجاء، تبث الاعلانات ملونة وقحة. * الحيز العام!؟ مكان اللقاء!؟ مكان التواصل!؟ هو في مرآب البناء الضخم حيث تسكن، وحيث تأخذ سيارتك الضائعة فيه، تدلك مفكرة هاتفك الخليوي على موقعها، فتنطلق الى مرآب أحد المخازن الكبرى، المنتشرة على الأوتوسترادات في كل صوب. تتنزه في المخزن الكبير، تتسوق، إذ ان كل المتعة في زمننا هي في التسوق. تجلس في مقاهيه، تفرح بالأخضر الوارف المزروع في أرجائه كلما افتقدت الى الطبيعة. ثم تعود بعدها الى مرآبك، فإلى مصعدك، وبه الى منزلك في الطابق الثلاثين المعلق في طرف السماء بعيدا عن الأرض الصلبة. كل ذلك دون أن تمر بالرصيف. * الحيز العام في هذا الزمن!؟ مكان اللقاء!؟ مكان التواصل!؟ هو في »الكونتري كلوب«، درة الرفاهية في زمن الشبكات وزمن التكنولوجيا، المزروع في حضن الصنوبر المتبقي فوق إحدى التلال القريبة، تصله بسرعة إذا اخترت الأوتوستراد الملائم. يقودك المصعد الى مصعد آخر في بطن التلة المشجرة. وفي طرف المسار الآلي المبرمج هذا، كل الرفاهية، وكل المتعة: السونا، والجاكوزي، وحمام البخار، والتدليك، والإيروبيك، والرياضات البدنية المختلفة، هل نسيت شيئا!؟ سأل بصدق. وبعد كل ذلك بالطبع، تابع قائلا، الكافتيريا المتخصصة بكل أنواع »الريجيم«، تقوم بدورها بعد الرياضات المختلفة التي أرهقتك، تقوم بدورها في صقل جسدك وفي نحته، ليبقى نحيلاً، رشيقاً، منتصباً. * الحيز العام!؟ مكان اللقاء!؟ مكان التواصل!؟ في زمن الشبكات والتكنولوجيا!؟ اجلس على مقعدك الوثير، استرخ. أنظر الى النافذة أمامك فترى فيها نافذة أخرى قبالتك. حرك أصابع يدك الواحدة على أرقام هاتفك الخليوي المصغر، وقد أصبح ملونا بلون عينيك، وتحدث مع من تشاء ساعات إذا أردت. قل له، أو قل لها، أو قل لهما إذا استعملت هاتفين خليويين دفعة واحدة، هاتفك وهاتف زوجتك، قل لمن تخاطب، إنك تفضل الذهاب بعد الظهر الى المطار لسرعة الوصول إليه، شرط أن تستعمل أوتوستراد المطار الخاص، دون أي خطأ في اختيار المداخل، وأنك سوف تعرّج في الطريق على المخازن الكبرى اBHVب، لتشتري كيساً من »البوشار« تلتهمه، وأنت تشاهد الفيلم الأميركي الأخير الذي يعرض في مبنى فندق »الماريوت«، وقد قرأت ذلك على الأنترنت. * الحيز العام!؟ مكان اللقاء!؟ مكان التواصل!؟ في زمن الشبكات والتكنولوجيا!؟ قل لمخاطبك، الذي ترك لك رسائل عدة على هاتفك الخليوي، والذي أرسل لك رسالة بالبريد الألكتروني بعد أن عجز عن مخاطبتك، قل له انك ستبقى في الطابق الثلاثين حيث تسكن، بجانب برج الأحلام، هل تعرفه!؟ قل له إنك ستسترخي في المقعد الوثير، وستعزل نفسك عن كل من حولك كما لو كنت في »فقاعة« من البلاستيك الشفاف، وستتسمر أمام الفضائيات تبث كلها على شاشة تلفزيونك، وستتنقل من فيلم أميركي الى فيلم أميركي آخر، حتى أطراف الليل. ستبكي عدد القتلى في الفيلم الأول، وستأسف لعدد الجرحى في الفيلم الثاني، وستحصي جلسات المحاكمة (الكورت) في الفيلم الثالث، دون أن تفهم تردد المحلفين، قبل وصولهم الى مسك الختام، الى الجواب الحاسم، مذنب!؟ هو، أم غير مذنب!؟ * الحيز العام!؟ مكان اللقاء!؟ مكان التواصل!؟ قل لمخاطبك الذي ترك لك رسائل عدة على شاشة هاتفك الخليوي، إنك ستغير برنامجك جزئيا. ستبقى داخل »الفقاعة« العازلة التي نسجتها حولك، ولكنك ستترك شاشة التلفزيون، لتنتقل الى شاشة الحاسوب، الموصولة بشبكة الأنترنت، (La Toile) حيث ستشاهد على موقع »تشنتشولينا«، هل نسيتها!؟ بثاً حياً لمضاجعتها العاصفة صديقها الأخير، في منتصف الليل تماماً. * الحيز العام!؟ في زمن الشبكات والتكنولوجيا!؟ قل لمخاطبك الذي يلح ليلتقي بك، في ساحة البرج، هل نسيتها أيضا!؟ قل له انك ستلقاه في »موقع الأصدقاء« على »الأنترنت« عند الساعة العاشرة صباحا. طمئنه، بأنك سترسل له صورتك، مع القبلات. 4 الفصل الرابع: في زمن التكنولوجيا... البيت الذكي في مجالات المدينة المتحولة هذه، قلت مكملاً خطاب محدثي الطويل، تكثر زحمة السيارات في الشوارع ويندر المشاة، إذ نادرا ما يغادر الناس الفقاعات البلاستيكية العازلة التي ينسجونها حولهم، فتجعلهم في حالة من التخدير الدائم. وإذا شذ أحدهم مرة، أو إذا شذت إحداهن، فإنك تراهن مهرولة بثياب الرياضة العصرية المتقنة، لتزيل سمنة إضافية ظهرت في أجزاء حساسة من جسدها وفق المعايير الرائجة، ولم تنفع معها الجاكوزي، والسونا، ورياضة الجمال الجسماني، وكل أنواع »الريجيم«. إلا أنك لا تراها تمشي كما تمشي أنت بل تراها تهرول، تابعت قائلاً. تراها تهرول، وقد ارتدت »فقاعة« عازلة من نوع آخر، سماعتان تثبتهما على أذنيها، ووصلتهما بمسجلة الكترونية ذكية، عجيبة، وضعتها في جيبها، تبث دون انقطاع موسيقاها المفضلة، تخدرها كما تفعل الفقاعة البلاستيكية أمام الشاشات المتنوعة في زمننا الألكتروني هذا، شاشة الألعاب الألكترونية، شاشة الحاسوب الموصول »بالوب« الموصول بالشبكة، أو شاشة التلفزيون. سألت مرة أحد المهرولين أو إحدى المهرولات، لم أعد أذكر بدقة، عن الموسيقى التي تبثها مسجلتها، والتي تدمن على الاستماع إليها بمثل هذا النهم. ماري، قالت وقد صدمها جهلي،... ماري، قالت مرة أخرى بإعجاب يصل الى حد العبادة، إنها ماري، كررت مرة ثالثة، ملكة الهيب هوب سول وهل أستمع الى غيرها... ألا تعرف انها باعت أربعة ملايين نسخة من ألبومها الأخير (Share me World). تكثر، تابعت قائلا... تكثر في دوريات الغرب الراقي، المختصة منها والعادية، الكتابات المتنوعة عن العديد من »الفقاعات« العازلة، التي ينسجها الناس حولهم، مستعملين كل ما تيسر من التقنيات، وكل التكنولوجيا المتاحة، تفلتاً من المجتمع، وبحثاً عن الفرد الحر، الفرد المطلق، الفرد الفريد. ويصر المنظرون على دور التكنولوجيا المتقدمة في صناعة هذا الفرد، الى درجة التأكيد الصارم، أنها هي وحدها القادرة على تأمين فردية الفرد الكاملة، وتأمين حريته المطلقة. وحرية الفرد هذه، من منظور المنظرين، تقاس بمعيار واحد أحد، هو درجة مهارته في استعمال التقنيات المعقدة، والآلات الجديدة التي عليها أن تصنع كل تفاصيل حياته، وصولاً الى غياب الآلة، عبر ذوبانها في الإنسان الفرد ذاته. إذ ان هذا الإنسان الفرد، الذكي، الخارق، الذي يتقن باطّراد استعمال الآلات المعقدة، هو في تطوره ورقيه، يسير بالضرورة، وهو في طريقه لتحقيق فرديته، وفرادته، وأحاديته، نحو صيرورة تجعل منه كائنا هجينا، نصف آلي، ونصف إنساني. وما الآلي فيه، إلا هذه القفزة النوعية التي تسمح له بتجاوز معيقات تطوره ورقيه، والتي يسببها كل ما هو إنساني فيه. الرقي من منظورهم، هو أن تخسر إنسانيتك، وتستبدلها بآلة. هل تعلم، قلت لمحدثي بعد ذلك، هل تعلم ان الإنسان الراقي في المستقبل القريب، لن يسكن البيوت العادية، التي تفرض عليه الكثير من الأعمال التافهة، وتجبره بالتالي على الخروج من عزلته، من فقاعة فرديته، وأحاديته، وعزلته. هل تعلم، تابعت، ان بيته سيكون بالغ الذكاء، في المطبخ، وفي الصالون، وفي الحمام، وفي المرآب وفي كل مكان. لن يغادر الإنسان الراقي بيته، قلت متابعا، لن يغادر »فقاعته«. ومكتبه الذي سيبقى في بيته، سيكون ذكيا هو الآخر. * في المطبخ، } ركوة القهوة التقليدية، استبدلت بغلاية كهربائية ذكية تتمتع بذاكرة خارقة، تسجل بدقة مواعيد عمله اليومي، وتحضر له القهوة تلقائيا، في تمام الساعة السابعة، موعد استيقاظه. } والبراد الذكي، يسجل في ذاكرته مدة صلاحية علبة الحليب، ويطلب من البائع علبة جديدة عند انتهاء هذه المدة. } وغسالة الصحون، التي لاحظت ان مسحوق التنظيف قد تغير، ترسل بالبريد الألكتروني رسالة الى مصنعها، تطلب منه ان يعدل برنامج عملها، ليتلاءم مع المسحوق الجديد. * وفي الحمام، } سوف يقرأ ساكن البيت الذكي، أخبار الصباح مكتوبة على زجاج المرآة أمامه، وهو ينظف أسنانه. } وسيراقب المرحاض آليا صحة أفراد العائلة، بتحاليل كيميائية يجريها بشكل دوري. } وستتعرف عليه الخزانة الصيدلية، بتحاليل بيولوجية حرارية تجريها بصورة فورية، فتفتح أبوابها أمامه، وتسمح له بتناول علاجه اليومي، في حين تبقى مقفلة في وجه الأطفال. * أما في الصالون حيث الأثاث كثير، والأجهزة الألكترونية لا تحصى، } فسوف يعم النور آلياً عند الضرورة. } وسوف يحدد الصبي الذي يتنقل بواسطة التحكم عن بعد، من الحاسوب، الى الفيديو، الى التلفزيون، الى الألعاب الألكترونية، سوف يحدد الصبي مكان وجود كلبه، الذي يحمل طوقا ذكيا. * أما المكتب في البيت، فهو خارق الذكاء، وعلى مستعمله أن يجلس على مقعده فقط. } فمساعده المقيم في طوكيو، بدأ منذ الصباح يطبع له عن بُعد، كل الملفات الضرورية، في الوقت الذي انصرف هو فيه، الى تسجيل الصحف اليومية على لوحته الرقمية، وإلى جمعها برباط ذكي، يؤمن وصلها ببعض الملفات المسجلة على الحاسوب. } ثم يقرأ مفكرته الألكترونية التي سجلت كل المواعيد الجديدة. وسينقل إليه حاسوب صغير زُرع في سترته، كل المستجدات، أينما وجد خلال النهار. } أما الكاميرا الفيديو، التي لاحظت توتره، فسوف تعرض عليه برنامجا ترفيهيا، على الحاسوب، أو على التلفزيون، منقولا عن الألعاب الألكترونية، التي يلهو بها الصبي في الصالون. 5 الخاتمة: يطمئننا المنظِّرون، المهتمون بصناعة الكائن الآلي »الروبوت«، قلت لمحدثي، يطمئننا هؤلاء المنظرون، بأن هذه الصناعة تتقدم، وأنها تخطو خطوات أكيدة نحو النجاح، بموازاة مسيرة »الإنسان البشري« نحو صيرورته كائنا هجينا نصفه آلي، كما يبشرون. وتنتج الشركة المختصة في أميركا، وفي اليابان اليوم، تنتج هذه الشركات »روبوتات« تستطيع أن تقوم ببعض الأعمال المنزلية، وأن تساعد الناس العجز، وأن ترسل البريد بواسطة الفيديو، وأن تتلقى الأجوبة وتسجلها على شاشة الحاسوب. كما انها أصبحت قادرة على الكلام بعدد من المفردات متزايد باطّراد. انها باختصار تتطور، قلت، ولن تكون كما هي اليوم، على شكل هر، أو على شكل كلب. بل انها ستكون شكلا، وقياسات، وقماشة، مثل الإنسان البشري العادي. وسوف تكون كائنات قادرة، فاعلة. ولن تكون، يؤكد المصنعون، كائنات مرافقة فقط، كما كانت عليه أجيال »الروبوتات« السابقة، التي سُميت للدلالة على وظيفتها، »روبوتات المرافقة« (Robots de Comapagnie). و»روبوتات المرافقة« هذه تذكرني، تابعت قائلا، بالسيدات الأنيقات، في البلدان الصناعية الراقية، يتمخترن في الشوارع، وفي المراكز التجارية الكبرى، وفي المقاهي، ويتبادلن الزيارات ومعهن كلب أو قط يرافقهن. وللكلب أو للقط في المنزل الخالي من الأطفال في مجتمعات الكهول هذه، للكلب أو للقط، غرفته الخاصة وسريره الذي يشبه سرير سيدته، وله طعامه الذي تختاره سيدته أيضا، وله حمامه، وثيابه، والكرسي الخاص الذي يجلس عليه. باختصار، له كل شيء. وله قبل أي شيء آخر، »طبيبه النفسي« يعاينه دورياً، وبشكل منتظم. والسيدة الأنيقة التي ترتدي أفخم الأزياء الراقية، من تصميم أرقى الدور، تطلب من دور الأزياء هذه، ان تصمم لكلبها معطفاً، من الفراء ذاته الذي صنعت منه معطفها، ورداءً، من قماشة فستانها، وعقوداً، وحلى، مثل عقودها، ومثل حلاها. ترتدي السيدة الراقية كل هذا الثراء، وتُلبس كلبها أو قطها، ثراء مثله، ليرافقها. توقفت لحظة، ثم قلت لمحدثي متأملاً شارداً، قلت لمحدثي، ماذا لو تطورت صناعة »روبوتات المرافقة« هذه فأنتجت »روبوتات« كالإنسان تماماً، بقياساته، بلون بشرته، بلون عينيه، وبلون شعره، يتقن الكلام ولكنه، أمين، مطيع، كالكلب تماماً. ترتدي السيدة الأنيقة فستاناً للسهرة، من تصميم كريستيان ديور، رمادياً فاتحاً مشكوكاً بالفضة، فتغدو السيدة الأنيقة متلألئة عندما ترتديه. وتلبس »الروبوت«، بعد ذلك، بذلة كحلية داكنة من تصميم كريستيان ديور أيضاً، وربطة عنق مشعة، قماشتها من قماشة فستانها. تضع في عنقها عقداً من اللؤلؤ الأسود، وتضع طوقاً من اللؤلؤ ذاته في وسطه حبل من اللؤلؤ أيضاً، تضع الطوق هذا حول عنق الروبوت ثم تجره، يرافقها في السهرة. أفلا يكون »الروبوت« في مثل هذه الحالة مرافقاً للسيدة، أفضل من كلبها. أحسنت، قال محدثي، أرى في هذا التصور مخرجاً لمأزق صناعة »الروبوت«، هذا المأزق الذي يطل في الأفق، برغم توقعات المنظّرين، والمصنعين. إذ ماذا سيكون عمل »الروبوت« عندما يصبح الإنسان البشري »نصف روبوت«، كما يرى مستقبله المنظرون المتفائلون، وعندما تصبح كل البيوت »روبوتات« كاملة. هل علينا؟ في مثل هذه الحالة، قلت لمحدثي، أن نقول كما تعلمنا، وأن نكرر كما اعتدنا أن نفعل، أن الأفضل، وأن الأرقى، وأن الأكثر تقدماً، هو دائماً أمامنا. أم علينا أن نتساءل عن معايير التقدم... أضاف محدثي قبل أن ينصرف.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة