لم يحظ هنري كوربان الفيلسوف والمستشرق الفرنسي عند القارئ العربي بما حظي به سواه من المستشرقين الغربيين من سمعة أو شهرة. وهو الذي كرّس جل حياته بالانكباب على دراسة الإسلام الشيعي، ونفض الغبار عن مخطوطاته وأوابده. ومردّ ذلك حسب رأيه هو اقتصاره على هذا الجانب الأقلوي من ثقافة الأكثرية السنية. والأرجح أن علة إغفاله النسبي من عامة القراء هي صرامته الأكاديمية، وعدم خوضه في معمعة السجال السياسي الذي خاض فيه غيره من المستشرقين في أوقات الأزمات المصيرية. وإذ ترجم له عام 1966 نصير مروة وحسن قبيسي، وهما في ريعان الشباب: »تاريخ الفلسفة الإسلامية« إلا أنهما ما لبثا أن نفضا أيديهما في ما بعد من هذه الترجمة. وظلت صفوة من المثقفين تحتفظ بالأصل الفرنسي لرباعيته الشهيرة عن الإسلام في إيران، الى أن تسنّى للسيد نواف الموسوي أن يضع اليوم بين أيدينا ترجمة الجزء الأول من هذه الرباعية(*)، وقد نقله وقدم له وحقق نصوصه بمعاونة ومشاركة لفيف من زملائه. لكن الموسوي آثر أن يتحمل وزر المسؤولية المعنوية الكاملة عن النص المترجم وما احتواه من حواشٍ وإضافات. وبإقدامه الجريء هذا أراح أعصابنا من عبء ترجمة سقيمة سبقت للكتاب، وعبثت بها يد الدكتور ذوقان قرقوط، فأخرجها عن صورتها الطبيعية الى خليط من التنافر والتداخل، لأن المترجم غير ملم في الأصل بمصطلحات المؤلف الفلسفية التقنية، وغير مختص بموضوع الكتاب، بل ولا بأصول الترجمة الصحيحة، برغم »وفرة« ترجماته السابقة. ونقدر ما بذل الموسوي من عناء لترجمة هذا السفر المضني، وما صادفه من صعوبات لإيجاد أو توليد الدلالات والمصطلحات العربية المقابلة للمفردات الفرنسية. بالرغم من ان كوربان أسعف قارئه فأمده بثبت مسهب لمترادفات عربية، إزاء مصطلحاته الدينية الفرنسية في الجزء الأخير من رباعيته في الأصل الفرنسي زهاء مئة صفحة أو في حواشي الفصول وثناياها. إلا أن بلوغ مقاصد المؤلف دونها مشقة يستحق عليها المترجم الثناء والتقدير. بيد ان ما يستوقفني هنا ليس الترجمة في حد ذاتها. ونقاشها مؤجل الى وقت آخر. وإنما ما يسترعي الانتباه هو علاقة المترجم بموضوع الكتاب ومؤلفه عبر مدخله التقريظي. وهو مدخل يفترض قراءة مؤازرة لطروحات كوربان ومنهجه الظواهري. رفدها السيد الموسوي بدعوة الى التخلص من عوائق معرفية سماها الأطواق. وهذه الأطواق التي تمسك في رأيه برقبة البحث الفلسفي هي طوق التاريخانية والماديانية، وطوق استبعاد الميتافيزيقا، وطوق السعي المحموم الى الجديد، وطوق سيادة العلوم النافعة في السوق وتأخير سواها الى مرتبة اللهو الفكري. وكل هذه الأطواق من نتاج ما يسمّيه »الثقافة الغازية«. والحال انه يغلب اليوم على تقديم الأفكار الدينية مراعاة ان يأتي بأدوات »الثقافة الغازية« وحللها. أما المخرج الذي يدلنا عليه السيد الموسوي لننقذ الدين من هذا الشرك فهو »العرفان« كما تجلى على يدي هنري كوربان المناهض العنيد لنزعة الأرخنة. ظاهرة أولى لسنا هنا في مقام الدفاع عن »الثقافة الغازية« أو تبني ضرورة أن تغل الأطواق أعناق الفلاسفة. إلا أننا نسعى الى تصويب النظرة الى إنتاج الظاهرة الدينية عامة والشيعية خاصة، في ظل وجود هذه »الثقافة الغازية« مع كل أطيافها الإيديولوجية التي أرخاها عليها السيد نواف الموسوي. إن ظواهرية كوربان التي يقرظها الموسوي ويتبنّاها نجمت في أوروبا الحديثة مع بدايات القرن العشرين كأحد حلول أزمة العقل الذي غرق في صوريته ونزعته الميكانيكية التي نزلت بالوعي إلى مصاف الانعكاس الآلي الصرف. ونشأت ردا على النزعات الشكية والوضعية المتطرفة فلسفات الحياة والوجدان على ما هو معروف لدى دلتاي ومين دي بيران وبرغسون ومونييه وهوسرل. وحققت الظواهرية إحدى هذه الفلسفات التي أضاءت لكوربان على بحوثه وكتاباته يقظة الشعور الإنساني بمسؤوليته، بعد ان كان غرق هذا الشعور في لجة الشك والنسبية والبرغماتية. وأعتقت بذلك الكائن الإنساني من ربقة العلائق السببية التي تربطه بالعالم الداخلي والخارجي، وبات الشعور بمختلف تلويناته الوجدانية والنفسية ومظاهره السلوكية البؤرة الفاعلة الأصيلة، وتحولت العلاقة بين الوعي وموضوعه بعد أن كانت علاقة قائمة بين حقيقتين مستقلتين أو واقعتين منفصلتين توجد كل منهما خارج الأخرى، الى صلة ديالكتيكية باطنة تجعل من »المعرفة« نفسها ضربا من »الفعل«. بيد أن الظواهرية ما لبثت ان ارتدت الى وعي فردي. الى »الأنا« بوصفها المصدر الأخير لشتى نتاجات المعرفة، ساعية الى بناء نطاقها الخاص المستقل عن أي من العوامل الاجتماعية أو التاريخية، وعن الفاعلية التقنية، وعن الصراع الطبقي والتاريخي. فباتت »الأنا« أو الذاتية الخالصة الترنسندنتالية هي الواهبة للمعاني والدلالات. وقد أفضت نزعة الانقطاع والارتداد إلى الذات الفردية ازاء عالم سابق على أي تفكير، الى تفريغه من كل معنى إلا من معنى الذات وظلالها. في حين ان الوعي لا يتصل بموضوع فارغ غُفل، بل كل موضوع مشبع قبل أي مقاربة له بالعديد من المعاني والدلالات التي خلعتها عليه الحياة الاجتماعية والتاريخية. فليس معنى الشيء متوقفا على الذات الفردية وحدها، بل هو متوقف أيضا على مقاصد البشر، وعلى ما سجلته فيه ذوات الآخرين، وتبلورت فيه غاياتهم وحركاتهم. »وليس العالم بحال من الأحوال عالما جديدا أصيلا Originaire ما دام له تاريخه الذي أسهم في تكوينه »العمل الجماعي« وما دام له معناه الذي ينفي عنه كل طابع حيادي«(1). في ضوء هذه النظرية يقارب كوربان الواقعة الدينية، وبناءً على المفاهيم والمقولات الظواهرية ينظر إلى الواقعة عامة ثم الى الإسلام الشيعي كظاهرة أولى، لا تفسر بأمر آخر أو تشتق من أمر آخر، »لأنها معطى ابتدائي، إنها مبدأ تفسير، إنها ما يفسر كثيرا من الأمور الأخرى« ص 38. بهذا التعريف يرفض كوربان اختزال التصور الديني الى وظائف اجتماعية أو نفسانية أو عقلانية. ويعتبر المقدس كما اعتبره ميرسيا إلياد في كتابه النظري اTraitژ dصhistoire des religionsب وكلاهما ظواهريان، كل منهما على طريقته، معرفة حدسية معيشة داخليا وسابقة على أي اختبار. بيد أن إلياد الذي يحاول نواف الموسوي ان يدخل من خلاله، وتحديدا من خلال كتابه »الحنين الى الأصول«، الى هنري كوربان وفلسفته الدينية، يرى صعوبة في التماس الظاهرة الدينية في حالتها النقية أو البسيطة الأقرب الى الأصل، حتى في أكثر الأديان بدائية، وعند أعرق الأقوام والقبائل. إنما هي دوماً بنية معقدة يفترض انها مرت بمراحل تاريخية عدلت أو حوّرت من بنيتها الأصيلة. وهذه المراحل هي التي جلت أشكال الظاهرة الدينية بمختلف صورها وضروبها. وهي شرط ضروري من شروط ظهور المقدس وانتقاله من حالة الكمون الى حالة الوجود، أو من وجوده البسيط الى وجوده المركّب. فنرى تمثيلا لذلك كيف ان رمزا دينيا مثل الماء ينحو إلى أن يتمظهر في أكبر عدد من الأشكال والصور. ولا تنضاف إلى صفته الأساسية »الكمونية« أي رحم كل احتمالات الوجود، أي صفات أو تمظهرات أخرى إخصابية وبطولية حربية إلا على أرضية تاريخية ملائمة، وداخل بنيات اقتصادية واجتماعية محددة. فلا وجود مثلاً لرموز مائية مثل التنين إلا في الصين القديمة الزراعية حيث »يسكن الغيوم والبحيرات« و»يجمع المياه« و»يسيّر الأمطار«. ولا تطابق بين شعار التنين والأمبراطور »موزع الخيرات على الأرض« إلا في كنف أمبراطورية ديكتاتورية(2). إن الظاهرة الدينية بقدر ما هي معرفة حدسية في جذورها وأصلها يمكن هنا اسخدام العبارة الإسلامية القرآنية »الفطرة« وبقدر ما هي ملكة تأسيسية للعقل الإنساني، فإنها عندما تتحول إلى أنساق من الصور أو الماهيات أو الجواهر، وتاليا الى موضوع للنظر والتفحص، تتجرد ساعتئذ من حدسيتها وبساطتها ونقاوتها، لتغدو مجالاً لفاعلية عقلية لاهوتية، تبني مقولاتها، وتعاود تأسيس ذاتها في صورة جديدة ومشروعية جديدة. وعليه، فإن الواقعة الدينية الشيعية التي آلى كوربان على نفسه أن يدركها »عبر جعل الموضوع الديني يظهر كما ظهر لمن ظهر لهم« ص 26، ليست في حقيقة الأمر إلا انبثاقا من وحي محمدي تنزّل على العرب في زمان ومكان محددين. وفُهم وفُسر وأُوّل بناءً على شيفرات لغوية، وأعراف أخلاقية واجتماعية. وتبلور الفكر الشيعي كما سائر التيارات والمذاهب الإسلامية عقب نزول الوحي وعبر ما استتبع من سجالات ومنازعات سياسية ووقائع حربية، لا مجال في هذا المقام للخوض في تداعياتها. فاستقرت القسمات الأساسية للفكر الشيعي الاثني عشري ومتعلقاته من تصورات ومقولات وبنى فقهية وتشريعية. بيد ان هنري كوربان الساعي الى إنقاذ الفكر الأوروبي من مأزقه الوضعي والمادي، أو ما يسمّيه »اللاهوت المعلمن«، وما انبثق عنه من أدوات سياسية للدولة الحديثة، لم يجد أمامه سوى هذا النفر من الإشراقيين والعرفانيين الشيعة، وهم من هم في التجرد لأهل البيت النبوي. ليضعهم تحت الضوء بوصفهم المترجمين لأشواق الشيعة والمعبّرين عن حدود الأفق الشيعي الروحي والفكري، مسهما في ذلك في إعادة النظر في حدود العقلانية الغربية ومفاهيمها وبديهياتها المتعلقة بمعنى الحقيقة ومعنى الضرورة ومعنى التاريخي واللاتاريخي، وسواها من أسئلة فلسفية تعمّق حدود العقل والمعرفة. لذا جاءت إسهامات كوربان الفلسفية في إحياء الفلسفة الإشراقية غير منفصلة عن مسيرة الغرب الفلسفية أيضا، »فهو إذ يسعى الى إحياء الفلسفة الإشراقية، يبني في الآن عينه فلسفة غربية أكثر عمقا واتساعا« على حد تعبير أحد مريديه كريستيان جامبيه(3). والحال أن كوربان يمثل، بخلفيته الثقافية العميقة وأحكامه ولغته اللاهوتية المسيحية، وبظواهريته المنزلقة الى حدود المثالية الذاتية، جزءا لا يتجزأ من المشروع الغربي الحديث المتعدد الوجوه والمرامي. ومقاربته للظاهرة الدينية رافد من روافد الدراسات الدينية المتنوعة والمتباينة، التي يمدها عدد لا يحصى من الأنتربولوجيين الغربيين، بدءا من فريزر الى دوميزيل وإلى ماكس مولر ومارسيل موس وليفي ستروس ورينيه جيرار وإلياد وفلهلم شميت ورافاييل بتازوني وليفي بريل. ومقاربات الأنتربولوجيين لظاهرة الدين من التنوع والتباين ما يفضي إلى إثراء الدرس الأنتربولوجي الديني بكثير من الأدوات التحليلية التي تمس الحاجة إليها لتفهم التمظهرات الدينية عندنا على وجه موضوعي. وللتخلص من مسلّمات تحولت الى قوقعة فكرية يصعب خروجنا منها. وإيثار السيد نواف الموسوي من بين كل هذه المقاربات التي تزخر بها »الثقافة الغازية« للمقاربة العرفانية أو الحلة العرفانية دون ما عداها، لأنها ربما تلائم قدّنا ومقاسنا. يشرّع الأبواب على منزلقات (خصوصاً في موروثنا الشيعي المثقل أساسا برصيد حكائي متضخم بالمخاريق والكرامات والأساطير »بحار الأنوار«). تتوغل في دهاليز الباطنية والوسائط السحرية والرواسب الاعتقادية التخييلية والتعويذية. في حين ان من الممكن أن يُحمل هذا المأثور الإخباري، خصوصا الأسطوري منه والذي تسقطه عادة مشرحة التعديل والتجريح التي يستخدمها الفقهاء في تصنيف الأخبار والروايات وفحص الأسانيد، يحمل على مقاربات أخرى لا تستدمجه في الجسد العقائدي الشيعي، وإنما ترى الى حكاياته واستيهاماته ورموزه وصوره حصيلة ضمير جماعي أو ديانة شعبية، أو أوالية من أواليات الذات الجمعية المحبطة بعد كف يدها عن حقها المشروع في التولية والحكم، تحتمي بحثاً عن الاستقرار والتوازن خلف صور ممثلنة ومعبرة عن حماية متخيلة وإرضاء وهمي لذات مجهضة. واستصفاء كوربان لهذا الجانب من الفكر الشيعي جعله يبني »دين الخلاص« للشيعة بدلاً من »ديانة التكليف« حسب عبارة جورج طرابيشي(4) الديانة الملائمة أكثر لروحية القرآن بوصفه وعاء الوحي »اللوغوس الكتابي« بدل اللوغوس المتجسد في المسيح. الديانة التي تستعيد فاعليتها ودورها في صناعة التاريخ، عوض ان تجد ذاتها ووطنها في »ما وراء التاريخ« كما يحب أن يرى كوربان الباحث عن أفق أبعد من حدود الدولة الأوروبية الحديثة، وعن تاريخ لا يصنعه الأسياد جدلية السيد والعبد في الفلسفة الهيغلية وإنما تاريخ يتأوله المسحوقون المستضعفون، ويحملونه بفضل »المخيلة الخلاقة« كما يسمّيها كوربان، على تاريخ آخر هو تاريخ »ما وراء العالم« الذي يتكفل بتوليد فضاء يقلب العلاقة السببية المعتادة بين التاريخ والذاتية، فتغدو الذاتية مرآة التاريخ القدسي hiژrohistoire والكاشفة عن بواطن الأحكام. لاهوت منفصل وقد أعانت هذه الشريحة الفكرية المصطفاة التي اشتغل عليها هنري كوربان على ان يلائم بين تطلعه الى لاهوت »منفصل« عن الأكثرية الإسلامية تتمثل فيه نظريته، وهؤلاء المتصوفة والعرفانيين والحكماء الإشراقيين الذين يناسبون »حلته« المثالية الذاتية، وصرف النظر عن بناة المذهب الشيعي أمثال الشيخ المفيد والصدوق والشريف المرتضى والحلي والطوسي وسواهم من الذين تضيق »حلته« عليهم، ومن الذين أظهروا حقائق الأحكام نقلاً عن السنن النبوية بدل الكشف عن بواطنها، ورعوا الإنسان في كل وجوه معاشه وأحواله. أما إغفال كوربان لفحص أثر هؤلاء الأعلام فناجم، لا عن ان كتابه مقتصر على الإسلام الإيراني، أو الإسلام في إيران، كما حبذ أن يترجمه الموسوي، بل هو من صلب منحاه النظري الذي لا يرى في الشيعة إلا متصوفة وعرفانيين وإشراقيين. ويمكن في هذا المقام الاستدلال على هذا الإغفال المتعمد بالعودة الى كتابه الآخر المعنون بعنوان عام هو »تاريخ الفلسفة الإسلامية« لم يتفحص فيه أي أثر لهؤلاء الأعلام الذين ذكرناهم. (1) زكريا إبراهيم: دراسات في الفلسفة المعاصرة، ج1، ص 369 375. (2) لكاتب المقال دراسة مستفيضة عن ميرسيا إلياد في صحيفة »النهار« الأعداد بتاريخ 9 و10 و11 و12/8/88. (3) Christian Jambet: La logique des orientaux. (4) جورج طرابيشي: نظرية العقل، ص 359 361.