As Safir Logo
المصدر:

الرواية المغدورة في »خيانة الوصايا« لكونديرا أوباش الأدب المتعيشون على فضلاته

المؤلف: ح ا التاريخ: 2000-04-06 رقم العدد:8570

عن »نينوى« للدراسات والنشر والتوزيع (دمشق) صدرت الترجمة العربية لكتاب ميلان كونديرا »خيانة الوصايا«، وهو من تقديم وترجمة لؤي عبد الإله. هنا كلمة. »لا تلمس كتابي!« هذا هو فحوى الإيعاز الذي يردده ميلان كونديرا، وبأشكال مختلفة ومتعددة في كتابه »خيانة الوصايا«، لدرجة تشعر معها، احيانا، بالارتجاف فيما لو خالفنا أوامره، اي نخاطر بذلك، لنذهب الى بعض التعليقات في هوامش بحثه هذا. ميلان كونديرا »يلعب« هنا، على جميع حبال الابتهال والتضرع والأوامر الرسمية والصلوات والوصايا، لتبدو الأشياء واضحة في نهاية الامر: إذ ان عمله الأدبي يخصه وحده في الأساس كما يعود الأمر له، وحده، ليجعلنا نفهم كل ذلك »كما هو عليه«. انه يستعيد، على حسابه كما على حساب جميع المبدعين، ما أجاب به سترافينسكي عن اقتراح أنسيمير في العام 1937، حين طلب منه ان يقوم بصناعة لعبة ورق مضيفا عليها بعض التقطيعات. قال سترافينسكي: »انك، هنا، لست في منزلك«، ها قد تم تحذيرنا، ان كان كونديرا يدعونا الى شيء عبر كتبه، فان طلبه هذا يتلخص في ان يطلب منا عدم التصرف كما لو اننا نحتل ارضا، أي علينا احترام ترتيب الأثاث، اتباع ايقاع الوجبات بانتظام ومراقبة العادات والتقاليد. انه تخدير شرعي يستدعي قواعد اللياقة الأساسية. من هنا، نجد انه اذا كان من الضروري ان يتعب المرء نفسه في تخصيص كتاب لرسم هذه البديهيات، فانه بذلك يخاطر في ان ينتقل ويتحول الى مضيف شرس او الى مهووس بالخيانة. دعوة شرسة قد لا يبدو الكتاب في البداية وبأسره، مخصصا لهذه الدعوة الشرسة، وان كانت موجودة على مر هذا البناء ذي »المسلك الحر« وذي »القوة الصارمة« (وان بدت موضوعا مستعادا، برقة خفيفة احيانا وبتأكيد فاقع في أحيان اخرى). »انه سلسلة من الفولاذ.. حتى ان زهرة تختفي من تحت أعيننا« (على قول غوته بخصوص نوفو دورامو). ما يشكل لحمة الكتاب الموحّدة، هو الفن الأوروبي، الا انها، اي هذه اللحمة، تتعدد الى خطابين يتشابكان بدورهما: خطاب تاريخي نستطيع ان نصفه بأنه خطاب موضوعي حول العصور الثلاثة للإبداع الروائي، وخطاب حميم، غضوب، مكتئب، متكبر على المكان الذي يعينه كونديرا في هذا التاريخ. ما يهمنا أكثر هو الخطاب الاخير، لأنه يمسنا أكثر إذ من الاهمية بمكان ان نعرف كيف ان كاتبا من قامة ميلان كونديرا يعيد بناء مغامرة الرواية، كيف يتخيل »الشوط الاول« الذي ينتهي مع نهاية القرن الثامن عشر بين »لاكلو« و»سترن« من جهة وبين »والتر سكوت« و»بلزاك« من جهة اخرى، كذلك نتخيل شوطا ثالثا هو شوط الرواية المعاصرة التي أعادت مجددا وعبر الرباعي المنتمي الى أوروبا الوسطى: كافكا وموزيل وبروخ وغرومبشفايك ادخال كل ما أبعدته رواية القرن التاسع عشر من جماليات قديمة، وبدءاً من جمالية الدعابة. بيد ان هذه الاعتبارات (المثيرة للجدل، التي تناقش) ما كانت لتشغفنا الا باعتدال (هي فرضية مهمة من بين فرضيات اخرى) فيما لو تأتت او انبثقت من أطروحة جامعية او من عمل لروائي »تافه«. لوحة عائلية لم يكتب كونديرا مؤلفه هذا كي ينافس الكتب المدرسية الاوروبية او جدوده القدامى الذين يستدعيهم (غير الذين يذكرهم) مثل رابليه وثربانتس وديدرو وتولستوي. لأن هؤلاء كلهم، ليسوا مصفوفين في متحف ما، بل انهم موجودون في لوحة عائلية، نجد في طرفها، كونديرا نفسه. الفنان موجود على اللوحة وحضوره هو الذي يعطي حياة وجسدا لتأليفه. قوة هذا البحث، الخاصة، تتأتى بما يشكله هذا الحضور، وفي الوقت عينه، من درامية وإثارة للعواطف، لكن من دون أي تأثير مسرحي او أي تأثير عاطفي. تخيلوا مثلا، رجلا، كاتبا كبيرا يكتب وصيته، يملي رغباته ويقول انها الاخيرة. في ذاكرته تكمن جميع الوصايا المخانة، كل المخلوقات المشوهة، المصغرة، المفسرة عبر خداع، المبجلة بشكل يشوهها بطريقة أقسى من البغض. لقد تمت خيانة كافكا وأفسدت طبيعته من قبل الشجاع ماكس برود ومن ثم من قبل مترجميه الفرنسيين. لقد سطّح ليونار برنشتاين، سترافينسكي، وتم إغلاق فضاء الأدب الوطني البولندي على غرومبشفايك، وقد وُهب يانشيك الى ترتيبات مقتبسيه، وتم وضع باخ تحت سيطرة فيضان العواطف عند جلاديه الرومنسيين، اما همنغواي فقد تم تشريحه من قبل كتاب سيرته (لا يعرف كتاب السيرة حياة زوجاتهم الجنسية، بينما يعتقدون انهم يعرفون حيوات ستاندال او فوكنر). الى كل هؤلاء الزوار قليلي الأدب الذين يتصرفون بالأعمال الأدبية كما لو انها »اوباش« من الجيد ان نضيف اليهم »الباحثين في القمامة«، وهم جنس يخشاهم المعجبون بخاصة الذين يبنون حياتهم المهنية على استعادة الفضلات: فنشر ما اعتبره الكاتب غير جدير بالنشر او غير جدير بأن يكون حاضرا في عمله، امر محفوف بالمخاطر، مثل تلك الموسيقى التي صاحبت الحركات السويدية والتي كتبها يانشيك ليدخل السرور الى قلوب سيدات ناد رياضي والتي نجدها اليوم في محلات بيع الاسطوانات. امر محاط بجميع الخيانات التي تشعر الكاتب، الموصي، بالخوف. الخوف على كتبه. خوف من الذكرى لأنها، كما يقول، »أحد أشكال النسيان«. خوف من الموت الثاني المولود به. لذلك عليه ان يحاول الاحتماء من تهديدات الاجيال الآتية (بالنسبة الى الحاضر، نجده يسهر عليه بشراسة) ان يضع النقاط على الحروف بدقة ووضوح. ان يجرد الابهامات التي تصبح قانونا بالنسبة الى اولئك الناشرين والمترجمين والنقاد والمعلقين الذين يجعلون من إبداعهم شغلهم الشاغل. انها طريقته في ان يخبط قبضته على الطاولة التي ومثلما يعرف كونديرا جدا تملك شيئا من الاستهزاء والبأس: لأن المستقبل يصنع ما يبدو له جيدا. على الاقل كل واحد سيحدد علاقته، علانية، من الخيانة، عندما تحدث، اذ لا يستطيع أحد، عندها، ان يدّعي بأن هذا الخضوع هو فعل حب، لأنه من السهل جدا ان نرفض الخضوع لميت وان كنا أحيانا نخضع لمشيئته ونرفض الاعتقاد بأنه ميت. أشياء عديدة ثمة شيء فاحش، غير محتمل وميلو درامي في عرض هذا الكاتب الذي هو في أغنى مرحلة من نضوجه الإبداعي. إذ يأخذ قراءه كشهود على وصاياه لما بعد الموت. يحتفظ كونديرا بكل التوتر وبكل العاطفة التي تنشأ من هذا الوضع، الا انه يتخلى عنها وينظفها من كل ما يمكن لها ان تجعلها تغرق في الوجدانية »تمّ تلقيحي، للأبد، ضد المحاولات الوجدانية« او في الانتفاخ الكئيب وفي الاعتراف الفاسق. ما من أمر صميمي الا وعبّر عنه عبر الجماعة، عبر ألعاب الانعكاسات وعبر كلمات الآخرين. ومع ذلك، لقد قيل كل شيء في هذا الذهاب والإياب المستمر »للأنا« المختبئة في »هم« المتعددة التي لا تسمح لكونديرا فقط بأن يتجنب فخاخ البورتريه الشخصي او الاحتفاء الذاتي الجمالي. انه ظاهرة ملموسة (مثلما هي الرواية ميتافيزيقا ملموسة) لفن كونديرا. فالوصايا المغدورة، ليست سوى بطانة كرواية من روايات كونديرا مرهونة بقصة، تمتد على 5 قرون، فوق ارض واسعة، هي ارض أوروبا ذات الشخصيات المتنوعة (أي الأعمال الأدبية المختلفة) الموزعة على الموسيقيين والكتاب والمترجمين... الذين يدخلون في علاقات مبهمة مع الكاتب، مبهمة من جراء السخرية والاعجاب والشفقة والغضب والتنكير. ان رواية مبنية على طريقة »ماكيت خشبي« متعدد الأصوات او على طريقة جاك القدري حيث تتقاطع الموضوعات وتختفي وتنبثق من جديد بشكل فاسد (بالكاد)، امر يتطلب تنويعات جديدة، تعطي، في الوقت عينه، الاحساس بتأليف مليء كما تعطي الاحساس بارتجال حر يعيد للفكر واللغة التي وجدت التعبير الأسعد. انها السعادة الأطهر المرتبطة بالتشاؤم الاطهر. ما من تناقض، بل هناك فضيحة تتمثل في قطيعة الانسان مع التاريخ. لان التاريخ وحش لا شخصي. وكل ما كان التاريخ غامضا، كلما زاد في سحقنا. وكلما نقص، كلما توحّد. من هنا على الروايات ان تكون اكثر قدرة وأكثر قسوة وأكثر انتباها. لان الانتباه يحمي من الخونة ذوي الإرادة الطيبة الذين يرغبون في وضعها تحت روح العصر، تحت قانون الشمولية. من يحمل الرواية اذاً الى التوتاليتارية؟ انها محاكمات الفكر التي تتضاعف من جميع الجوانب ضد الكتاب. فما قضية سلمان رشدي وضعف ردات الفعل الاوروبية تجاه الحكم الذي صدر بحقه الا الدليل على يقين واحد: ان نجحت روح المحاكمة في إلغاء ثقافة هذا العصر، فلن يبقى خلفنا الا ذكرى واحدة: ذكرى الرعب الذي يغنّيه كورس أطفال.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة