As Safir Logo
المصدر:

عـام علـى حـادثـة فـوكـوشيمـا: لا تغييـرات جـذريـة فـي مستقبـل الطـاقـة النـوويـة

متظاهر ضد البرامج النووية أمام شركة كهرباء طوكيو التي تشغل محطة فوكوشيما النووية أمس (رويترز)
المؤلف: الحسيني ربى التاريخ: 2012-03-12 رقم العدد:12132

بعد عام على حادثة التسرب النووي في محطة فوكوشيما، والتي جاءت نتيجة موجات التسونامي التي ضربت اليابان في 11 آذار العام 2011، ثمة تحديات كثيرة تواجه مستقبل الطاقة النووية في العالم، لا سيما في ما يتعلق بأمن المفاعلات النووية، لكن الحكومات ما زالت تصرّ على مواصلة برامجها النووية لاعتبارات اقتصادية وبيئية مختلفة. لا شك في أن الطاقة النووية تعدّ أحد البدائل المهمة للوقود الأحفوري والفحم الحجري في إنتاج الطاقة الكهربائية، خصوصاً في ظل الحاجة إلى التقليل من انبعاثات غاز ثاني أوكسيد الكربون، في وقت يواجه العالم معضلة التغير المناخي، ولكنها تعتبر، في الوقت ذاته، الأكثر تكلفة بين جميع الوسائل التقليدية الأخرى. وفي الوقت الحالي، ثمة 50 دولة تستخدم الطاقة النووية، أو تعمل على بناء منشآت لهذا الغرض، أو تدرس استخدام الطاقة النووية، باعتبارها الحل الأفضل لإنتاج الطاقة الكهربائية. نصف هذه الدول اتجهت حديثاً نحو استخدام الطاقة النووية، وذلك في ظل الطلب المتزايد على الطاقة الكهربائية، والذي يقابله ارتفاع الأسعار العالمية للنفط، وتصاعد الضغوط الدولية للتقليل من الانبعاثات الحرارية الناتجة عن استخدام الوقود والفحم. ويرصد «مجلس الطاقة العالمي»، في تقرير نشره مؤخراً تحت عنوان «مستقبل الطاقة النووية... عام على فوكوشيما»، دوراً أكبر للطاقة النووية في إنتاج الطاقة خلال الأعوام المقبلة. ويشير التقرير إلى أن كارثة فوكوشيما أسهمت في تعزيز قواعد السلامة والشفافية للمنشآت النووية، بالرغم من تأثيراتها على سرعة الإنتاج ووقف العمل في بعض المنشآت في بعض الدول. ومن شأن الحديث عن تعزيز قواعد السلامة للمنشآت النووية أن يطمئن الرأي العام تجاه الطاقة الذرية، خصوصاً بعد تصاعد وتيرة التظاهرات التي شهدتها دول عديدة، خصوصاً في أوروبا، للاحتجاج على استخدام تلك الطاقة. ولعل كارثة فوكوشيما قد أسهمت أيضاً في إعادة طرح النقاش حول سبل تلبية المطالب المتزايدة في الحصول على الطاقة، ومدى مساهمة الطاقة النووية في عملية إنتاجها، من بين وسائل أخرى عدة. ولم يكن لحادث فوكوشيما تأثير كبير على مشاريع الطاقة النووية في العالم، باستثناء اليابان وعدد من الدول التي أعلنت عن إلغاء تدريجي لأنشطتها النووية كافة، وأبرزها ألمانيا وسويسرا وإيطاليا. وقبل الحادي عشر من آذار العام الماضي، كانت 30 دولة تمتلك 442 مفاعلاً نووياً بقدرة إنتاج كهربائية 379001 ميغاوات، بالإضافة إلى 65 مفاعلاً قيد الإنشاء بقدرة 62862 ميغاوات، علماً بأنه من المفترض بناء 159 منشأة جديدة بقدرة 123178 ميغاوات، أي بزيادة قدرها 47 في المئة من الطاقة المنتجة حالياً.الجدير ذكره أنه في العام 2010 كانت الولايات المتحدة المنتج الأكبر للطاقة النووية (807،08 تيراوات)، تليها فرنسا (410،09 تيراوات) واليابان (280،25 تيراوات). وكانت الطاقة النووية تؤمن 74 في المئة من حاجة فرنسا من الطاقة الكهربائية و25 في المئة من حاجة اليابان و20 في المئة من حاجة الولايات المتحدة. وحتى آذار العام الماضي، كانت الولايات المتحدة تمتلك 104 مفاعلات نووية، تليها فرنسا (58 مفاعلاً) واليابان (54 مفاعلاً). أما العدد الأكبر من المفاعلات قيد الإنشاء فكان في الصين (27 مفاعلاً)، ومن ثم في روسيا (17 مفاعلاً). وجاء حادث فوكوشيما ليفرض مراجعة فورية لقواعد سلامة الطاقة النووية في دول عدة من العالم. وفيما اتخذت بعض الدول قرارات وصفت بأنها «متطرفة» للتخلي عن خطتها النووية، ووقف العمل تدريجياً في المنشآت القائمة، اكتفت دول أخرى بتعليق مشاريعها النووية بانتظار مراجعة قواعد السلامة. وقررت اليابان إلغاء مشاريعها التوسعية في القطاع النووي. وتحتل اليابان المرتبة الثالثة في لائحة الدول المنتجة للطاقة النووية، التي كانت تؤمن حوالى 30 في المئة من الإنتاج الكهربائي في البلاد. وكانت الحكومة اليابانية تسعى من خلال مشاريعها التوسعية لتأمين 41 في المئة من إنتاج الكهرباء خلال العام 2017، على أن تصل إلى 53 في المئة العام 2030، من خلال بناء تسعة مفاعلات نووية جديدة، ولكن حتى منتصف شهر شباط الماضي، اقتصر العمل في المفاعلات النووية اليابانية على منشأتين من أصل 54 منشأة تم وقف العمل فيها لأسباب متعلقة بالصيانة والسلامة. كذلك، قررت كل من ألمانيا وسويسرا وإيطاليا وقف مشاريعها النووية، والبدء بوقف تدريجي للمنشآت العاملة حالياً كافة. وفي ألمانيا كانت المنشآت النووية (17 مفاعلاً) تؤمن 23 في المئة من الطاقة الكهربائية، ولكن بعد أيام على حادث فوكوشيما أوقفت الحكومة الألمانية العمل في أحد أقدم منشآتها، وأعلنت في أيار الماضي تخليها تدريجياً عن استخدام الطاقة النووية بحلول العام 2022. في المقابل، قررت دول أخرى مراجعة قواعد وإجراءات السلامة من دون وقف العمل في منشآتها أو وقف مشاريعها المستقبلية، ومن بينها الصين وفرنسا والهند وباكستان والولايات المتحدة. وتظهر الدراسة أنه حتى شهر كانون الثاني 2012، كانت المنشآت النووية في دول الاتحاد الأوروبي تعمل بقدرة إنتاج كهربائي 411211 ميغاوات، تليها الولايات المتحدة (101240 ميغاوات) وفرنسا (63130 ميغاوات). وفي روسيا تعمل المنشآت النووية بقدرة إنتاج كهربائي 23643 مليار ميغاوات، وكانت موسكو قد أعلنت عن خطة لمضاعفة قدرتها النووية بحلول العام 2020، بالتزامن مع إجراء مراجعة شاملة لقواعد السلامة. كذلك قررت الدول النامية استمرار العمل في تطوير قدراتها النووية كجزء أساسي من إنتاج الطاقة. ولعلّ السبب الرئيسي في ذلك، هو حاجة تلك الدول إلى مواجهة الطلب المتزايد على الطاقة، والضغوط التي تواجهها للتقليل من استخدام الوقود الأحفوري. وعلى سبيل المثال، أعلنت تركيا عدم تراجعها عن استكمال مشاريعها النووية ببناء أربعة مفاعلات يتوقع أن ينتهي أولها بحلول العام 2018. وتلاحظ الوكالة الدولية للطاقة الذرية أن الصين تشغل 16 مفاعلاً نووياً بالإضافة إلى 26 قيد الإنشاء، في مقابل 20 مفاعلاً في الهند (بالإضافة إلى 7 قيد الإنشاء) و23 في كوريا الجنوبية (ثلاثة قيد الإنشاء). علاوة على ذلك، لم تتخل الصين حتى الآن عن مشروع لبناء 51 مفاعلاً جديداً، كذلك هي الحال بالنسبة للهند (17 مفاعلاً جديداً)، وروسيا (14 مفاعلاً)، والولايات المتحدة (11 مفاعلاً). وتظهر هذه الأرقام أن حادثة فوكوشيما لم تحدث أي تغيرات جذرية في وضع الطاقة النووية في العالم، خاصة أنه خلال هذه الفترة بدأ العمل في ثمانية مفاعلات جديدة - ثلاثة في الصين وواحد في إيـــران واثنان في كوريا الجنوبية وواحد في باكستان وواحد في روسيا ـ فيـــما بدأ العــمل لبناء ثلاثة مفاعلات جديدة، اثنان في الهند وواحد في باكستان. ولعل ذلك يؤكد أن النتائج الطويلة الأمد لحادثة فوكوشيما ليست واضحة حتى الآن، وخاصة أن ذلك يرتبط أساساً بالقدرة على إيجاد الطاقات البديلة، علماً أن الحصول تلك الموارد الجديدة يعوقه تواجدها في مناطق نزاع، بالإضافة إلى تزايد القلق بشأن التغير المناخي، وتأثير انبعاثات ثاني أوكسيد الكربون في الاحتباس الحراري مع استمرار كثرة استخدام الفحم والوقود في البلدان النامية. إعداد ربى الحسيني

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة