As Safir Logo
المصدر:

نجاة قصاب حسن و»صانعو الجلاء في سورية« ليس مؤرخا لكنه يؤرخ قطوفاً من الذاكرة

المؤلف: ابو فخر صقر التاريخ: 2000-04-04 رقم العدد:8568

الكتاب: صانعو الجلاء في سورية الكاتب: نجاة قصاب حسن الناشر: شركة المطبوعات، بيروت، 1999 من السهل، نسبيا، كتابة تاريخ بعض البلدان مثل مصر او الجزيرة العربية او ليبيا على سبيل المثال. فالجغرافيا، في هذه المناطق، لها شأن كبير في إجبار التاريخ على السير مستقيما كالخط المتواصل، او في إرغام الوقائع على ان تكرر نفسها مرارا فتتشابه أحداثها كعيدان الليف، او في جعل الحقب الزمنية يتراكب بعضها فوق بعض كالطبقات الجيولوجية. فمصر، منذ تشكلها في دولة منذ نحو ثلاثة آلاف سنة قبل المسيح، كانت بلادا محمية بالصحراء من الغرب وبالبحر من الشمال وبجدل النهر والأدغال من الجنوب. اما الفتحة الوحيدة الخطرة التي تتطلب استعدادا دفاعيا وتأهبا دائما فكانت تقع الى الشرق، اي في سورية. لذلك عاشت مصر، الى حد بعيد، أحداثها الداخلية بأقل قدر من الاضطراب، وشهدت تحولات بطيئة، واختمرت فيها أحداث جسيمة ولكن ممتدة في الزمن، فهي بدلت ديانتها ثلاث مرات وبدلت لغتها ثلاث مرات وظلت هادئة في معظم فترات تاريخها المعروف. ويظهر أثر ذلك في التماثيل واللوحات المصرية الجامدة والنمطية والمتشابهة ذات الخطوط المستقيمة والطويلة. اما سورية فهي على عكس مصر تماما، إنها بلاد شديدة التعقيد، كثيرة التنوع، مفتوحة حدودها على أقوام شتى. فمن الشرق كان نداء البحر يحرك، منذ بارسيبوليس ونينوى، السلطات الحاكمة في فارس والعراق للوصول الى البحر المتوسط. وكان النداء الافريقي، منذ الحثيين حتى العثمانيين، يحرك الحاكم في القسطنطينية ومقدونيا للوصول الى برزخ السويس ومصر. وكان نداء الشرق، منذ تيطس حتى سايكس بيكو ونداء صهيون معهما، يحرك أوروبا نحو الساحل السوري. وكانت دمشق الرومانية الهيللينية ثم العربية تبحث عن ندائها الخاص شرقا وغربا وشمالا وجنوبا. لهذا مالت أطراف سورية الى العواصم التجارية المجاورة كبغداد والموصل، ومال أهل الشام الى التطلع نحو فلسطين ولبنان. ولذلك كانت الشخصية السورية غير خطية البتة، بل شديدة التعقيد والتوتر والتباين والتنوع. فالسهل السوري الخصيب الممتد من شمالي حلب حتى جنوبي أريحا والذي قامت فيه واحدة من ثلاث حضارات كبرى في الشرق الادنى القديم (مصر ووادي الرافدين وسورية) كان على استنفار دائم ليرد غزوات الشرق والشمال والجنوب، وكان على استعجال دائم ليسيطر على عُقد التجارة في المنطقة، وعلى حذر دائم من ان تتمرد عليه موانئه البحرية مثل صيدا وصور وأرواد ويافو او ان تسقط في قبضة منافسيه. ان كتابة التاريخ القديم السورية صعبة جدا. وحتى سورية الحالية فيها من التنوع ما يجعلها متحفا للتاريخ ويجعلها، في الوقت نفسه، عصية على التأريخ. ففي أرجائها إحدى وعشرون طائفة (تزيد على طوائف لبنان بثلاث: الاسماعيلية واليزيدية والاحمدية)، وفي رحابها تتعايش قوميات متعددة كالتركمان والأكراد والشركس والداغستان والارناؤوط والأبخاز واليونان والفرس. وبسبب هذا التعايش والتسامح لم تجد دمشق غضاضة في ان تنصب الحجازي فيصل الأول أول ملك دستوري عليها في العصر الحديث، وهي التي رحبت بأن يكون الامير عادل أرسلان اللبناني وزيرا لخارجيتها وشوكت شقير اللبناني رئيسا لأركان جيشها وعبد الرحمن خليفاوي الجزائري رئيسا لحكومتها، ومرشد خاطر اللبناني وزيرا لصحتها وبهيج الخطيب اللبناني رئيسا لدولتها. ويروى ان الرئيس شكري القوتلي، عندما سلّم سلطاته الى الرئيس جمال عبد الناصر بعد توقيع ميثاق الوحدة في سنة 1958، خاطب عبد الناصر قائلا: سيادة الرئيس، انني لا أحسدكم أبدا على هذه المسؤولية الجديدة، فأنت الآن لن تحكم شعبا عاديا بل ستحكم أربعة ملايين زعيم، لأن كل سوري يعتقد نفسه زعيما. ليس مؤرخا لكنه يؤرخ ليس نجاة قصاب حسن مؤرخا، بل كاتب يعنى بالتدوين وتسجيل الوقائع والاحداث. وكتابه هذا يهدف الى اعادة النضارة الى الذاكرة التاريخية، لا الى اعادة تدوين التاريخ. والمؤرخ عليه ألا يغفل حتى صغائر الأمور وشتات الحوادث، بينما يقول نجاة قصاب حسن: »ان من يتصدى لكتابة التاريخ (...) يجب ان يتغاضى عن الهنات والشوائب في السلوك البشري (...) ولذلك فأنا أمسك عن نقل اللحظات الضعيفة والهابطة لا بُعدا عن الموضوعية وانما للإبقاء على نقاء الذكريات«.(ص12). ويضيف: »إنني في هذا الكتاب (...) أخذت من كل شخص أطيبه (...) وضرب صفحا عن مواضع الضعف البشري«. (ص12 13). ان نقاء الذكريات، إذن، هو الدافع الى تأليف هذا الكتاب الذي رتبت فصوله ابنته الدكتورة حنان قصاب حسن، غير اننا لن نتغاضى عن بعض الهنات والشوائب التي اعتورت هذا الكتاب فأضعفت حجته وقصّرت سعيه عن الوصول الى مراميه. والكتاب، في الأساس، كتاب عن الرجال لا كتاب في التاريخ. وقد اختار المؤلف »أحد عشر رجلا من صانعي الجلاء« (ص27) لكنه يؤرخ لإثني عشر رجلا هم: يوسف العظمة، احمد مريود، سلطان الأطرش، ابراهيم هنانو، هاشم الأتاسي، شكري القوتلي، سعد الله الجابري، فارس الخوري، عبد الرحمن كيالي، لطفي الحفار، فخري البارودي، نجيب البرازي. وواضح ان الكاتب يميل الى »الكتلة الوطنية« ويتجاهل بعض رجالات »حزب الشعب« أمثال عبد الرحمن الشهبندر وجميل مردم بك وحسن الحكيم وإحسان الشريف وفوزي الغزي وسعيد حيدر. كذلك يتجاهل رجال »عصبة العمل القومي« مثل صبري العسلي (وان تحول لاحقا الى الكتلة الوطنية) وفريد زين الدين وعبد الرزاق الدندشي، وشخصيات اخرى كان لها شأن كبير في صنع الجلاء عن سورية أمثال فوزي القاوقجي وفوزي البكري ونسيب البكري وعادل أرسلان ورشيد طليع ونبيه العظمة وعادل العظمة. حار البعض في نجاة قصاب حسن. أيكون ذكرا أم أنثى؟ ولولا شهرته كمحام وكاتب وإذاعي ومعني بالفنون الشعبية ووثيق الصلة بالأخوين رحباني وفيروز وذواقة فن وأدب، لحسبه البعض أنثى. وثمة أسماء نطلقها، في الغالب على النساء، لكنهم في سورية يطلقونها، بكثرة، على الرجال أمثال: سمر روحي الفيصل وقمر الزمان علوش ونيروز مالك وبندر عبد الحميد وصباح قباني وإنعام الجندي وفردوس أتاسي، حتى ان الكاتب سعد صائب كان اسمه، في الأصل، سعاد صائب ثم بدّله لاحقا. وكتاب »صانعو الجلاء في سورية« يشبه هذه الأسماء كلها. انه ليس كتابا عن التاريخ، لكنه عن الرجال الذين صنعوا تاريخا، اي انه يشتبك بالتاريخ من غير ان يخوض معركة.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة