As Safir Logo
المصدر:

تمثيلات «الغرب» في السرد العربي.. الآخر كمصدر لتحرر الأنا

النحات السوري مصطفى علي (مواليد 1956)
المؤلف: الشحات محمد التاريخ: 2012-03-02 رقم العدد:12124

كان يبدو من المقبول جدا، خلال فترات طويلة سابقة، تصور أن الأدب المقارن يجب أن يقوم على دراسة الصلات الفعلية بين الآداب القومية فحسب. ولكن هذه الدوافع، وخاصة العملية منها، فقدت كثيراً من ثقلها مع اتساع مفهوم الأدب المقارن وتطور نظرية الأدب بصفة عامة؛ فثمة أبحاث لم تكن بعد قد اكتملت وتبلورت مثل «تاريخ الأفكار» التي أصبحت الآن في أوج ازدهارها، وأبحاث أخرى من قبيل صورة بعض الشعوب لدى بعضها الآخر من خلال نصوصها ومتونها الأدبية (الشفاهية أو الكتابية على السواء)، وهي أبحاث ودراسات تتخذ من الخطاب الحكائي، أو السرود غالباً، مادة للتحليل والتفسير والتأويل. لقد أصبح موضوع «الأدب المقارن» موضوعاً دقيقاً من ناحية، ومنفتحاً في الوقت ذاته على تطورات النظرية الأدبية المعاصرة في رحابتها ومرونتها من ناحية ثانية. ولسوف يأتي موضوع الأدب المقارن، في سياق النظرية النقدية المعاصرة، بثمار مهمة في مجال دراسة التأثيرات بين الآداب والثقافات المختلفة، في ما يعرف بمبحث «التناص Intertextuality»، على سبيل المثال، فضلاً عن دوره البارز في مجال تبادل «الصور» و«الأفكار» بين الآداب والبلدان التي قد تبدو، للوهلة الأولى، غير ذات صلة في ما بينها، ومنها بالطبع علاقة الإبداع العربي بالغرب، أو علاقة الآداب الشرقية بالآداب الغربية عامة. ومن ناحية مقابلة، سوف يفيد النقد الأدبى أيضا من الأدب المقارن توسيع مفهوم «العالمية Universality» بوصفه مفهوماً يغطّي الاهتمام بالعالم الثالث وثقافة المهمّشين والمستبعدين من أقطار الكرة الأرضية، جنباً إلى جنب اهتمامه بالمركزية الأوروبية، فضلاً عن الاهتمام الأثير بالمجال الذي تشتغل فيه «البلاغة المقارنة». لا شيء يحيا منعزلاً وهنا، ينبغي التأكيد أن مفهوم الأدب المقارن سوف يتقاطع مع الأفق الإبستمولوجي الذي ينهض عليه ما يُعرف الآن باسم «النقد الثقافي» أو «الدراسات البينية»؛ إذ سوف يفيد بالضرورة من حقل النقد الأدبي وتنوع نظرياته واتجاهاته، فضلاً عن إفادته من «علم اجتماع الأدب» و«تاريخ الأدب»، وربما «النظرية الاجتماعية» عامة. وقريبا من هذا المعنى ما صرّح به «شال shale»، أحد روّاد الأدب المقارن، الذي استطاع أن يلخّص مطامح «الأدب الأجنبي المقارن» في عبارة افتتح بها خطبته في باريس، في 17 يناير عام 1835، حيث دعا إلى عدم فصل تاريخ الأدب عن تاريخ الفلسفة وعن السياسة، وكان يطمح إلى أن يرسم تاريخ الفكر، ويُظهر «الشعوب مؤثرة ومتأثرة بعضها ببعض»، حيث قال: «لا شيء يحيا منعزلاً، فالانعزال الحقيقي هو الموت، وكل العالم يستعير بعضه البعض، فهذا العمل العظيم، عمل الجاذبية، عالمي مستمر». الأدب القومي إن اصطلاحات من قبيل «الأدب القومي»، حين تعبر عن هيمنة «المركزية الأوربية»، سوف تثير الكثير من الجدل والقلق والغضب، بشأن آداب العالم الثالث، أو الدول النامية، فضلاً عن آداب المهمّشين، والأقليات، وكتّاب المهاجر والمنافي؛ الأمر الذي ساهم في بلورة ملامح خطاب ما بعد كولونيالي يعبّر بالدرجة الأولى عن هموم الأقليات وأفكارها وعن كتّاب المنفى ودول العالم الثالث وكتّاب القارة السوداء والكتّاب «المزدوجي الهوية»، بوصفه خطابا نقديا وإبستمولوجيا شارك في إنتاجه كثير من مبدعي العالم الثالث وفنانيه وباحثيه ومفكريه، من أفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية، ومنهم على سبيل المثال إدوارد سعيد، هومي بابا، إعجاز أحمد، جاياتري سبيفاك، بيل أشكروفت، شينوا آشيبي، وول سوينكا، نجوجي وا ثيونحو، نادين جورديمر، جارثيا ماركيز،... وغيرهم. ولعل السرّ وراء ما تمتلكه هذه الآداب من شيوع وانتشار جعلها تتجاوز خصوصيتها الإقليمية الضيقة هو أنها آداب انبثقت من شكلها المحلّي والوطني الخاص، بعيداً عن تجربة الاستعمار، وتشبّثت بنفسها من خلال مواجهة عدد كبير من القوى الإمبريالية، ومن خلال تأكيدها على ذواتها عبر تصديرها القلق جنباً إلى جنب القوة الإمبريالية، وبواسطة تأكيدها أيضاً على قيمة اختلافها عن مسلّمات المركز الإمبريالي (الأوروبي). تعدّ دراسة صورة الآخر في النص السردي (كصورة الغربي في الأدب العربي مثلا) أحد المباحث التي يعتبرها الأدب المقارن مجالاً محورياً للفصل بين الثوابت والتحولات، حيث ينظر إلى الصور - سواء صورة «الآخر» أو صورة «المستعمِر»، أو صورة «الوطن»...إلخ – بوصفها مكونات أو مفردات للثفافة، فضلاً عن كونها صوراً تحمل تجارب الشعوب الخاصة. إن البحث في مجال صور الشعوب يمثل اتجاها حديثاً في الأدب المقارن؛ إذ يجب أن تدرس الصورة أولاً على مستوى الوطن ذاته (الإقليم المحلّي) قبل دراستها دراسة مقارنة. إن كل صورة تمثيل فردي أو جماعي، يدخل فيها، في وقت واحد، عناصر ثقافية وتأثيرية، موضوعية وذاتية، فلا يمكن لأي أجنبي أن يرى بلداً كما يريد أهله أن يراه؛ بمعنى أن العناصر التأثيرية تفوق العناصر الموضوعية. والتاريخ المقارن لما يُسَمّى أفكاراً ليس إلا الطريق الذي تتبعه الأساطير والميثولوجيات. والتفسير الأسطوري الذي في كل صورة يكشف لمن يتبنّاه عن اتجاهات ذات صبغة لا شعورية، يمكن صياغتها على النحو التالي: كيف يرى العربيُّ الغربيَّ؟ وكيف يرى الغربيُّ العربيَّ؟ ولمَ ينظر كل منهما إلى الآخر على هذه الصورة أو تلك؟ يمكن لهذا النوع من الدراسة أن يساعد أي بلدين على القيام بنوع من التحليل النفسي القومي، حين يعرفان مصدر أحكامهما المسبقة المتبادلة معرفة أفضل، وبذلك يعرف كل منهما نفسه بصورة أقرب إلى الواقع بحيث يكون أكثر تسامحاً مع الآخر الذي كان يعتمد في تصويره، أساساً، على ميول ونزوعات غير مبرّرة شبيهة بما عنده. هكذا، يفرض الأدب المقارن على من يمارسونه موقفاً من التعاطف والتسامح والفهم بين بني البــشر، مهــما تباعــدت الأقاليم، وامتدت حواجز الجغرافــيا، كما يفرض عليهم أيضا، في الوقت ذاته، ليبرالية ثقافية لا يمكن، دونها، محاولة إنجاز عمل جماعي بين الشعوب والثقافات والحضارات. إذاً، لن تقف دراسة الرواية - أو نقد الصورة في الرواية - من منظور الأدب المقارن عند مجرد وصف تحليلي ومقارنة منهجية لظواهر أدبية تنتمي إلى ثقافات متعددة، باستيعاب التاريخ والنقد والفلسفة فحسب، بل سوف يتسع طموح هذه الدراسات المقارنة سعيًا إلى فهم أفضل للأدب من حيث هو ظاهرة إنسانية أولا، ومن حيث هو وظيفة نوعية للروح الإنسانية ثانيا، وبغرض فهم أفضل لجوهر الإنسان نفسه بعيداً عن المكان (الجغرافيا - البيئة) والزمان (التاريخ - العصر) والجنس (السلالة - العرق) ثالثا؛ أي بعيدا عن سجن العناصر والمفاهيم التي بحث عنها الوضعيون كاشتراطات لدرس العلاقة بين الأدب (أو الفن) والمجتمع، حيث حاول هيبوليت تين، على سبيل المثال، ومتأثّرا بأوجست كونت Auguste Conte (1798-1857)، أن يقيم علما للأدب على منوال العلوم الطبيعية. وفوق ذلك كله، يمكن القول إن الأدب المقارن سوف يضلّ طريقه إذا ما تصوّر إمكانية الانفصال عن القضايا السياسية المتعلقة بالثقافة والهوية القومية، والعلاقة بين الأنا والآخر. ومع ذلك ، فثمة تشابه واضح - كما أشرنا في البداية - بين الدراسات الثقافية في التسعينيات والأدب المقارن في القرن قبل الماضي (التاسع عشر)؛ فكلاهما دراسة في حقل المعرفة البينية تلاحق عالماً يتسم إيقاعه بالتسارع والتحول، كتحول النوع الروائي نفسه. في هذا السياق ترتبط «صورة الآخر (الغربي) في الرواية العربية» بثقافة ما بعد الاستعمار، حيث يقع في هذه الدائرة عدد من الروائيين والأدباء المنتمين إلى ثقافات شتى، تجمعهم موضوعات مشتركة مثل فكرة المنفى والانتماء واللاانتماء، وإشكالات اللغة والهوية القومية، وإشكالات ازدواج الهوية، ونقاط أخرى كثيرة تجمع بين نصوصهم وإبداعاتهم. صورة الآخر إن صورة الآخر، المنفيّ مثلاً، كما في مرويّات المنفى العربية، وهي مرويات كثيرة ومتعددة الاتجاهات ومتنوعة من حيث الثيمات ورؤى العالم التي تنتجها، والأنماط الشخصية التي تقدمها، والأمكنة والأزمنة التي تصوغها وتصاغ الرواية من خلالها – سوف تحيل إلى ذات عربية وشرقية مضطربة، تعيش حالة وسطية، لا تنسجم تماماً مع المحيط الجديد ولا تتخلص كليا من عبء الحياة الماضية. إن المهمة الجديدة التي دشّن لها الفيلسوف الفرنسي الجنسية، الليتواني الأصل، إيمانويل Emmanuel Levinas ليفيناس (1906-1995) تتمثل، تحديدا، في ضرورة تغيير نظرتنا إلى «الآخر» (الشرق/ الغرب، الشمال/ الجنوب)، وفي مراجعة فهمنا لذواتنا وإعادة طرحنا مفهوم الهوية طرحا تاريخيا؛ أي ضرورة أن نتخذ موقفا صارما، أقرب إلى القطيعة الإبستمولوجية، مع كل مفهوم مفارق وميتافيزيقي وثابت للهوية؛ إذ لا هوية عمياء تقوم في غياب أو تغييب تام للآخر، كما أنه لم يعد من المقبول أو المعقول في عالم اليوم إقصاء الآخر أو تهميشه أو دمجه وابتلاعه في دائرة الأنا. وبهذا يكون «الآخر» مصدر تحرّر «الأنا» من كل أنا نهائية وحتمية، فضلا عن كونه ساحة اكتشاف وتعرّف على ميدان انتشار الأنا وتحقّقها؛ أي أن يكون الآخر وسيطَ خروج من الذات وطريقًا للعودة إليها، وكذلك مجالا لاكتشاف مناطق النقصان فيها وطريقا لامتلائها في الوقت ذاته. الآخر اكتشاف لخريطة وجود الأنا التي لا ترسمها الذات منفردةً، بل يرسمها وضع الذات ضمن نسيج متشعّب ومتعدّد من «آخرين». الآخر، باختصار، مشروع الأنا نفسها في عالم الوجود والتحقّق. إذا كانت دراسة «الآخر» في الفلسفة قد حظيت بقدر كبير من الاهتمام، فلن يعدم الباحث في مجال الدراسات الأدبية والنقدية العربية توافر مادة سردية عريضة تصلح للتناول والدرس النقدي. وإذا كانت «صورة الآخر في الرواية العربية» تتصل، من ناحية أولى، برواية ما بعد الاستعمار، فإنها تتصل - من ناحية ثانية - بقطاع عريض من قطاعات الرواية العربية الحديثة يمكن أن يؤرَّخ له بروايات من قبيل: «قنديل أم هاشم» ليحيى حقي (1944)، ورواية «موسم الهجرة إلى الشمال» للطيب صالح (1967)، و«العودة إلى المنفى» لأبو المعاطي أبو النجا (1969)، و«تلك الرائحة» لصنع الله إبراهيم (1964)، و«زهر الليمون» لعلاء الديب (1978)، وحليم بركات «عودة الطائر إلى البحر» (1969) وإميلي نصر الله «الإقلاع عكس الزمن» (1980)، وغسان كنفاني «رجال في الشمس» (1963)، وجبرا إبراهيم جبرا «البحث عن وليد مسعود» (1978) وإميل حبيبي «الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل» (1974)، وحنا مينا «الثلج يأتي من النافذة» (1969)، وغائب طعمة فرمان «خمسة أصوات» (1967) و«آلام السيد معروف» (1982)، وعبد الرحمن منيف «الأشجار واغتيال مرزوق» (1973) و«شرق المتوسط» (1975) و«تقاسيم الليل والنهار» (من خماسية «مدن الملح» - 1989)، وثلاثية أحمد إبراهيم الفقيه (1997): «سأهبك مدينة أخرى»، «هذه تخوم مملكتي»، «نفق تضيئه امرأة واحدة»، وكتّاب كثيرين من المغرب والجــزائر وتونــس، وكتّاب الحوافّ مثل سليم بركات: «فقهاء الظلام»، «الريش»، «أرواح هندسية»، «معسكرات الأبد»، «الفلكيون في ثلاثاء الموت»،.. وغيرها. تصادم الحضارات وعلى سبيل المثال، تثير رواية «موسم الهجرة إلى الشمال» (1967) للطيب صالح قضية تصادم الحضارات بوضوح، بل توضع على رأس القائمة في هذا المضمار. ولعلها من هذه الزاوية تحيل إلى روايات سابقة عليها تاريخيا كـ«عصفور من الشرق» (1938) لتوفيق الحكيم، و«قنديل أم هاشم» (1944) ليحيى حقي، و«الحي اللاتيني» (1953) لسهيل إدريس، وغيرها. وكلها روايات تصوغ علاقاتٍ متعددةً ومتشابكةً من قبيل: السودان والإنكليز، أفريقيا والاستعمار، العرب وأوروبا، الشرق والغرب. فالراوي العائد من انكلترا، فى رواية «موسم الهجرة إلى الشمال»، بعد رحلة دراسية ناجحة، استغرقت سبع سنوات، هو بطريقة ما امتداد طبيعي للبطل مصطفى سعيد الذي درس في إنكلترا أيضاً، ومات أبوه قبل ولادته عام 1898، فنشأ محروماً من حنان أمه، رغم وجودها بجواره حتى لحظة سفره. ومع ذلك، فالراوي أسعد حظا من مصطفى سعيد، لاندماجه بأهل القرية وتوافقه معهم. لهذا، كان مصطفى سعيد فقيراً وجدانياً، مضطرباً، لم يشعر بأي نوع من أنواع الحزن عند وفاة أمه أثناء وجوده في أحضان امرأة أخرى وهو في حالة سكر بيّن، ثم توثقت علاقته بأربع نساء أخريات انتحر منهن ثلاث، وتزوج من الرابعة زواجاً عاصفاً تهب منه رائحة الخيانة. لقد شكَّلت الرواية صورة سردية كبرى لمصطفى سعيد، على مدار فصولها العشرة، بوصفه «دخيلاً» غريباً ووحيداً، بل «ومستعمَراً» أيضاً، كما يقول الطيب صالح نفسه. هكذا، كان مصطفى يتعامل مع أهل القرية، ومع «حُسْنة» زوجته بالطريقة نفسها التى كان يتعامل معه بها الأرستقراطيون الإنكليز مع النسوة هناك. لذا، كان من الطبيعي أن تنتهي حياة مصطفى بالوحشة والإحباط نتيجة عدم قدرته على التكيف مع أي من المجتمعين، أو الحضارتين، اللتين تشكّل وعيه عبر التأرجح بينهما: حضارته العربية (هناك) وحضارة الآخر الغربية (هنا والآن). يموت مصطفى منتحراً، على العكس من الراوي - صورته الأخرى، أو وجهه الآخر - الذي يلوذ بأهل القرية. ويبدو أن هذا هو جوهر الرسالة التي تبلورها الرواية وتدفعها دفعا الى القارئ: فبطل الطيب صالح - ومن ورائه المؤلف المضمر Implied Author- ينظر إلى العلاقات بين العرب والغرب بوصفها صداماً في البداية، ثم تصبح علاقتهما أكثر هدوءا وأقل توتراً في ما بعد، فضلاً عن تأكيد المؤلف نفسه عدالة الحكم على مصطفى سعيد في لندن وإبراز صورة الآخر بإنصاف. لكن هدوء واستقرار هذه العلاقات بين الحضارتين لم يئن أوانه بعد، كما تستشرف الرواية في كثير من مواضعها. من هنا، يذكّرنا مصطفى سعيد بطل «موسم الهجرة إلى الشمال» بالدكتور إسماعيل بطل «قنديل أم هاشم» ليحيى حقي. ففي الوقت الذي استطاعت «ماري» تدمير القيم التقليدية لإسماعيل في «قنديل أم هاشم» فإن مصطفى سعيد «يجيء غازياً»، أو هو «الغازي الذي جاء من الجنوب، وهذا هو ميدان المعركة الجليدي الذي لن أعود منه ناجياً» على حد وصف الراوي لنفسه. ومن ناحية مقابلة، شكّلت صورة «الآخر الغربي» في وعي الشرقي، أقصد إلى صورة جنود الفرنسيين في مخيلة الأكراد ومدوّناتهم، بطائراتهم وعتادهم، وعرباتهم الصارخة ذات الغبار الخانق، قدراً مقدوراً، لا فكاك للشعب الكردي المشتت من أسره، وما عليهم سوى الانتظار. فقط الانتظار هو كل ما يملكون، كأنهم ينتظرون المسيح المخلّص حين تقترب القيامة، إذا ما وضعنا في اعتبارنا ما انطوت عليه رواية سليم بركات «معسكرات الأبد» التي يحمل فصلها الخامس والأخير اسم «القيامة». إنهم ينتظرون «غودو» صمويل بيكيت، بكل ما يحمله الاسم من دلالات تنبثق من عالم عبثي، مضطرب، لا يحكمه سوى قانــون القوة ومنطق التسلط الأعمى الذي يهدف دائماً إلى نفي «الآخر» وإزاحته، أو حتى إلغائه إن لزم الأمر. إن عودة سلــيم بركــات الدائمة إلى الطفولة لهي بمثابة اقتصاص وثأر من التاريخ كــله. ومع ذلك، قد يصعب على الكثيرين اكتشاف ما يسمى بـ«المحلية»، أو «الإقليمية»، في مثل هذه الأعمال الإبداعية، رغم أنها تكاد تضج وتتفجر بهاتين الصفتين لالتصــاقها الشديد بذلك العامل الفريد الذي يبدو غرائبــياً أو فانتاســتيكيا، لكنه واقعي في صميمه موحش ومجهول بالنسبة إلى الآخرين. ترسيخ السيطرة لقد استطاع التراث الروائي الأوروبي الضخم أن يلعب دوراً هاماً في ترسيخ مبادئ السيطرة والهيمنة العرقية، حتى على مستوى الصور الفنية والجمالية، حيث كرّس هذا التراث - لدى الشعوب المستعمَرة – فكرة خطيرة مؤدّاها أنه من الأفضل لمثل هذه المجتمعات أن تخضع لسيطرة هذا الإنكليزي أو ذاك الفرنسي؛ لأنها مجتمعات ناشئة، بحاجة دائمة إلى رعاية ووصاية، وذلك على نحو ما أوضح إدوارد سعيد في دراسة تحليلية لرواية «مانسفيلد بارك Mansfield park» (1814) لجين أوستن Jane Austen، حيث يمكن - من خلال قراءتها طباقيا - استنتاج أن غياب السير توماس برترام Tom Bertramعن مزرعته يوشك أن يؤدّي إلى تدهور أوضاعها وإلى انحلال خلقي سوف يصيب رجالها ونساءها. لكنّ عودته تصحّح الأمور وتضعها في نصابها. فالسير توماس، هنا، يمثل السلطة الغربية في مختلف تجلياتها (الدينية، القانونية، المِلْكية). فإذا ما علمنا أن هذه المزرعة كانت مستعمَرة، فلسوف يتضح أن الهدف هو دعم المستعمِر وإبراز فضله على المستعمَر، وأن ذلك المستعمَر بحاجة ماسة إلى من يقوده ويعلّمه ويرشده. لقد أدّى هذا إلى بروز مفهومي «المصادرة» و«الصوت الصامت». «فالمصادرة» هي ردّ الفعل العكسي الذي يمكن أن تقوم به تلك الشعوب، حيث تسعى - من خلال السرد أيضا - إلى اختراق المركزية الأوروبية وتفكيكها على نحو ما فعل الطيب صالح (1929-2009) في «موسم الهجرة إلى الشمال» كما سبق ان أشرنا. أما «الصوت الصامت» فهو مسعى الأمم المستعمِرة إلى إجبار المستعمَر على البقاء صامتاً، بحيث يشعر دائماً أنه بلا صوت، وإذا ما تحدث فلن يلتفت إليه أحد. وبالتالي، فإنه يبحث باستمرار عمّن يعبر عنه وينقل أفكاره. وليته يجد ضالّته! ليته! (ناقد مصري)

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة