As Safir Logo
المصدر:

حدودنا وحدود إسرائيل المتحركة

المؤلف: المجذوب محمد التاريخ: 2000-04-03 رقم العدد:8567

للحدود بين الدول اهمية خاصة، اولا لأنها هي التي تحدد النطاق الاقليمي للدولة الذي يخضع لسيادتها وسلطانها، وثانيا لأن كل نزاع حول الحدود او على الحدود يُسفر عن توتر في العلاقات بين المتنازعين وقد يؤدي، في ظل الاسلحة المتطورة الراهنة، الى اندلاع حروب محلية او شاملة من شأنها تعريض السلم والأمن الدوليين للخطر. وعلى الرغم من الوضوح الذي تتسم به حدود لبنان الجنوبية فان إسرائيل التي نوت (كما وعدت وكررت) الانسحاب في تموز القادم من كل أراضينا المحتلة ما زالت تثير، بمواقفها وتصرفاتها، شكوكاً في نياتها ومدى استعدادها لاحترام هذه الحدود الدولية. ... ان الاقليم ما زال يُعد من الأركان الاساسية لقيام الدولة، غير ان اهميته، من الناحية الجغرافية او العسكرية، أخذت، في الوقت الراهن، تضعف وتتضاءل. ونلاحظ ان هناك أسبابا متعددة أسهمت في انخفاض قيمة الاقليم على الصعيد المذكور، أهمها إثنان: 1 ظهور الاتحادات والتكتلات والتنظيمات الدولية التي تهدف الى توحيد التشريعات والانظمة، وتسهيل المبادلات والاتصالات، وإلغاء القيود والتأشيرات، بغية الوصول الى مرحلة الاتحاد السياسي. 2 التقدم المذهل في جميع وسائل الاتصال التي أزالت الفواصل بين البشر، واختزلت المسافات، وعممت الثقافات والابتكارات، وحوّلت الكرة الارضية الى قرية صغيرة. ولكننا نلاحظ في الوقت ذاته، وعلى العكس من ذلك، ارتفاع قيمة الاقليم من الناحية الاقتصادية بسبب التطور الهائل في التكنولوجيا التي ساعدت على اكتشاف ثروات في جوف الاقليم لم تكن معروفة او مرتقبة من قبل. ومن الصفات او الخصائص الاساسية للاقليم ان يكون محدودا على وجه الدقة، اي ان يكون محددا واضح المعالم. ويشكل هذا الشرط المعيار الذي يميز بين سيادة وأخرى ويُعيّن النطاق الذي تمارس فيه الدولة اختصاصاتها. والتحديد الدقيق لمعالم الاقليم يجب ان يكون مبنياً على مبدأ الشرعية الدولية. ويقضي هذا المبدأ بألا يكون قيام الدولة مخالفاً لأحكام القانون الدولي، او نتيجة لخرق التزامات دولية. وكثيرا ما تُثار مسألة التحديد الدقيق للحدود لدى الاعتراف بالدولة. فهناك دول تُحجم عن الاعتراف بدولة وليدة اذا كانت حدودها تشكو من نقص او خلل في الدقة والوضوح. وعندما أعلن بعض القادة الفلسطينيين، في مؤتمر الجزائر ثم بعد اتفاقات أوسلو، قيام الدولة الفلسطينية، لم تتحمس دول كثيرة لهذا الامر لاعتقادها بأن هؤلاء القادة عاجزون عن تعيين حدود دولتهم. وعندما تقدمت اسرائيل، لأول مرة في العام 1948، بطلب قبولها في عضوية الأمم المتحدة، ناقش مجلس الامن الطلب واستمع الى مندوب سوريا (فارس الخوري) الذي قدم مرافعة حافلة بالحجج والمستندات التي تدين إسرائيل وتحول دون انضمامها الى المنظمة العالمية. وكان التشكيك في دقة الحدود، او انعدام الحدود، من الاسباب التي دفعت المجلس الى رفض قبول طلبها. ولكن المؤسف ان إسرائيل أعادت الكرة بعد أشهر، مستعينة بضغوط واشنطن، فنجحت في التسلل الى مقاعد الأمم المتحدة. ومع ان اسرائيل ترفض تعيين حدودها، فقد تغاضت الدول العربية التي اعترفت بها وتبادلت التمثيل الدبلوماسي معها عن هذا العنصر المهم في الاعتراف الدولي والعلاقات الدولية ولم تجرؤ على مطالبتها بتوضيح حدودها. ونشير الى انه نشأت في القرن العشرين نظريات مشبوهة ترفض الاعتراف بالحدود الجامدة وتدعو الى الأخذ بفكرة الحدود المتحركة او الحدود العائمة. وهذه النظريات التي تعكس نزعة التوسع الاستعماري، والتي كادت ان تتلاشى مع توطيد المبادئ الدولية المعاصرة، ما زالت حية في الفكر الصهيوني والتصرفات الاسرائيلية. والبرهان ان إسرائيل ترفض تحديد حدودها، وتسعى دائما لتوسيع مناطق احتلالها وتكرار عمليات الضم والقضم، وترفع شعار (حدودك يا إسرائيل من الفرات الى النيل) وتدّعي، كما يتبجح بذلك قادتها العسكريون، بأن حدودها متحركة تمتد الى أقصى موقع تطأه أقدام جنودها. كيف يتم التصنيف الفقهي للحدود الدولية؟ هذه الحدود قد تكون طبيعية، وقد تكون اصطناعية. والحدود الطبيعية هي الحدود التي تتفق في سيرها وامتدادها مع الظواهر المختلفة للطبيعة الجغرافية، كالأنهار والبحار والبحيرات والجبال وما شابه ذلك. فالجبال، او السلاسل الجبلية، مثلا، كانت، في الماضي، تشكل مناطق حدودية بين الدول، لأنها ظواهر طبيعية ثابتة ومستقرة ومرئية ووعرة تؤمن حماية طبيعية كافية للدول المتجاورة (جبال الأنديز Andes بين الارجنتين والشيلي، وجبال الهملايا بين الهند والصين). اما الحدود الاصطناعية فهي الحدود التي يجري تعيينها من قبل الانسان لتحديد الفواصل بين الأقاليم. وهذه الحدود قد تكون مرئية ومخططة بعلامات بارزة، كالأعمدة او اللافتات او الأحجار او الاسلاك او الخنادق. وقد تكون غير مرئية، كخطوط الطول والعرض. فخط العرض 38 هو الذي يفصل بين كوريا الشمالية وكوريا الجنوبية. في الماضي، كانت الحدود الطبيعية هي الأساس في عملية تحديد الحدود بين الكيانات السياسية. فالامبراطوريات والممالك القديمة كانت تتسع او تتقلص دون أدنى اهتمام بمسألة الحدود. ومع تفكك الامبراطوريات وتكاثر عدد الكيانات السياسية المستقلة في العصر الحديث (في الأمم المتحدة اليوم 188 دولة) تغير الوضع وأصبحت غالبية الحدود الدولية اصطناعية من عمل الانسان. وهناك فئة من الفقهاء تعتمد تقسيماً آخر للحدود وتؤكد انه يتفق من الناحية الفنية مع قواعد القانون الدولي العام. وهذا التقسيم يميز بين الحدود التاريخية التي وُضعت بطريقة ما في الماضي، ولم تتغير منذ زمن سحيق، واكتسبت قوة قانونية بموجب مبدأ الحيازة المستمرة وممارسة السيادة لمدة طويلة، وبين الحدود الاتفاقية التي تتم بموجب معاهدة او اتفاقية بين دولتين او اكثر. والغالبية الساحقة من حدود الدول التي كانت مستعمرات ثم استقلت قد وُضعت بهذه الطريقة. ولهذا نشهد، في آسيا وافريقيا، منازعات وخلافات حول الحدود ومن أجل الحدود. متى تبلورت فكرة الحدود الدولية؟ ان فكرة وضع حدود لإقليم الدولة لم تتبلور الا في أواخر العصور الوسطى. فابتداء من هذه الفترة أخذ مفهوم الدولة (في شكلها الحديث ومقوماتها الثلاثة) يتكون وينتشر، وأخذ الإدراك القانوني والرسمي والشعبي بوجود الدولة وأهميتها ومميزاتها ينمو ويتسع، وأخذ مضمون الدولة يرتبط (في الشعور والرغبة والواقع) بفكرة الملكية. فالقبائل الرحّل كانت تعتبر ان مناطق رعيها وصيدها تقع ضمن حدودها، وكانت تخوض المعارك من أجل الاحتفاظ بها. وعندما استقرّت القبائل في المدن راحت تبحث عن الحدود الطبيعية او تقيم حدودا اصطناعية لحماية رعاياها وأملاكها ووجودها من الغزوات الخارجية. وحفر الخنادق وبناء الأسوار والاقامة على ضفاف الأنهار ووراء الجبال كانت من المؤشرات التي تدل على تصميم الكيانات السياسية على التجمع وراء حدود صالحة لتوفير الحماية لها. وهاجس الحدود كان، بالإضافة الى عنصر الحماية والدفاع، يوفر للدولة عنصرا مهما، هو تحصيل المال الذي يساعدها على القيام بالأعباء المطلوبة منها، فحدود الدولة كانت تعيّن النطاق الاقليمي الذي يعيش فيه الأفراد المكلفون بدفع الضرائب والرسوم، والخضوع للقوانين والانظمة، وتلبية نداء الوطن عند الخطر. وتكوين الحدود الدولية الحالية كان نتيجة عوامل متعددة ومتداخلة. وكان للحروب والفتوحات ونشوء الامبراطوريات ثم انهيارها أثر كبير في تكوين هذه الحدود. واذا كانت حدود الدول الاوروبية قد استقرت اليوم تقريبا، فغالبية الحدود في آسيا وافريقيا ما زالت موضع خلاف. والسبب يعود الى ان الدول الاستعمارية التي عيّنت وخططت هذه الحدود، انطلاقا من مصالحها الاقتصادية، لم تُراع المعايير والروابط القومية او اللغوية او الدينية او التاريخية او المنطقية التي تعتمد (او يجب ان تعتمد) للتمييز او الفصل بين كيان سياسي وآخر. ما هي الطرق المتبعة لتحديد الحدود الدولية؟ هناك أسلوبان متداولان: الاسلوب الاول يتلخص في تبني حدود دولة قديمة او العودة الى هذه الحدود. وهذا الاسلوب يطبق في حالة انضمام دولة الى دولة اتحادية (فدرالية) ثم انفصاا والعودة الى حدودها التي كانت قائمة قبل الاتحاد. وهذا ما سارت عليه السويد والنروج عند انفصالهما في العام 1905، والنمسا والمجر عند انفصالهما في نهاية الحرب العالمية الاولى، وجمهوريات الاتحاد السوفياتي ويوغوسلافيا وتشيكوسلوفاكيا عند انهيار المعسكر الاشتراكي وتفتت هذه الدول في التسعينات من القرن العشرين. والاسلوب الثاني يتلخص في تقرير حدود جديدة. وهذا الاسلوب يقوم على اساس إجراء تسويات اقليمية. وهذه التسويات قد تكون نتيجة حرب او نتيجة اتفاق بين الاطراف. فالحرب تنتهي عادة بفرض حدود دولية جديدة على الطرف المهزوم، أي بإكراه هذا الطرف على تقديم تنازلات اقليمية لصالح الدولة او الدول المنتصرة. وكثيرا ما يُرغم المهزوم على توقيع معاهدة صلح مذلّة تحدد هذه التنازلات. وقد تصبح هذه التنازلات نهائية اذا لم ينتفض الشعب يوماً ويصمم على استعادة أرضه. وتتم التسويات التي تكون نتيجة اتفاق سلمي بين الاطراف: 1 اما بطريق التنازل الاختياري، اي بتوقيع اتفاق دولي تتخلى احدى الدول بمقتضاه عن جزء من اقليمها لدولة اخرى. والتنازل قد يكون مقابل عوض مالي (كتنازل روسيا للولايات المتحدة عن اقليم ألاسكا في العام 1867) او بغير عوض (كتنازل النمسا لفرنسا، ثم فرنسا لإيطاليا عن مدينة البندقية في العام 1866). 2 وإما بطريق التحكيم، عملاً بالمبادئ والمقاصد التي نص عليها ميثاق الأمم المتحدة والتي تقضي بالامتناع عن استخدام القوة او التهديد بها لحل المنازعات الدولية. وقد اختارت مصر وإسرائيل هذا الاسلوب لحل الخلاف حول منتجع طابا في سيناء. 3 واما بطريق الاستفتاء لمعرفة رغبة سكان منطقة متنازع عليها حول اختيار التبعية لإحدى الدول، او اختيار الانضمام لدولة اخرى او اقليم آخر، او اختيار الانفصال ونيل الاستقلال. وأتيح للأمم المتحدة، منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، ان أخضعت بعض الاقاليم لنظام الوصاية ثم استفتت السكان حول المصير النهائي، فاختارت فئة منهم الاستقلال التام، وفضلت فئة اخرى الانضمام الى دول مستقلة، او تكوين دول مستقلة مع أقاليم اخرى. لماذا تُصرّ إسرائيل على عدم تعيين حدودها؟ كل مطّلع على السياسة والتصرفات الاسرائيلية (وهي مستوحاة من العقيدة الصهيونية) يستنتج بسهولة ان موضوع الحدود الاسرائيلية يكتنفه غموض مقصود، سببه حرص المسؤولين الاسرائيليين على عدم الكشف عن نياتهم ومخططاتهم، حفاظاً على سرية أهدافهم. وتجنباً لردود الفعل التي قد تعرقل تحقيق هذه الاهداف. فإسرائيل تتبع استراتيجية مرحلية للوصول الى غاياتها وأغراضها. وباستطاعتنا، على الرغم من هذه السرية، ان ندرك العوامل والمبررات، المعلنة او الكامنة، التي تجعل إسرائيل تتهرب من (او تماطل في) تعيين حدودها النهائية: فهي، أولاً، دولة استيطانية توسعية تحلم بالسيطرة على مقدرات العالم. ومن كان هذا شأنه او طموحه لا يمكنه تقييد نفسه بحدود ضيقة. وهي، ثانياً، تطمع الى اجتذاب يهود العالم وحشرهم في اقليمها. وما تحتله حاليا من أرض فلسطين لا يتسع للجميع. وهي، ثالثا، تطرح مصطلحات خاصة بحدودها تنم عن رغبتها في التوسع، مثل: الحدود الدينية، او التاريخية، او الاقتصادية لإسرائيل، او الحدود الآمنة، او الحدود الدفاعية، او الحدود الرادعة، او إسرائيل الكبرى... وهي، رابعاً، تمجّد زعماءها الذين أعربوا عن مخططاتهم التوسعية التي لا تترك في المشرق العربي، على الأقل، رقعة او جبلا او جدولا او مرعى لغيرهم. وأُصيب المبعوث الدولي، غونار يارينغ بالذهول، في العام 1970، عندما لمس خلال محادثاته مع الاسرائيليين انهم لا يتورعون عن التفاخر بأن دولتهم لا حدود لها. وهي، خامسا، تحتاج الى ثروات طبيعية (مثل النفط والمعادن النفيسة الاخرى) وموارد مائية (مثل ثلوج القمم والمياه الجوفية والأنهار)، وأيد عاملة وفيرة ورخيصة وأسواق استهلاكية قريبة وفسيحة. وكل هذه العناصر متوافرة في الاقطار العربية المجاورة، فلماذا لا تتسلح بنظرية المجال الحيوي وتوسع حدودها بعد تخدير الانظمة العربية الحاكمة بشعارات: السلام العادل والشامل، والارض مقابل السلام، وتعاون الثروة العربية مع العبقرية اليهودية، وإحياء وشائج القربى بين أبناء العم المتحدرين من العرق السامي؟ (من مداخلة ألقيت في الندوة التي دعا اليها رئيس جامعة الحكمة، وكانت بعنوان: حدود لبنان الجنوبية. وذلك في 23/3/2000).

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة