As Safir Logo
المصدر:

فيلمان لعمر أميرالاي في بيروت احتفالاً بمرور سنة على غيابه

سد الفرات بين حلم البداية وخيبة النهايات

المؤلف: جرجورة نديم التاريخ: 2012-02-22 رقم العدد:12116

بهدوء يُشبه حضوره، أو بالأحرى شكل حضوره المُحبَّب واللطيف، يُحتَفل بذكرى مرور عام واحد فقط على رحيله، في بيروت. أي في أحد الأمكنة الأساسية في حياته ومهنته. أحد الأمكنة التي ساهمت في تشكيل وعيه، والتي صنعت جزءاً من ذاكرته الفردية. لكن الهدوء الذي وَسَم شخصيته ظاهرياً، شكّل غطاء لغليان إبداعي اعتمل في ذاته على مدى سنين طويلة، أمضاها في مواجهة ظلم حاصل في بلده، أو في مقاربة أحوال أناس وبلدان ومجتمعات قريبة وبعيدة رأى فيها فعلاً سينمائياً، أو في صناعة نمط تجديدي لسينما أرادها مرآة واقع، وصُوَراً متنوّعة لأشكال الحياة اليومية، هنا وهناك. بين الهدوء والغليان، بدا السينمائيّ الراحل منسجماً وقناعته بأن الفيلم الوثائقي أقدر الأشكال البصرية على «مقاربة الناس، وتفسير الواقع». أقدر على «معالجة (شؤون) الحياة مباشرة»، بل على «معالجة حكاياتها وأبطالها اليوميين»، لأن هذا النوع السينمائي يمنح المخرج أدوات تعبير «أغنى وأوسع» من أدوات أخرى، يُصبح معها «أقدر على التخيّل، وعلى الخلق من لا شيء». بهدوء مال إلى استعادة محطّتين أساسيتين من حياته السينمائية، يُحتفل بذكرى مرور عام واحد فقط على رحيل المخرج السينمائي السوري عمر أميرالاي. في الخامس من شباط 2011، توفّي أحد السينمائيين السوريين الأكثر تشدّداً في جعل الفيلم الوثائقي شهادة حيّة، نابضة بأوجاع أناس، وتمزّقات مجتمعات، وتناقضات أفراد أيضاً. في جعل الفيلم الوثائقي عيناً ترى ما لا تراه العين البشرية، لتمتّعها بنبرة تحمل من الاستفزاز مقدار ما تحمله من إبداع الصورة المستلّة من واقع، أو من راهن، أو من حالة. بعد سبعة عشر يوماً على الذكرى السنوية الأولى لرحيله، اختار «مركز بيروت للفن» فيلمين اثنين للاحتفاء بالذكرى هذه، أنجز أميرالاي أوّلهما في بداية اشتغاله الوثائقي في العام 1970، وحقّق ثانيهما في لحظة استعادة حادّة وحيوية للاختبار الإنساني والفكري والثقافي الأول، مشرّحاً إياه على ضوء التجربة الشخصية الممتدّة على ثلاثة وثلاثين عاماً. حمل الفيلم الأول عنوان «تجربة فيلمية عن سدّ الفرات». كان فيلمه الأول. كان تعبيراً عن حماسة شابّ في السادسة والعشرين من عمره، رأى في سدّ الفرات مشروعاً وطنياً وإنسانياً، وترجمة لرغبة في التغيير أبداها رئيس البلد حينها حافظ الأسد في مطلع إمساكه بالسلطة. لكن اختبار ثلاثة وثلاثين عاماً، عاشها عمر أميرالاي على خطّ الزلازل المتنوّعة، وفي مواجهة تغييرات ضربت البلد والمجتمع، وأصابت الناس بشتّى أنواع القهر والخيبات والانكسارات، هذا الاختبار جعل المخرج يُطلّ، في العام 2003، بفيلم بات الأخير له: «الطوفان». إنه بمثابة إلقاء نظرة جديدة، اكتسبت وعياً ونُضجاً سينمائيين وثقافيين وإنسانيين كبيرين، على المشروع نفسه (سدّ الفرات) الذي كان وعداً بفجر التغيير، فإذا به يُصبح رمزاً لطوفان سبَّب اختلالاً في أسس البناء الحاكم، نابعاً (الاختلال) من داخل البناء نفسه. أهي صدفة بحتة أم خبث جميل للقدر، أن يبدأ عمر أميرالاي رحلته السينمائية بفيلم عن «سدّ الفرات»، وأن يُنهيها بفيلم عن «سدّ الفرات» أيضاً؟ أن يكون الفيلم الأول إعلاناً عن ولادة مخرج ملتزم صناعة متجدّدة للفيلم الوثائقي، من خلال الإمعان بحيوية بلده ومجتمعه أولاً، وأن يكون الفيلم الأخير إعلاناً عن مأزق الخيبة، وقسوة الانكسارات، باستعادة الموضوع نفسه، وقراءته بشكل مختلف (هل أقول متناقض) تماماً عن القراءة الأولى له؟ هل يُمكن اعتبار هذا الأمر نتاج تراكم مُكثَّف لمسار شاب منتم إلى جيل عانى هزائم وانكسارات، فإذا ببعض أفراده يُتقن فنّ المواجهة (الشرسة أحياناً)، باختيار الصورة السينمائية أداة تعبير وتفكيك وتشريح وتأريخ وسجال وصدام؟ الأسئلة كثيرة. موت عمر أميرالاي عن سبعة وستين عاماً، عشية بداية الطوفان الشعبي داخل بلده وفي قلب مجتمعه، بدا إمعاناً في إبقائها ملتبسة ومعلّقة أمام الانقلاب الحاصل في بلده ومجتمعه. غير أن للاحتفال بالذكرى السنوية الأولى لرحيله، بعرض «تجربة فيلمية عن سدّ الفرات» و«الطوفان»، نكهة أخرى، متأتية من براعة الراحل في جعل عدسة الكاميرا امتداداً لقلقه وهواجسه، وانعكاساً لجماليات تنقيبه في أعماق الحكايات والناس والتبدّلات. نديم جرجوره ـ يُعرض الفيلمان الثامنة مساء اليوم في «مركز بيروت للفن» (الجسر الواطي)

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة