As Safir Logo
المصدر:

إصلاح القطاع الأمني في لبنان وتطويره(1)

المؤلف: السيد جميل التاريخ: 2012-02-18 رقم العدد:12113

إن مشكلة القطاع الأمني في لبنان ليست وليدة اليوم، بل هي حالة مزمنة تكررت عبر العهود التي شهدها لبنان وازدادت مع الايام تعقيداً وتشعّباً في ظلّ الانقسام السياسي والشعبي الحاد الذي يعيشه لبنان مؤخراً، حيث السجالات والمناحرات والحروب الاعلامية والسياسية والمذهبية أوشكت اكثر من مرة ان توصل لبنان الى حافة الحرب الاهلية، لولا ان اللبنانيين في غالبيتهم يَحْذرون من الدخول فيها، ليس لشيء إلا لأن مآسي تلك الحرب لا تزال ماثلة في الذاكرة، ولولا ان الدخول فيها مجدداً في ظلّ الاوضاع الاقليمية والدولية المقلوبة رأساً على عقب، يصبح ضرباً من الجنون والتدمير الذاتي والانتحار الجماعي. فلبنان اليوم، حتى بوجود كتلة شعبية صامتة ومتألمة، منقسم عمودياً الى فريقين كبيرين،8 و14 آذار، وهو إنقسام يبدأ من السياسة وصولاً الى الشارع، وينطلق من خلافات حادة حول قضايا مصيرية واستراتيجية كالمحكمة الدولية الخاصة بلبنان، والمقاومة وسلاحها، وسوريا والعلاقة معها والتطورات الجارية فيها، الى ما هناك من مشكلات داخلية، خدماتية وادارية واقتصادية ومعيشية وغيرها، بحيث تعبّر كلها، ليس عن أزمة حكم فحسب، بل عن أزمة نظام وشكوك في قابلية هذا النظام للعيش والاستمرار. وكان طبيعياً ان يؤدي هذا الانقسام العمودي الى ما يشبه الاصطفاف الذي قد يبدو سياسياً على مستوى السلطة لكنه يصبح اكثر طائفية ومذهبية وغريزية على مستوى الشارع والمجتمع، وأسْوأ ما فيه انه جرف بدربه الكثير من مؤسسات الدولة ووزاراتها واداراتها ومسؤوليها، ضمن تصنيف طائفي او مذهبي او سياسي لهذا القاضي او ذاك، ولهذا الضابط او ذاك، ولهذا الموظف او ذاك. وبحيث بلغ هذا الاصطفاف في كثير من الاحيان مستوى التحجر الفكري الذي لا يتقبل المناقشة ولا الاقناع، وبحيث بات المواطن العادي، قبل ان يطرق باب اي مسؤول في الدولة واداراتها، يسأل مسبقاً هل هذا المسؤول «معنا ام ضدنا» تحسّباً لتسهيل معاملته او تعقيدها. في مناخ كهذا، لا يجوز الانكار او التجاهل أن هذه العدوى قد بلغت ايضاً ومع الأسف الكثير من مؤسسات القطاع الامني وقياداته، كما وبعض المواقع الاساسية في القضاء، كالنيابة العامة التمييزية وبعض النيابات العامة في المحافظات، وبحيث اصطفّت او صُنّفت تلك المؤسسات والقيادات والمواقع مع هذا الفريق او ذاك، ومع هذا الزعيم او ذاك. أمّا من نجا نسبياً وحتى الآن من الاصطفاف والتصنيف، كالجيش اللبناني مثلاً الذي يصعب ابتلاعه من فريق واحد او من زعيم واحد، فإنه لم ينجُ مطلقاً من التشكيك ومحاولات التأثير والاختراق والسيطرة على بعض المواقع والمراكز الحساسة فيه، فإذا النتيجة العامة حملات إعلامية وسياسية وطائفية ومذهبية متبادلة تدعم هذا الجهاز ورئيسه وتشتم ذاك، وتمجّد هذا القاضي وتلعن ذاك، فكان من الطبيعي ان يؤدي كل ذلك الى تشكيك وتدني الثقة بالقطاع الأمني والقضائي وتردُدّ في تحمل المسؤولية وميلٌ للتهرب منها واضطراب في القرارات الى حدود الإنكفاء او الشلل خشية التعرض للإتهام بالانحياز الى هذا الفريق او ذاك. لذلك كله وقبل الحديث عن اية مشكلة تتعلق بإصلاح القطاع الامني او القضائي، والأمن والقضاء توأمان لا يمكن فصلهما، فإن السؤال الذي يطرح نفسه هو: هل ان هذه المشكلة هي تقنية بحتة؟ وهل تنحصر بالادوات الأمنية وبأدائها؟ ام ان اصل المشكلة وجوهرها يقعان في مكان آخر؟ سؤال يجرّنا الى اسئلة اخرى اكثر اهمية وفي مقدمها: هل يمكن الحديث عن اصلاح او تطوير اي قطاع من قطاعات الدولة السياسية او القضائية او الامنية او العسكرية او الاقتصادية او الخدماتية والادارية، ما لم نُجِب أصلاً وبدايةً عن السؤال: هل نحن فعلاً في دولة؟ وفي اية دولة نحن؟ تعريف القطاع الأمني ومؤسساته القطاع الأمني هو مجموعة المؤسسات الرسمية العسكرية والأمنية التي أنشأها القانون ويسمح لها بجمع المعلومات عبر مصادر بشرية او تقنية، وفقاً لاختصاص وصلاحيات كل منها، ثم تحليل هذه المعلومات ومعالجتها واستثمارها إمّا لصالح مهماتها او لصالح الاجهزة الامنية الاخرى او لصالح مراجع رسمية اخرى في الدولة، وقد تكون هذه المراجع سياسية في السلطة التنفيذية (اي رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة والوزراء ضمن اختصاصهم)، او مراجع قضائية (كالنيابة العامة التمييزية والنيابات الإستئنافية في المحافظات)، او حتى مراجع أمنية عربية او اجنبية، شقيقة او صديقة، في اطار تبادل المعلومات ولا سيما في قضايا الإرهاب وأمن المقرات والبعثات الدبلوماسية ورعاياها ومصالحها في لبنان. وفي حين حدّدت القوانين اللبنانية بوضوح علاقة القطاع الأمني بالقضاء، فإن ايّ قانون لأي جهاز لم ينصّ على المراجع السياسية التي ترفع اليها تقارير الأمن، سوى ان ذلك يحصل وفقاً للعُرف والتقليد، ما عدا النصوص التي تحدد رفع التقارير الدورية الى كل من وزيري الداخلية والدفاع. إلى ذلك، تتنوع وتتعدد المؤسسات الأمنية في لبنان، او ما يسمونه بالأجهزة ،وفقاً لصلاحياتها وللسلطات التي تتبع لها تراتبياً، مع الإشارة الى غياب او غموض الكثير من النصوص القانونية التي تحدد الصلاحيات التفصيلية لكل مؤسسة إلاّ في الاطار العام تقريباً، الى درجة ان بعض المؤسسات الأمنية قد خرجت كلياً عن الإطار القانوني العام لدورها وصلاحياتها، وحتى انها غيّرت تسمياتها، مستفيدة من ظروف سياسية او زخم سياسي معيّن. وفي هذا الإطار، وفي غياب الصلاحيات التفصيلية للأجهزة الأمنية، فإنّه يصح القول عملياً أن صلاحيات الأمن في لبنان هي كخرم الإبرة: «الحمار يُدخِل فيه خيْطاً، والشاطر يُخرِج منه جَمَلاً». وخلافاً لما قد يظنه البعض، فإن تعدُّد الأجهزة الامنية وتشابك صلاحياتها وتنافسها داخل البلد الواحد ليس ظاهرة حصرية بلبنان، بل هي حالة عالمية موجودة في اصغر الدول واكبرها، ومهما كان نظامها السياسي، حيث لا يقل عدد الأجهزة في اي بلد عن ثلاثة، وقد يتعدى العشرة في بعض البلدان ذات المصالح الكبرى الخارجية والاستراتيجية. المؤسسات الأمنية في لبنان بالنسبة للبنان، المؤسسات الرسمية العسكرية والأمنية التي تتولّى جمع المعلومات على الأراضي اللبنانية هي أربع: الجيش اللبناني عبر مديرية المخابرات فيه، المديرية العامة للأمن العام عبر مكتب المعلومات، المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي عبرالشرطة القضائية وأجهزة الإستقصاء وعبر فرع المعلومات مؤخّراً، والمديرية العامة لأمن الدولة. ويضاف إلى هذه المؤسسات الرئيسية الأربع، بعض الوحدات الأمنية التي تقوم بجمع المعلومات في نطاق اختصاصات مكانيّة ووظيفيّة محصورة للغاية، كجهاز أمن المطار التابع لوزير الداخلية وجهاز أمن السفارات وغيرها. وبناء عليه، يستوجب تعدد الأجهزة والمؤسسات الأمنية وجود تنسيق بينها. ولذلك أنشىء بموجب القانون 17 عام 1990 مجلس أمن مركزي للتنسيق في ما بينها، برئاسة وزير الداخلية، عبر اجتماعات لرؤساء الأجهزة الرئيسية الأربعة بمعدل مرة واحدة في الشهر على الأقل، ويحضرها المدعي العام للتمييز ومحافظ بيروت. مع الإشارة الى أن المديرية العامة لأمن الدولة ليست عضواً رسمياً في المجلس، لكن رئيسها يُدعى عرفاً إلى الاجتماعات. هذا من الوجهة النظرية للتنسيق الذي وإن أتخذ صفة الجدّية عند حصول أحدث ميدانية هامة، لكن في أغلب الأحيان تصبح اجتماعاته موسمية ومرهونة بانشغال وزير الداخلية، وبحيث تتباعد تلك الإجتماعات في فترات الهدوء، وتتكثّف في فترات الأزمات، بدلاً من أن تكون تلك الاجتماعات مكثفة ودورية، وبدلاً من أن تصبح أسبوعية للتنسيق، وتبادل المعلومات مباشرة فيما بين رؤساء الأجهزة أنفسهم. أما على مستوى المحافظات اللبنانية فهنالك مجلس أمن فرعي برئاسة المحافظ للتنسيق بين رؤساء فروع الأجهزة الأمنية في كل محافظة. المهمات الرئيسية لكل جهاز مديرية المخابرات في قيادة الجيش: وقد حَصَر اتفاق الطائف صلاحياتها بأمن الجيش أي بأمن العمليات العسكريّة ومكافحة التجسس والأمن العسكري، وذلك كرد فعل سياسي على الدور الماضي لمخابرات الجيش في زمن الشعبة الثانية في سِتّينيات القرن الماضي، إلاّ أنّه عملياً ونظراً للظروف السائدة في لبنان منذ العام 1990 الى اليوم، فإنّ تكليف الجيش بمهمّات أمنية داخلية، وانتشاره عملياً في كل لبنان، قد جعلا مديرية المخابرات مضطرة إلى توسيع نطاقها ليشمل صلاحيات أخرى لا سيما في مجال مكافحة الإرهاب، وفي مجال تكثيف التواصل مع مختلف الفرقاء السياسيين داخل السلطة وخارجها، ذلك أن مثل هذا التواصل يخفّف من التشنّجات الميدانية ويوفّر بالتالي على الأمن والناس الكثير من الكِلفة والأعباء، لكونه في لبنان، وخلافاً لكل دول العالم، فإنّ السلطة هي التي تُصَدّر معظم التشنجات الى الناس والشارع، إذ معظم المشاكل تبدأ من فوق، أي من السلطة والسياسة، وتنزل بها إلى الشارع، بينما في بقية بلاد العالم تكون المشاكل عادةً من تحت إلى فوق، وبحيث قد يبدو لبنان وشعبه في معظم الأوقات أفضل حالاً وأكثر أمناً واستقراراً في غياب السلطة، منه في وجودها. المديرية العامة للأمن العام: حدّدت المادة الأولى من قانون الأمن العام أن مهمته الرئيسية هي «جمع المعلومات لصالح الحكومة وخصوصاً المعلومات السياسية والاقتصادية والاجتماعية». وينص القانون نفسه على مهمات أخرى تتعلق بالأحزاب والجمعيات والإرهاب والتجسس والأجانب، علماً بأن الأمن العام ليس جهازاً تنفيذياً على الأرض، إلا في إطار عمله كضابطة عدلية، ولا سيما في ما خص مخالفات الأجانب والدخول والخروج إلى لبنان وغيرها. وصحيح أن المدير العام للأمن العام يرتبط قانوناً بوزير الداخلية، إلا أن العرف والعادة، بالإضافة إلى صلاحياته في مجال الإعلام وجمع المعلومات السياسية، جعلت من المدير العام جزءاً من الحياة السياسية وتفاعلاتها، وبحيث أن دوره كان يتخذ دائماً صفة المستشار أو الوسيط أو الرسول السياسي لرئيس الجمهورية عبر مختلف العهود الرئاسية. وهذا الدور مارسه جميع من تولّى رئاسة هذه المديرية، بمن فيهم نحن، ولا سيما على سبيل المثال في صياغة التوافق السياسي بين فرقاء المعارضة والموالاة حول قانون انتخابات العام 2000 وحول ملف التعيينات الادارية بعد عودة الرئيس رفيق الحريري الى السلطة في ذلك العام. المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي: حدّد القانون صلاحياتها بحفظ النظام وأمن وحماية المواطن والسهر على القانون ومساعدة الإدارات على تطبيق القانون وحراستها وحراسة وإدارة السجون وحماية السفارات... أما مهمات الاستقصاء وجمع المعلومات فهي محصورة بالجرائم والتحقيقات، وهي منوطة قانوناً بالشرطة القضائية (التحري سابقاً) وبأجهزة الاستقصاء المركزية والمناطقية. هذا في القانون، أما في الأمر الواقع الذي نتج عن الظروف السياسية السائدة منذ مطلع العام 2005، فقد أصبح للمديرية العامة لقوى الأمن الداخلي، ما يشبه مديرية مخابرات غير قانونية، أكثر عدداً و تجهيزاً وموازنةً وصلاحيات من مديرية مخابرات الجيش وباقي الأجهزة الأمنية الأخرى، تحت مسمى «فرع المعلومات». ولأن هذا الفرع هو في المرحلة الراهنة موضع جدال وطني وسياسي وطائفي ومذهبي، فإنه لا بد هنا من بعض التوضيحات الموضوعية والعلمية حوله ومن دون أي تحيّز: فبموجب قانون قوى الأمن الداخلي الرقم 17 الصادر عام 1990 والمراسيم التطبيقية له الصادرة عام 1991، التي نظمت تسميات وصلاحيات مختلف وحدات قوى الأمن الداخلي (لاسيما المرسوم 1157 والمرسوم 1460)، فقد استُحدِث فرع المعلومات كجزء من شعبة الخدمة والعمليّات التابعة بدورها لهيئة الأركان في قوى الأمن الداخلي. أما مهمّة الفرع في النصوص، فهي « تلقي شكاوى المواطنين المتعلقة بسلوك رجال قوة الأمن الداخلي، كما تلقي الإخباريات والمعلومات المتوفرة عن أي حادث أو جريمة تهدّد أمن الوطن والمواطن والسلامة العامة أو تحليلها وتقديم الاستنتاجات لخدمة التحقيقات». إذاً في القانون، فرع المعلومات هو فرع متخصص بمراقبة سلوك ضباط وعناصر قوى الأمن الداخلي في وظائفهم، وهو فرع يخدم مختلف التحقيقات المتعلقة بالجرائم، وبالتالي فهو ضابطة عدلية في هذا المجال الحصري. كما أن مهمته الواضحة في القانون هي تلقي المعلومات وليس جمع المعلومات، والفارق القانوني واضح وكبير بين المعنييْن. لذلك، ولأن هذا الفرع ليس له في القانون صلاحية لجمع المعلومات كباقي الأجهزة المارّ ذكرها، فإنّه لم تكن لهذا الفرع مخصصات مالية سرية في ميزانية الدولة عند انطلاق عمله عام1993 برئاسة المقدم خضر قبيسي حينذاك، وكان عديده ثلاثة ضباط وعشرة عسكريين فقط. تدريجاً، ومن خارج أي نص قانوني حتى اليوم، وتحت الرعاية السياسية والشخصية للرئيس فؤاد السنيورة ثم الرئيس سعد الحريري، فقد أصبح عديد هذا الفرع يوازي 3000 عسكري وما يقارب 100 ضابط، أي حوالى ضعف مديرية المخابرات وعشرة أضعاف مكتب معلومات الأمن العام، كما أصبحت له فروع ومكاتب في مختلف المحافظات وبعض الأقضية، وأصبحت له منذ ما بعد العام 2006 مخصصات مالية سرية شهريّة تبلغ ملياراً و62 مليون ليرة لبنانية، من خارج موازنة قانونية أو رسمية مقررة من مجلس النواب، في حين أن مخصصات مديرية المخابرات تبلغ المليار شهرياً، بينما مخصصات الأمن العام الشهرية لا تتجاوز 90 مليون ليرة وربما ازدادت قليلاً مؤخراً، وفي حين أن موازنة أمن الدولة السرية لا تتجاوز الثلاثين مليون ليرة شهرياً. وللتذكير فقط، ففي مطلع العام 2005 كانت المخصصات السرية لكل من الأمن الداخلي والأمن العام وأمن الدولة 90 مليون ليرة لبنانية في الشهر، وكانت المخصصات السرية لمخابرات الجيش حينذاك 250 مليوناً في الشهر. أما بالنسبة لتسمية «فرع المعلومات»، فإن هذه التسمية لا تزال هي نفسها في المرسوم حتى اليوم، لكن، تجاوزاً لمرسوم تنظيم قوى الأمن الداخلي وخلافاً لقاعدة موازاة الصِيَغ القانونية التي تقول انّ المرسوم لا يُعَدّل إلا بمرسوم والقانون لا يُعَدّل إلا بقانون،، وفي ظل الظروف السياسية المعروفة أيضاً، قرر المدير العام لقوى الأمن الداخلي اللواء أشرف ريفي في آذار عام 2006 تعديل تسمية هذا الفرع، فأصدر مذكرة خدمة غير قانونية بتسميته «شعبة المعلومات» فاصلاً إياها عن شعبة الخدمة والعمليات وجاعلاً ارتباطها مباشراً به. المديرية العامة لأمن الدولة: أنشئت في منتصف الثمانينيات خلال حكومة الرئيس رشيد كرامي في عهد الرئيس أمين الجميّل بعد مطالبة الطائفة الشيعية بمديرية أمنية على غرار المؤسسات الأمنية التي يرأسها موارنة وسُنّة. وقد حُددت مهامها قانونياً «بجمع المعلومات المتعلقة بأمن الدولة الخارجي ومراقبة الأجانب وعلاقة المواطنين بهم، ومكافحة التجسس». وهذه المديرية ليست عضواً في مجلس المركزي حتى الآن، عدا عن أنها لقيت الكثير من الصعوبات التنظيمية منذ انشائها، حيث ان معظم ضباطها وعناصرها جاؤوا أصلاً بالإعارة من الجيش والامن الداخلي، ولا تزال تستعين بهاتين المؤسستين لملء النواقص في عديدها. وقد تحولت مع الوقت الى جهاز لتأمين الحراسات والمواكبات للوزراء والنواب وبعض الشخصيات المعرضة للخطر، من دون ان يمنع ذلك من قيامها ببعض الانجازات على صعيد مكافحة الارهاب والكشف عن الجرائم وملاحقة الفساد الاداري في بعض المؤسسات الرسمية. أكتفي بهذا القدر الضروري من تعريف القطاع الأمني وظروفه الواقعية بحيث يمكن استنتاج مواقع الخلل فيه، مشيراً في هذه النقطة الاخيرة إلى ان جميع الضباط والعناصر العاملين في مختلف المؤسسات الامنية يأتون اليها موقتاً بالإعارة من الوحدات العادية في الجيش والامن الداخلي والامن العام، ويخدمون في هذه المؤسسات لمدة قد تمتد لعدة سنوات ويُعادون بعدها الى الخدمة العسكرية العادية بعد استبدالهم بغيرهم من جديد. وغالباً ما يحصل الاستبدال عند تغير العهود الرئاسية التي تُغيّر عادة رؤساء الاجهزة فيقومون بدورهم بتغيير الضباط وهكذا دواليك. والسبب في ذلك انه ليس هناك في المؤسسات العسكرية والامنية ما يُسمّى «اختصاص أمن ومخابرات» على غرار الاختصاصات الاخرى العسكرية الموجودة، فهنالك مثلاً ضابط اختصاص إدارة أو هندسة أو قوى امن... كما هنالك رقيب محقق أو اداري أو رام مثلاً، لكن ليس هناك ضابط او عنصر او رتيب امن ومخابرات، بل هي صفة مرحلية يحملها صاحب العلاقة عندما يخدم في المؤسسة الامنية وتسقط عنه عندما يُنقل الى سواها. ولذلك ايضاً، ليس هناك في لبنان مدرسة مخابرات او مدرسة أمن، من أجل تنشئة وطنية ومهنية موحدة لضباط وعناصر القطاع الامني، سوى بعض الدورات الدراسية التقنية التي تجري احياناً داخل البلاد وخارجها، وهي محصورة عادة بمهمات محددة، كالتحقيق والتنصت والكمبيوتر ومهمات المواكبة والتدخل ومكافحة الإرهاب وغيرها. العلاقة بين النظام السياسي والقطاع الامني ثمة قاعدة عامة شبه تاريخية في لبنان تكرّست مع الزمن في هذه العلاقة، وتقول هذه القاعدة انه «كلما ازداد عبث السياسيين بالدولة ومقدّراتها ازداد حذرهم من القطاع الامني، وازدادت شراستهم للسيطرة عليه»، وتليها قاعدة أخرى انه « كلما ازداد انقسام السياسيين وعداواتهم وازداد عبثهم بمصير الوطن والناس، زادت شراستهم وحاجتهم إلى تقاسم هذا القطاع وشرذمته». وليس في هذا المجال من حاجة لإثبات ان النظام السياسي اللبناني الذي اتخذ في بعض مراحله، وخصوصاً في الستّينيات، شكلاً من أشكال الدولة، فإنّه كانت دائماً تعصف فيه رياح الطائفية والمذهبية وارتهان الطوائف والمذاهب للخارج. إلاّ أن هذا النظام لم يبلغ مطلقاً في اي مرحلة من مراحله الماضية هذه الحدود الحالية من الاهتراء والتردّي والمرض، لا سيما بعد أن تحوّل مؤخراً الى نظام طائفي ومذهبي بامتياز، تتحكم به طبقة امراء الحرب والمال بعد شبه انقراض للطبقة السياسية التقليدية. فأمراء الحرب والمال ابتلعوا الدولة تدريجاً، يسرقونها عندما يتفقون ويعطّلونها أو يدمّرونها عندما يختلفون، وَهُم مع ازلامهم في الحالتين فوق الحساب والمحاسبة. وبحيث أصبح لبنان اليوم، وطناً ودولة وشعباً، أشبه بطائرة ركاب مخطوفة، مع الفارق ان الخاطفين هنا هم الطيار ومساعدوه والمضيفون والمضيفات. لذلك كله، كيف لا يكون هناك سعي من زعماء الطوائف والمذاهب من أجل امتلاك الدولة أو اجزاء منها ما دامت الدولة اللبنانية كانت ولا تزال، وخصوصاً في هذه المرحلة، المصدر الاساسي للسلطة، والسلطة هي مصدر النفوذ والمال والخدمات، وهذه كلها مصدر الزعامة، والزعامة فوق كل اعتبار. وكم من بيت سياسي نبت العشب على ادراجه عندما اقفلت في وجهه ابواب الدولة! لكن كيف يمكن لهؤلاء امتلاك الدولة في لبنان؟ الجواب البسيط عن هذا السؤال هو أنّ من يتحكّم بالتعيينات القضائية والعسكرية والامنية والادارية والمالية وغيرها في لبنان، يُصبح في نظر نفسه والناس مالكاً للدولة أو لجزء منها. ولأنه من المستحيل على طرف واحد او زعيم واحد ابتلاعها كلّها فقد وجب ان تتوزع الدولة حصصاً على اركان المذاهب والطوائف. واذا اردنا ان نقوم بمقارنة بسيطة فنقول: الدولة كالجسم، هيكلها العظمي هو الادارة والامن والقضاء، لحمها الاقتصاد وثوبها السياسة. الثوب يتغير بالمزاج، بالاهتراء، او بالاتساخ وكذلك السياسة. اللحم ينمو أو يضمر أو يستقر، وكذلك الاقتصاد. اما الهيكل العظمي، فيبقى الأكثر ثباتاً او هكذا يجب ان يكون، وكذلك الادارة والامن والقضاء. وإذا كان بديهياً القول انّ ما من ثوب يمتلك الجسم الذي يلبسه، فإنّ القاعدة السارية في لبنان هي أن الثوب، أي السياسة، بات مع الأسف يمتلك الجسم أي الدولة. فكيف اذا كان هذا الثوب ممزقاً الى اجزاء تتصارع مع بعضها كي يتمّلك كل جزء منه ما يقع تحته من لحم وعظم؟ هكذا هي حال الزعامات الطائفية والمذهبية مع الدولة اللبنانية ومؤسساتها. إذاً، من يتحكّم بالتعيينات يتحكّم بالدولة، لذلك كانت حرب التعيينات هي الاصعب في كل عهد رئاسي جديد، ولذلك كانت اكثر الحروب ضراوةً بين زعماء الطوائف والمذاهب هي حرب التعيينات الامنية والقضائية، لأن من يمتـلك حصةً فيها فإنّه يملك سلاحاً مزدوجاً، فيه الطمأنة والحماية لنفسه وانصاره، وفيه التخويف لاخصامه. وهنا تكمن العلة الاساسية في اصلاح وتطوير القطاع الامني. فكيف وصلنا الى هذه الحالة وما هي انعكاساتها؟ للبحث صلة

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة