كان عميد الأدب العربي طه حسين من أكثر الذين أحزنهم غياب عمر فاخوري المبكر. فكتب في مجلة «الكاتب المصري» التي كان يصدرها كلمة مؤثرة أقتطف منها السطور التالية: «... وقد أنفقنا في بيروت يومين لقينا فيهما من أهل لبنان ما تعوّدنا أن نلقى من هذه الضيافة الحلوة... وقد كادت هذه الزيارة تكون صفواً كلها، لولا أنني سألت عن صديق لبناني أديب كانت له في نفسي كما كانت له في نفوس الأدباء الشرقيين جميعاً مكانة ممتازة. سألت عنه لأني كنت أريد أن أسعى إليه. قلت لصاحبي: كيف حال الأستاذ عمر فاخوري؟ فقال في هدوء حزين: لقد دفنّاه أمس يا أستاذ. هنالك أخذ الندي كله وجوم طويل لم نقل في أثنائه شيئاً. وإنما قالت قلوبنا في أثنائه كل شيء». وكتب ميخائيل نعيمة يقول: «ما كانت عقيدة عمر من النوع المنقول بالعدوى. بل كانت وليدة تفكير عميق، وحساب دقيق، وتأمل منزَّه عن الهوى». وكتب مارون عبود يقول: «إنَّ كيد ابتسامته لعظيم، فهي شكته أديباً ناقداً، في «الباب المرصود» و«الفصول الأربعة». وهي عتاده، كاتب نضال في «أديب في السوق» و«الحقيقة اللبنانية» و«لا هوادة». إنها لفي كل مكان، تتحدث بنعمة رب عمر على الأدب». وكتب سعيد عقل يقول: «عمر فاخوري كنَّا نُسميه «الكبير». وكان يجمع عليها ـ وكأنها خرجت من أفواه الكل ـ فؤاد البستاني، ميشال شيحا، أمين نخلة، يوسف غصوب، صلاح لبكي، جورج شحادة، عبد الله العلايلي وأنا. ذلك أن قلم عمر ينتقل، براحة ولا أمرَن، بين اللغتين اللتين كنا نُنتج بهما. كان عمر خبيرنا الأعمق لا بهما وحسب، بل كذلك بكل شياتهما. والشيّة هي الفارق داخل اللون الواحد». وكان شاعر القطرين، لبنان ومصر، خليل مطران قد أهداه في عام 1942 قصيدة نقتطف منها هذه الأبيات: حـق لبنــــــــــان أن فخـر بــارك الله فـي عمــــــر هـو والوحـي ســـــــــاهر والدجـى تبعث الفكــــر سيرة وُلد عمر فاخوري في عام 1895 في مدينة بيروت في واحدة من الأسر البيروتية الكبيرة. تلقى مبادئ القراءة والكتابة في مدرسة «المعلم عيسى» التي كانت تقع بالقرب من الجامع العمري الكبير في وسط العاصمة بيروت. التحق بـ«الكلية العثمانية» لمؤسسها الشيخ عباس الأزهري. وكان من أساتذته في تلك الكلية الشيخ مصطفى الغلاييني، الشخصية الدينية والوطنية المعروفة. وكان من رفاقه في الدراسة الشاعر عمر حمد، أحد الشهداء الذين أعدمهم جمال باشا السفاح في عام 1915. وفي تلك الكلية ظهرت بواكير وعيه القومي. كما ظهرت بواكير كتاباته في مجلتي «التلميذ» و«الزهرة» اللتين كانتا تصدران عن «الجمعية العلمية» و«جمعية الإخاء المدرسي». تخرج من الكلية العثمانية في عام 1912 متقناً اللغة العربية واللغة الفرنسية. وكانت قد تمكنت في وعيه نزعة التحرر من السلطنة العثمانية والدعوة إلى استقلال العرب وتحقيق وحدتهم وحريتهم. انتسب في عام 1913 إلى «مكتب الحقوق». ولم يبقَ فيه سوى عام واحد بعد أن أقفل المكتب أبوابه إثر نشوب الحرب العالمية الأولى في عام 1914. لكن الكتاب أتلف. التحق عمر بعد ذلك في عام 1914 بالجامعة الأميركية وأمضى فيها عامين. انتقل بعد ذلك إلى «المكتب الطبي العثماني» لدراسة الصيدلة. وفي ذلك المعهد ظهر على المنابر العامة لأول مرة. فألقى في قاعة المكتب محاضرة بعنوان «البعثة النبوية». ومارس، إلى جانب دراسته في المعهد، التعليم في المدرسة الرشيدية والعمل في المكتب التجاري. وانتسب في تلك الفترة إلى «حزب الاستقلال» وإلى «الجمعية العربية الفتاة». في أعقاب الحرب العالمية الأولى في عام 1918، وبعد إقفال المكتب الطبي، مارس عمر العمل الصحافي. فكتب مقالات سياسية بتوقيع «مسلم ديمقراطي» نشرتها له جريدة «الحقيقة». وهي مقالات نقدية موجهة إلى الحلفاء. وفيها يطالب بالحرية والاستقلال للعرب. وفي عام 1919 ذهب من بيروت إلى دمشق للالتحاق بحركة الأمير فيصل بن الحسين، الذي شكَّل حكومة استقلالية كان من المفترض أن يعلن فيها فيصل ملكاً على سوريا، قبل أن تتصدى له السلطات الفرنسية وتقضي على حركته بعد هزيمة جيشه في معركة ميسلون في عام 1920، واضطراره إلى الفرار إلى لندن. وكان عمر قد ذهب إلى دمشق بدعوة من حكومة الأمير فيصل ليمارس الكتابة في جريدة «العاصمة» التي كانت تصدرها الحكومة الفيصلية. بعد سقوط حكومة فيصل عاد عمر إلى بيروت، ومنها ذهب إلى باريس في عام 1920 لدراسة الحقوق في إحدى جامعاتها، ولدراسة الآداب في جامعة «السوربون». بعد نيله إجازة الحقوق في باريس عاد عمر إلى دمشق ليمارس المحاماة في أحد المكاتب المعروفة، وليمارس كتاباته الأدبية في مجلتي «الميزان» و«المفيد». وساهم في تأسيس جمعية «الكشاف المسلم». كما ساعد في إنشاء مجلة أدبية تابعة للجمعية. في عام 1927 انتخبه المجمع العلمي العربي في دمشق عضواً فيه. وكان قد أصبح أديباً معروفاً. توقف عن العمل في المحاماة في عام 1929 بعد أن عُيِّن أميناً للسجل العقاري، ثمَّ مفتشاً في الدوائر العقارية في بيروت. أصدر في عام 1928 كتابه الثاني «الباب المرصود». وهو أول كتبه الأدبية. وقد استُقبل الكتاب استقبالاً كبيراً في الأوساط الأدبية. ثم بدأ يصدر كتبه الواحد تلو الآخر: «الفصول الأربعة» في عام 1941، و«لا هوادة» في عام 1942، و«أديب في السوق» و«الحقيقة اللبنانية» و«الاتحاد السوفياتي حجر الزاوية» في عام 1944. وكانت قد صدرت له ترجمات لعدد من الكتب أهمها كتاب «حياة المهاتما غاندي» لرومان رولان في عام 1924، و«آراء أناتول فرانس» في عام 1925، و«آراء غربية في مسائل شرقية» في عام 1925، ورواية «كرانكبيل» لأناتول فرانس في عام 1927، ومسرحية «الإبن الآخر» لبيار ديكورسيل في عام 1929. ونشر في المجلات عدداً من القصص المترجمة من بينها قصة «التاريخ» لأناتول فرانس، وقصة «الساذج» لفولتير. في ثلاثينيات القرن، عشية الحرب العالمية الثانية، برزت عند عمر الميول المعادية للنازية والفاشية. وقادته ميوله تلك إلى الاقتراب من الشيوعيين في تلك الفترة بالذات. وصار صديقاً لهم من دون أن ينتسب إلى الحزب. وشارك في عام 1941 في تأسيس «عصبة مكافحة النازية والفاشية» مع عدد من كبار مثقفي لبنان وسوريا، وانتخب رئيساً لها. شارك في إصدار وتحرير مجلة «الطريق» في العام ذاته، مع لفيف من أصدقائه من كبار مثقفي البلدين. وكان شركاؤه في هيئة تحريرها مؤسس المجلة أنطون ثابت وكامل عياد ورئيف خوري ويوسف ابراهيم يزبك وقدري قلعجي. كان عمر من رواد الحركة الاستقلالية في لبنان وسوريا مع عدد من المثقفين الكبار المعروفين. وترشَّح في عام 1943 لأول انتخابات نيابية في ظل الاستقلال عن دائرة بيروت العاصمة. ولم يحالفه النجاح، لكنه كان صوتاً مدوياً في الدفاع عن الاستقلال، وصوتاً مدوياً في الدفاع عن الحرية وعن التقدم للبنان ولجميع البلدان العربية. لم يكن عمر فاخوري كثير الكتابة. لكنه كان يصرف وقتاً كبيراً في إعداد ما كان يكتب في النقد الأدبي وفي النقد السياسي والاجتماعي. وأسَّس مدرسة خاصة به في الكتابة الأدبية اعترف بها جميع أدباء تلك الحقبة من تاريخنا العربي. حاول كتابة القصة والرواية. لكنه لم يكمل أياً منهما. وما نشر من تلك المحاولات بعد وفاته هو مثير للدهشة. إذ كانت تشير تلك المحاولات في القصة خصوصاً إلى أنه كان سيغني الأدب القصصي والروائي بروائع أدبية لو أتيح له أن يعيش سنوات إضافية. وتشكِّل روايته «حنا الميت» التي لم تكتمل، والتي نشرت مجلة «الطريق» الفصلين المميزين منها بعد وفاته، النموذج الواضح على ما أجمع أدباء تلك الحقبة في تقييمها وتقييم منهجه القصصي فيها. إلا أنَّ عمرَ لم يكتفِ بمحاولة كتابة القصة والرواية. بل هو حاول كتابة الشعر. ولم ينشر في حياته أياً من قصائده. ويبدو أنه لم يكن يرى في نفسه أنه مؤهَّل لأن يكون شاعراً، رغم أن الذين كتبوا في تقييم نثره أجمعوا على أن نثره هو الشعر الجميل بعينه، لغة أنيقة، وصوراً بديعة، وأفكاراً جديدة تقتحم الأبواب المرصودة وتفتحها من دون عناء. أما في ميدان النقد الأدبي والبحث في التراث فقد ترك عدداً من الدراسات من دون نشر. من بينها دراسة في شعر المعري وفلسفته، ودراسة في المدنية الإسلامية، ودراسة في حركة الترجمة. منارة لم تتح لي فرصة التعرف على عمر فاخوري. فقد غادر الحياة وأنا بعد في أول الشباب. لكنني سرعان ما بدأت أتعرف إلى أدبه، ابتداءً من عام 1948. وزادتني معرفة به في مطلع عام 1950 العلاقة التي نشأت بيني وبين صديقه رئيف خوري، الذي شكَّل، بالنسبة إليَّ، مدرسة حقيقية في المعرفة الأدبية والفكرية. كان عمر فاخوري قد أصبح بالنسبة للشيوعيين اللبنانيين منارة أدبية وفكرية وسياسية. وكان الاحتفال بذكراه السنوية مناسبة سياسية وثقافية يعبِّرون من خلالها عن آرائهم وعن مواقفهم في شؤون الساعة، ومناسبة لتجميع المثقفين حول اسم عمر فاخوري وحول تراثه الأدبي وحول قيمه الفكرية. كانت تنظَّم بمناسبة ذكرى وفاته مسيرة تتجه من المنطقة التي كانت تقع فيها مدرسة المقاصد (التي صارت على امتداد عقود منطلقاً لكل التظاهرات الشعبية) باتجاه مقبرة الباشورة حيث يرقد عمر في مثواه الأخير. وهناك كانت تلقى الكلمات التي تتحدث عنه وتنطلق من سيرته إلى تناول أحداث الساعة في البلاد. وكان يتعاقب على الكلام فيها مثقفون شيوعيون ومثقفون ديمقراطيون غير منتمين. وبقيت أشارك في تلك المسيرات إلى أن توقفت بقرار سياسي من قيادة الحزب. وأشهد أنني لم أتوقف عن قراءة الكتب التي كانت قد صدرت لعمر. ولم أتوقف عن ممارسة الغوص في أعماق أفكاره، التي كانت تحفل بها كتبه ومقالاته، بما فيها تلك التي كانت تعالج قضايا سياسية آنية. وفي قراءتي لشخصيته ولسيرته بمجملها، أجزم بأنه قد أسَّس مدرسة قائمة بذاتها في الكتابة الأدبية وفي النقد الاجتماعي والسياسي. ويشكِّل كتاباه الأخيران السابقان بعامين على وفاته «أديب في السوق» و«الحقيقة اللبنانية» مرجعاً في تحديد معنى العلاقة التي تربط الأديب بمجتمعه، وفي تحديد معنى الوطنية بالنسبة إلى اللبناني في انتمائه الحقيقي إلى وطن حقيقي، لا إلى ما يشبه الوطن. ومشهورة عبارته في كتابه «الحقيقة اللبنانية»: نريد وطناً لا طيف وطن. غير أن ما أدهشني في كتابات عمر فاخوري خاصة هو كتابه الأول «كيف ينهض العرب». ومصدر دهشتي ودهشة كل من قرأ هذا الكتاب هو قدرة فتى في الثامنة عشرة من عمره على امتلاك تلك الرؤية الواعية المتقدمة لواقع أمته، ولعناصر نهضتها، ولمعوقات تلك النهضة، ولكيفية تجاوز تلك المعوقات. يفتتح عمر كتابه بمدخل من بضعة سطور. ويستعير من الشاعر الفرنسي «تيودور دوبانفيل» الأبيات التالية في صيغة إهداء إلى الأجيال القادمة: «إليكم يا من أحيي فيكم فجراً جديداً أنتم الألى ستحبونني إليكم يا رجال الأيام المستقبلة بل أيتها الجيوش المقدسة!» ويستشهد في المقدمة بالكلمات التالية لقاسم أمين: «الحرية الحقيقية تحتمل إبداء كل رأي ونشر كل مذهب وترويج كل فكر». ثم يقدم للقارئ الأسباب الداعية إلى تأليف كتابه، الذي يعطيه اسم وصفة الرسالة. وينهي مقدمته بالكلمات الرائعة التالية: «لا ينهض العرب إلاَّ إذا أصبحت العربية أو المبدأ العربي ديانة لهم يغارون عليها كما يغار المسلمون على قرآن النبي الكريم، والمسيحيون الكاثوليك على إنجيل المسيح الرحيم، والبروتستانت على تقاليد «لوثر» الإصلاحية، وثوريو فرنسا في عهد «الرعب» على مبادئ «روسو» الديمقراطية، ويتعصبون لها تعصُّب الصليبيين لدعوة بطرس الناسك... هذه هي الفكرة الرئيسية للرسالة (الكتاب). أسير فيها باسم العرب دون نظر إلى معتقدهم الديني، داعياً إياهم إلى اعتناق مذهب سياسي ـ وإنما المستقبل للمذاهب السياسية ـ ألا وهي «العنصرية العربية»!». واضح من الكتاب، ومن أفكاره، ومن نصوصه، ومن الاستشهادات الغربية فيه، إلى الأثر البالغ الذي تركته في أفكاره وفي مشروعه النهضوي، أفكار وآراء المفكر الفرنسي «غوستان لوبون». أطرح السؤال هنا عما إذا كان عمر فاخوري قد اطّلع على فكر النهضة العربية في القرن التاسع عشر، من دون أن أجد الجواب. وقد يكون أصابه اليأس، كما أشار إلى ذلك في مطلع كتابه، من جراء ما وصلت إليه الأمة العربية. فوجه نظرة إلى الغرب مثلما فعل رواد النهضة، ليجد الجواب عن سؤاله: كيف ينهض العرب؟ ويتبيَّن من سيرته اللاحقة، بعد ذهابه إلى باريس وبعد عودته منها، أنه انصرف إلى الأدب، من دون أن يتخلى عن وجهة نظر له تتصل بالأدب وبوظيفته التي من دونها يفقد هذا الأدب قيمته. وإذا كانت وجهة النظر هذه قد برزت في كتابه «الباب المرصود»، فإنها سرعان ما أصبحت في كتبه اللاحقة «الفصول الأربعة» و«لا هوادة» و«أديب في السوق» و«الحقيقة اللبنانية» مدرسة قائمة بذاتها. يقول عمر فاخوري في وصف «حنين» وهو اللقب الذي يطلقه على عمر الزعني صديقه، بعد أن يستشهد برأي أمين الريحاني فيه، إذ يصفه الريحاني بالمغني المربي: «يحتاج كل عصر إلى شاهد له أو عليه. وأغاني حنين هي الشهادات الصادقة على زمن لا يؤدي أدبه المزور هذه الخدمة الواجبة. هي شهادات على العصر وعلى أهله تكشف عن عوراتها وعن مساوئها حتى ليمكن القول إن حنيناً هو دائماً من «شهود الاتهام». ولعلَّ الأصح أن يقال إنه أعظم الهجائيين بين شعرائنا! لأنه استحدث نوعاً من الشعر الهجائي هو الهجاء الاجتماعي». وفي الفصل الذي يحمل عنوان الشعر في السوق يقول عمر: «الأدب صناعة. وإذا كانت صناعة الأدب تختلف عن سائر الصناعات في بعض الوجوه فهي تشبهها في وجوه أخرى. تشبهها من جهة أن محاصيلها، ونعني «المصنوعات» الأدبية، لا بد أن تطرح للبيع في أسواقها الخاصة، أو بالأقل تعرض على الجمهور وتقدَّم إليه خالصة بلا مقابل، اللهم إلاَّ رضاه وتحبيذه واستحسانه. وليس هذا بالثمن البخيس عند كثيرين». ويتابع عمر تطوير فهمه للأدب ولدوره في كتابه «الفصول الأربعة»، وهو كتاب نقد أدبي رفيع، فيقول ساخراً في توصيف بعض الكتّاب: «إنَّ كثيراً من كتَّابنا هم ذلك الرجل المسيخ الذي لو قطعت شرايينه لما أخرجت إلاَّ حبراً، ولو مزَّقت لحمه لما أخذت إلاَّ ورقاً». ويتابع في مكان آخر: «والشرط الأساسي، أولاً وآخراً، هو أن يستمد الأديب عناصر فنه وأدبه من الينبوعين اللذين لا يشح سلسبيلهما أبداً، أعني الكون والحياة: كون لا تنفد روائعه ولا تحد صوره، وحياة لن تزال متطورة متحولة، فكأنه ثابت مستمر في خلق جديد». لكن عمرَ في كتابه «لا هوادة»، ثم في كتبه الثلاثة الأخيرة «أديب في السوق» و«الحقيقة اللبنانية» و«الاتحاد السوفياتي حجر الزاوية»، يصبح أديباً وسياسياً من الطراز الرفيع. إذ يرتقي فهمه لدور الأدب إلى المرحلة التي يعتبر فيها أن الأديب الحقيقي هو الذي يتعامل بفاعلية وبصدق وبأخلاق مع مجتمعه، ومع قضايا شعبه ووطنه، ومع الأحداث والتحولات التي يشهدها العالم، انطلاقاً من أن البلدان، جميع البلدان، رغم خصوصيات قضاياها، ليست جزراً مفصولة بعضها عن بعض. بل هي مكونات بشرية تشكل جزءاً من كون واحد. في كتابه «لا هوادة»، الذي صدر في عام 1941، أي في الفترة التي كانت قد تحررت فيها فرنسا من جيش فيشي ومن الاحتلال النازي، والتي بدأ فيها الحلفاء تقدمهم على الجبهة الشرقية، في هذا الكتاب يحدد عمر موقفه بوضوح من النازية، ويعلن انتماءه إلى الاشتراكية. ويطلق تحية إلى فرنسا الحرة بقيادة الجنرال ديغول بكلمته المشهورة «من يقل فرنسا يقل ثورة»، مذكراً العالم بتراث فرنسا الثوري، قبل الثورة الفرنسية وبعدها، وعلى امتداد قرن ونصف القرن أعقبا قيام تلك الثورة. ويذهب في كتابه «أديب في السوق» إلى الحياة العامة من أبوابها الواسعة. وما أكثر ما يحمل الكتاب من قصص عامة وخاصة ومن أحاديث حول قضايا صغيرة وكبيرة، جعلت منه كتاباً ممتعاً للقارئ، أي قارئ من دون تصنيف. وهو يسخر في أحد فصول هذا الكتاب من الطابع الطائفي للصراعات السياسية ولانقسامات اللبنانيين على أساس طائفي. ويطرح تصوره الطموح إلى انتقال اللبنانيين إلى وطن حقيقي، في مرحلة ما بعد الاستقلال. يقول عمر: «نريد وطناً لا طيف وطن. نريد وطناً من لحم ودم. نريد وطناً يحب ذاته ويحترمه الآخرون. يعرف كيف يحب ذاته وكيف يفرض احترامه على الآخرين... لا يمكن أن يكون لبنان وطناً مسيحياً، ولا وطناً إسلامياً... لا يمكن أن يكون وطناً لأي دين من الأديان أو مذهب من المذاهب. لا يصح أن يكون لبنان إلاَّ وطناً لجميع اللبنانيين على السواء». ويتابع في الكتاب ذاته حديثه عن لبنان وعن الموقع الذي يحتله في العالم كجزء منه له خصوصية تاريخية وجغرافية وثقافية. يقول عمر: «لبنان ملقى السبل المتفرقة، ومعترك الأمم المتنافسة، ومزدحم الثقافات المتقاطعة. ما من قوة في الأرض تستطيع أن تغلق ساحله الغربي، هذا الباب المفتوح على مصراعيه للأبيض المتوسط، من مدنيات وشعوب، يعطيها ويأخذ عنها، ثم يُقذف به واحة غريقة في الصحراء. كذلك ما من قوة في الأرض تستطيع أن تسلخه عن هذا الشرق السامي الذي وصلته به، منذ كان التاريخ بل قبل أن يكون، وشائج دم ولغة، وتقاليد وأساطير، وعبادات وثقافات، ثم يُقذف به جزيرة عائمة في الأوقيانوس. سيظل لبنان حيث هو وحيث كان، من الطبيعة ومن التاريخ، همزة وصلٍ بين الشرق والغرب اللذين يلتقيان فيه. وإذا صحَّ أن ثمة مستقبلاً، قريباً أو بعيداً، ليس يعرف الأثرة القومية وما يلازمها من مظاهر الطمع والفتح والغلبة، ولا التحريم الفكري وما ينشأ عنه من تعصب على اختلاف أنواعه، فقد كانت إذن ثقافة لبنان هي المثلى، ورسالته في الدنيا هي الفضلى: ثقافة تمازج، ورسالة تواصل». كتب الكثير عن عمر فاخوري في العقود الماضية التي أعقبت وفاته. وقد أتيح لي أن أقرأ الكثير مما كتب. لكنني أشعر اليوم، وأنا أعود لقراءة سيرة عمر وتراثه الأدبي، أن علينا أن نعيد التعريف به لكي تتعرف أجيالنا إلى تلك النماذج الفذة من الأدباء، الذين عرفوا كيف يبدعون روائع في الأدب، وأن يكونوا، في الوقت عينه، إلى جانب شعوبهم في كل ما تواجهه من قضايا ومحن ومهمات من أجل الحرية والتقدم. وأود قبل أن أتوقف عن الحديث عن عمر في هذه السطور الأخيرة، أن أشير إلى أنه كان قد تزوج في أول شبابه من إحدى قريباته سلوى، بعد أن خاضا مغامرة حب. لكن زوجته وحبيبته سلوى سرعان ما غادرته في حادثة مفجعة. إذ توفيت وهي في حالة الولادة. فعاش عمر بعد فقده زوجته فترة طويلة من الأسى والكمد، انكفأ خلالها إلى داخل ذاته لفترة من الزمن. ولم يعد إلى الزواج بعد سلوى. لكنه صادق فتاة مجرية كانت ـ أو صارت ـ تدير أحد البارات. لكنه لم يتزوجها. وقد عرَّفني عليها في مطلع الستينيات من القرن الماضي صديقي الشاعر عبد المطلب الأمين. وسألتها يومذاك عن عمر فأفاضت بالحديث عنه، الحديث العامر بالحب وبالحنين. هذا هو، باختصار، الأديب اللبناني الكبير عمر فاخوري. وتلك هي بعض سمات تطور شخصيته، وبعض نماذج من أفكاره، التي اغتنت بها كتبه القليلة العدد الكبيرة الشأن.