إده يتوقع 300 ألف طلب في 5 سنوات وأبي نصر «غير متفائل»
أقر مجلس الوزراء اقتراح القانون بعد فترة وجيزة من صدور مرسوم سحب الجنسية من بعض من نالوها وفق مرسوم العام 1994، أي بعد 17 سنة على صدوره، وطعن الرابطة المارونية به، من منطلق التوازن الديموغرافي عينه. وعللت الرابطة يومها طعنها، بالقول إنه تبين، بعد «مراجعة الأسماء المدرجة، ان عدد المجنسين من الطائفة المارونية زهيد جداً بالنسبة إلى عدد المجنسين من سائر الطوائف». وشمل مرسوم التجنيس عام 1994 «مئة وثمانية آلاف وثمانمئة وأربعين (108840) شخصاً من المجنسين إلى الطائفة السنية، بالإضافة إلى نحو ثلاثين ألف شيعي (30281) وسبعة آلاف وخمسمئة علوي، ونحو خمسين ألف مسيحي، بينهم أربعة آلاف ومئة وتسعة وتسعون مارونياً فقط. وجاء سحب الجنسية ممن شملهم المرسوم بعدما تزوج هؤلاء وأنجبوا وتوظفوا وعاشوا حياتهم على أساس أنهم لبنانيون على مدى 17 عاماً، فإذا بالدولة «تستفيق» فجأة وتقرر السهر على الشفافية ومكافحة التزوير وتطبيق الستة وستة مكرر، بعدما صمّت آذانها عن كل ما ارتكب خلال «حملة» التجنيس عينها. وتربط مصادر متابعة للموضوع بين إقرار مجلس الوزراء اقتراح قانون استعادة الجنسية للمتحدرين من أصل لبناني، وبين ما يحكى عن طي ملف الطعن بالمجنسين، بعدما علت الصرخة، وجرى الطعن بسحب الجنسية ممن شملهم المرسوم. وتشير المصادر عينها إلى «غزل» الحليف الشيعي للآخر الماروني (التيار الوطني الحر) ومساعدته على تمرير الاقتراح الذي يعزز مسعى الأخير وحرصه على التوازن الطائفي وحقوق المسيحيين في لبنان، وبالتالي صورته ومكانته عند جمهوره. وينفي أبي نصر «أن يكون القانون يستهدف فئة طائفية محددة من المغتربين»، مشيراً إلى أنه يشمل الجميع من مسلمين ومسيحيين، و«يتيح الفرصة لكل مغترب من أصل لبناني، يتغنى بلبنان الأرز، أن يستعيد جنسية آبائه وأجداده». في المقابل، يبدو رئيس «المؤسسة اللبنانية للانتشار»، والوزير السابق ميشال اده، أكثر واقعية واعترافاً بضرورة العمل الذي بدأته المؤسسة منذ نحو خمس سنوات، ويتلاقى مع هدف مشروع القانون، في الحفاظ على التوزان الديموغرافي، «الذي هو في أساس استمرار البلد وتنوع أهله وعيشهم معاً بسلام»، وفق ما يؤكد اده. وتمـــكنت المؤسسة، وفق اده، من «مـــساعدة نحو ثلاثين ألف مغترب لبناني على استـــعادة جنسيتهم حتى الآن»، مؤكداً أن فريق عمـــلها المنتشر في بلاد الاغتراب يـــساعد المغــتربين المسلمين الذين يلجـــأون إليها أيضاً». ويشـــير رقم المؤسسة المارونية إلى أن العمل في هذا الإطار يؤتي بثماره. ويمنح اقتراح القانون في البند الثاني من مادته الأولى، الحق باستعادة الجنسية لكل «من اكتسب هو أو أحد أصوله الجنسية اللبنانية في ظل قانون 1925 والقوانين اللاحقة له، وأغفل في ما بعد هو أو احد فروعه استعادتها أو المطالبة بها». ويطلب اقتراح القانون من مقدم الطلب باستعادة الجنسية اللبنانية الوثائق الآتية وهي: «قيود لأحوال شخـــصية قديمــــة أو وثائق رسمية متعلقة به أو بأحد أصوله، وقيـــود في سجلات دينية، ووجــــود أقارب له في لبنان أو تملكه حقوقاً عقارية من طريق الإرث». وراء أي مغتربين نسعى؟ إذا كانت الدولة بتمريرها اقتراح القانون هذا تسعى إلى إعادة المتحدرين من أصل لبناني منذ عام 1921 حتى اليوم، أي منذ ما قبل قيام دولة لبنان الكبير، فعن أي أعداد نتحدث، وعن أي لبنانيين نبحث؟ لا يختلف اثنان في لبنان على الحديث عن «ملايين» المغتربين اللبنانيين والمتحدرين من أصل لبناني في العالم. وعلى الرغم من بعض الأرقام الموجودة حول الانتشار اللبناني في العالم، إلاّ أن الخبير في اللجنة الدائمة للسكان الباحث الاجتماعي الدكتور الجامعي علي فاعور، يضحك لدى الحديث عن الإحصاءات في لبنان. يؤكد فاعور أن «لبنان هو البلد الوحيد في العالم من بين 193 دولة منضوية تحت لواء الأمم المتحدة، الذي لا يملك تعداداً رسمياً لعدد السكان، الذي يعتبر اللبنة الأساس في بناء أي دولة». ويشير إلى أن نسبة الخطأ في الإحصاءات في لبنان «لا تقل عن عشرين في المئة، وهي نسبة تضع لبنان في مقدمة الدول التي تفتقر إلى بيانات إحصائية موثقة يمكن الرجوع إليها». ويتفق أبي نصر مع فاعور في مسألة الإحصاءات التي يصفها بـ«التفنيصة»، ليقول إن أعداد المغتربين اللبنانيين من أصل لبناني تصل إلى الملايين. لكن أبي نصر يقلل من أهمية مشروع القانون، خصوصاً لناحية استرجاع المغتربين، والمسيحيون من بينهم، ليقول إن «99 في المئة، لا بل 99,5 في المئة من بين المغتربين لا يهمهم الرجوع إلى لبنان، فقد انصهروا في المجتمعات التي تغربوا إليها، وهم لا يتقنون اللغة العربية وليس لديهم أملاك في لبنان». ومع ذلك يرى أبي نصر أن اقتراح القانون «هو للذين كانوا في أعوام 1921 و1925 و1932 لبنانيين، وفقدوا هوياتهم نتيجة الهجرة، وبالتالي يحق للمتــحدرين منهـــم، وصــــولاً إلى الجيلين الثالث والرابع، طلب استعادتها». ويستشهد أبي نصر، في معرض تقليله من فاعلية مشروع القانون، على الرغم من أنه واضعه والساعي إلى إقراره، بوصف النائبين علي عسيران وأنور الخليل له بأنه «قانون رفع العتب»، ليؤكد أن «واحداً أو اثنين في المئة من الفئة المستهدفة بالقانون قد يطلبون استعادة الجنسية اللبنانية». تاريخ الهجرة... «مسيحي» يتفق فاعور وأبي نصر واده على أن الطابع الأول للهجرة اللبنانية كان «مسيحياً» بالدرجة الأولى. وهو توافق تعززه بعض المعطيات التي نشرها فاعور في مؤلفه «أطلس لبنان» الصادر عن «المؤسسة الجغرافية» عام 2007. ففي معرض عرض مراحل الهجرة في لبنان، المستمرة منذ قرن ونصف القرن، يشير فاعور إلى أن «المرحلة الأولى من الهجرة تمتد من منتصف القرن التاسع عشر حتى بداية الحرب العالمية الأولى في العام 1914. يومها كان لبنان خاضعاً لنظام المتصرفية (1861-1920) حيث شهد بداية قيام النزاعات الداخلية والفتن الطائفية، ما أدى إلى تحريك تيار الهجرة المغادرة من لبنان وسوريا إلى الأميركيتين واستراليا وبعض دول أفريقيا الغربية. وطبعاً، من المعروف أن غالبية المهاجرين كانت من المسيحيين في تلك الفترة. ويحدد فاعور وجهة المغادرين إلى «أميركا الشمالية والبرازيل»، ليؤكد أن الانتشار اللبناني مستمر منذ قرن ونصف القرن. ومن المراحل الخمس للهجرة اللبنانية «شهدت المرحلة الثانية، وفق فاعور، أقسى فترة في تاريخ لبنان الذي تحمل آثار حربين عالميتين: الاولى (1914-1918) والثانية (1939-1945)، وما رافقهما من نزاعات وفتن أهلية أدت إلى تسارع موجات الهجرة إلى الولايات المتحدة الأميركية واستراليا وبعض دول أميركا اللاتينية وأفريقيا الغربية. ويخص فاعور المرحلة الثالثة بصفة «الهجرات الموقتة» (بين 1945-1975) إلى الخليج العربي، كما برزت هجرة الكفاءات إلى الولايات المتحدة ألأميركية واستراليا وبعض دول أوروبا الغربية. وتعتبر المرحلة الرابعة، وفق تصنيف «أطلس لبنان» هي فترة الحرب الأهلية (1975-1990) وتميزت بالهجرات الدائمة التي ترافقت مع الأحداث الأمنية في معظم المناطق وأدت إلى خسارة لبنان أكثر من 850 ألف مواطن، هاجر معظمهم الى أميركا واستراليا ودول شمالي أوروبا. ويرى الدكتور فاعور انه، في نهاية 1987 حدثت الموجة الأكبر من هجرة الشباب والعمال المهرة، حيث تمكن آلاف اللبنانيين من الهجرة على الرغم من القيود الموضوعة على تأشيرات السفر إلى الخارج. ولم تقتصر موجة الهجرة على المتعلمين وأصحاب الكفاءات، بل شملت أيضا العديد من الأسر التي هاجرت بكامل أفرادها إلى ألمانيا الغربية وسويسرا وكندا واستراليا. وإذا كانت النزاعات الطائفية بين أبناء البلد الواحد المسبب الرئيس لموجات الهجرة خلال المراحل الأربع السابقة، فإن الباحث يحمّل في مؤلفه سبب المرحلة الخامسة من الهجرة اللبنانية لـ«الأزمات الاجتماعية والاقتصادية الناجمة عن التهجير الداخلي وهجرة المؤسسات التجارية والانكماش الاقتصادي، بعد انتهاء الحرب الأهلية (1990-2000)، بالإضافة إلى الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة (1993-1996) وشن غارات انتقامية على المنشآت العامة، ما حال دون عودة المهاجرين وجذب الاستثمارات الأجنبية، وأدت إلى انتشار البطالة وتراجع الخدمات وتزايد المديونية العامة. ويقول فاعور ان هذه الأوضاع أدت إلى هجرة ما يقارب 500 ألف لبناني، هاجر معظمهم إلى الولايات المتحدة واستراليا وكندا وفرنسا وألمانيا ودول الخليج. وكحصيلة للاغتراب اللبناني وتصنيفاته الطائفية لغاية عام 1921، ووفقاً لإحصاء لبنان الكبير في العام نفسه، يتبين أن عدد المهاجرين بلغ نحو 135 ألف مهاجر غالبيتهم من المسيحيين (80 في المئة تقريباً) وبخاصة الموارنة (48 في المئة) والـــروم الأرثــــوذكس (26 في المئة)، وهاجر هؤلاء من مناطـــق الكورة وزغـــرتا والمتن وكسروان والشوف وزحلة في البقاع. اغتراب «طبقي» يفسر الوزير السابق ميشال إده مميزات الهجرة اللبنانية من منطلق طبقي: فالكاثوليك والسنة لا يهاجرون كثيراً تاريخياً «لأنهم من الملاكة»، مشيراً إلى «هجرة الفقراء من الموارنة والشيعة والأرثوذكس». ولا ينسى اده ان يلفت إلى أن الهجرة الأولى كانت «من الموارنة والأرثوذكس»، مشيراً إلى أن المسيحيين يندمجون اكثر في محيط هجرتهم، وربما ينقطعون أكثر مما يفعل أبناء الطوائف الأخرى». ويعيد إده انقطاع اللبنانيين عن «توريث» جنسيتهم لذريتهم إلى القوانين التي كانت سائدة تاريخياً في بلاد المهجر، والتي كانت تحظر ازدواجية الجنسية، أي أن اللبناني كان مرغماً على التخلي عن جنسيته لاكتساب جنسية البلاد التي هاجر إليها. ويعيد إده تغير قوانين بعض بلاد الغرب، ومن بينها اميركا مثلاً، إلى ما حصل مع احد الضباط من اليهود الأميركيين الذي حارب في العام 1967 مع إسرائيل. بعد الحرب طلب هذا الضابط الحصول على الجنسية الإسرائيلية فطلب منه الأميركيون ان يتخلى عن جنسيته الأصلية فرفض ورفع دعوى قضائية امام المحــــاكم ليسمح له في النــــهاية بـ«ازدواجية الجنسية»، و«مــــن وقتها اصبح بإمكان بقية المغتربين، ومن بينـــهم اللبنانيون، الحفاظ على جنسيتهم الأصلية». ويتوقف إده عند الصعوبات الجمة التي يصادفها المتحدرون من اصول لبنانية خلال محاولتهم استرجاع جنسية جدودهم او آبائهم، «ومنهم من يبقى خمس او ست سنوات من دون أن يصل إلى نتيجة إيجابية». ويرى إده أن ما يحصل ليس طبيعياً في الوقت الذي جنست فيه الدولة في 1994 الكثيرين ممن لا يستحقون الجنسية اللبنانية. ويعود إده إلى لب الموضوع وجوهره «نحن لدينا مصلحة في إرجاع الجنسية للمغتربين بسبب الخلل الديموغرافي الموجود في التوازن الطائفي في لبنان، حيث لا يتجاوز عدد المسيحيين 34 في المئة رسمياً في السجلات، بينما هو اقل من ذلك على ارض الواقع، ومن مصلحة الجميع أن يبقى لبنان متوازناً، وللمسلمين مصلحة في الحفاظ على المسيحيين ومعهم لبنان». يعود إده إلى الأحداث الأليمة التي مرّ بها لبنان وإلى التقاتل والحوادث السابقة التي كانت تجعل اللبناني يشعر بالخجل من القول انه لبناني، وهو ما أدى إلى تقاعس بعض المغتربين في الحفاظ على جنسيتهم وجنسية أبنائهم. أما اليوم، فقد تغير الوضع، وفق إده، وهناك لبنانيون كثر يرغبون باستعادة جنسيتهم وبتعزيز روابطهم ببلدهم الأم، و«هؤلاء ادخلوا الى لبنان نحو مئتي مليار دولار على مدى مئة عام». وعلى الرغم من تفاؤل إده بتغير الظروف لمصلحة ارتباط اللبناني ببلده اكثر، إلا أنه يشير، وفق معطيات المؤسسة اللبنانية للانتشار، إلى أن «سبعة في المئة فقط من المغتربين اللبنانيين في فرنسا قاموا بتسجيل أولادهم في لبنان»، وفرنسا قريبة إلى لبنان فماذا عن المغتربين إلى ما وراء البحار والمحيطات. ومن خلال عمل المؤسسة المارونية في اوستراليا وكندا والبرازيل والمكسيك والولايات المتحدة الأميركية وأوروبا، خصوصاً فرنسا ذات الانتشار الاغترابي المسيحي البارز، يأمل إده أن يكون هناك من مئتين إلى ثلاثمئة ألف مغترب من اصل لبناني قد تقدموا بطلبات لاسترجاع جنسياتهم، وطبعاً معظم هؤلاء، لا بل غالبيتهم الساحقة من المسيحيين. ويرفض اده إسباغ السياسة على ما يحصل، مؤكداً «ان الأساس هو الحفاظ على التوازنات القائمة في لبنان كما كانت، وهو ما يؤدي إلى دثر التطرف من هنا وهناك، ويحافظ على البلاد». ويذهب إده في حماسته للنظام الطائفي إلى وصفه بـ«الأفضل في العالم» وخصوصاً في بلد غير متجانس كلبنان، فيه 18 طائفة». مشروع القانون الأرثوذكسي «سيئ» في مقابل حرصه على التوازن الطائفي الديموغرافي، ينفي إده تأثير ما يحدث في التوازنات الانتخابية «أنا مع ان ينتخب هؤلاء نواباً من بينهم وفي الخارج ليمثلوهم في مجلس النواب اللبناني». ويرى إده، وعكس الكثير من الفعاليات المسيحية، أن «الحفاظ على المسحيين لا يكون عبر مشروع القـــانون الأرثــــوذكسي الذي هو «سيئ»، مشيراً إلى أن قانون الســـتين هو الذي يحافظ على البلد وعلى حقوق الجميع». 20 في المئة مسيحيون؟ وفي مقابل المتفائلين بمساهمة اقتراح قانون استعادة الجنسية للمتحدرين من اصل لبناني في إعادة التوازن ما بين المسيحيين والمسلمين في لبنان، أو على الأقل في رفع نسبتهم وإن في سجلات القيد، إن لم يتحقق ذلــــك على صعيد المقيمين، يتوقع فاعور أن «تـــكون نسبة المسيحيين في لبنان عام 2050 اقل من عشــرين في المئة». ويبني فاعور توقعـــاته على انخفاض معدلات الخصوبة عنـــد المسيحيين وتراجع النمو السكاني في لبـــناني ولديهم خصوصاً، وعلى كثافة الهجرة المسيحية الدائمة والمقترنة بغالبيتها بعدم العــودة، وهي هجرة إلى بلدان تعـــتمد الهجرة الدائمة وتشجع عليها مثل كندا واوستراليا واميركا وأوروبا. يضيف فاعور عدم الاستقرار في لبنان على الصـــعد الأمنية والســـياسية والاقتصـــادية والاجتماعية إلى أسباب تدني عدد المسيحيين، بالإضافة إلى أوضاع المنطقة المستجدة.