As Safir Logo
المصدر:

ينحاز إلى خصوصية المعنى ومشاعية المبنى

نعيم تلحوق: «الأنا» في داخلي هي «الآخر» في داخل الآخرين

خرجت من المرأة الجسد إلى المرأة المعرفة، الحرية والقضية (فادي أبو غليوم)
المؤلف: حيدر صفوان التاريخ: 2012-02-11 رقم العدد:12107

بعدما صدرت للشاعر نعيم تلحوق مجموعات شعرية عديدة كانت أولاها «قيامة العدم» (1986) وهي القصيدة الأخيرة (1990) ووطن الرماد (1994) «ويغني بوحا» (2005) التي ترجمها سرجون كرم وجويل هولند إلى الألمانية، صدرت مؤخراً «لأن جسدها» عن دار فكر للأبحاث والنشر (2012)، وهي مجموعة شعرية تنسج الصور والمعاني بفلسفة التوصيف «لرفقة الضوء المنتشر حول الهالة التي تجبر الإنسان على أن يكون ذاته» ويضيف تلحوق في مقدمة هذه المجموعة «الشعر خيط رفيع بين ما نحسه ونعرفه وما لا ندركه»، وفي لعبة الظل والضوء تندفع هذه المجموعة في بناء ذاتي يقرن الخيالي بالواقعي، الحركة بالجماد، والنتيجة بالسبب. مع تلحوق كان هذا الحوار: ÷ المجموعة الجديدة قصائد تتضمن نظرتك إلى الحياة الموت، الله، والمرأة. وفي جمعك لهذه الأربعة لم يغب السؤال عن الذات الإنسانية ومعنى كينونتها. وقد اعترفت في مقدمة الكـــتاب بأن الخــــوف الأكـــبر كامن في معرفة الإنسان خفايا ذاته. لماذا هذا الخوف وممن؟ ـ نعم، الخوف الأكبر هو من الإنسان وعلى الإنسان إذا اكتشف أسرار ذاته وخفاياها... وأنا، من بين الأشياء التي تستحضرني، أسجل غياب الآتي لا الماضي البعيد. فالغيب بالنسبة إليّ هو غداً لا البارحة. وأنا هنا أسجل تنبؤ الشاعر أي ما سأعرفه غداً على ضوء ما فهمته أمس. والإنسان يستوي في «الما بعد» لا في «الما قبل». ÷ كأنك في المجموعة تسخّر الوجود كله للمرأة. هل تستحق المرأة ذلك؟ ـ لم أسخر الوجود للمرأة.. بل العكس هو الصحيح. إذ أنا أخاف من الغيب الآتي. من نعيم تلحوق نفسه، وقضية الشعر لا تحتمل الحسابات الرياضية، او الأرقام والمعادلات والنظريات المنطقية.. أنا المنطقي اكتب اللامنطق كي أرى نفسي.. كي افهم العالم من حولي.. والمرأة جزء من المكان الذي لم افهمه. المرأة جزء ملتبس من الكون. بإمكان أي رجل أن يحب ألف امرأة لكن ليس لألف رجل ان يفهموا امرأة واحدة. اللغز هنا. بإمكانك ان تحب امرأة من دون ان تسأل أين وكيف ولماذا.. لكنك لا تستطيع ان تفهم امرأة بدون كيف ولماذا وأين هي؟ أنا هنا أبحث عن نفسي وعلاقتي بالأشياء. وليست «هاء» التأنيث لكلمة «جسدها» مقاربة لجسد المرأة فقط، وانما لكل ما يمكن ان يرتبط بالأنثى كمعنى: الحياة، اللغة، الحرية، الذاكرة، القضية، الهوية، والمعاني الإنسانية. وكأني مطالب أن أرشق (الله) الـ«هو» بسماء (اللات) الـ«هي». ÷ في قصائدك الغزلية ترتقي من الجسدي المادي إلى الروحي العرفاني لا العكس. لماذا تستعمل الغزل وسيلة للارتقاء الروحي؟ بينما يتاح لك هذا الارتقاء عبر مواضيع اخرى غير المرأة. ـ دائما أبدأ بالتعرف على جسدي أولا، ما ألمسه وأراه إلى ما لا افهمه واعيه. نحن لم نعرف العرفان منذ نشوء البشرية، نستعمل هذه الكلمة للبيان. النشوء موضوع مادي والارتقاء موضوع ذهني ومجرد، او ما تسميه أنت روحانياً او عرفانيا، لهذا نحن لا نعرف الله إلا متجسداً، وخير دليل على ذلك اسماء الله الحسنى او افكار الصلب والمعاناة ليتحمل ابن الله العذاب لأجلنا، نـــحن نبحث في ما نعرف ونفهم ونعي.. لنكتب ما لا نعرف ولا نفهم ولا نعي.. العـــرفانية اتصال بياني، لكنه غير واقعي او حقيقي بذاته البـــشرية. العرفاني منعزل عن عالم لا نعيش فيه، لهذا أنا خرجــت من المرأة كجسد لأنيـــط بجسدها دلالات أبعـــد إلى معــرفة اللغة، الحـرية، الذاكرة والهوية والقضية التي نعمل لأجــلها. الجنس ÷ هل تعتبر ممارسة الجنس مع المرأة تدنيساً لها أم تطهيراً لها؟ ـ أنا مع الجسد المستعاد في ذاكرة المعنى. الجنــس احـــدى وسائل التعبير عن قدرة التمـــاهي مع الملموس لأدراك ما هو أعنف من الجنس نفسه، وينـــاط بالجنس أيضاً معرفة الحــضور كي يســتقر على عرش ولادة جـــديدة للفكرة. لا يمكن ان يكون الجنس غير ذي معنى لأنه يجب ان يـــتوافر بشرط الفريقين المزدوج: القبـــول والحضور. لذا، الجنس تطهــير للمرأة وللرجل في آن واحد إذا استقر على معنى. ÷ في قصيدة «أنا» يصــير «الكـــون عليك ثقـــيلا، ولا تسكن الماء إلا عليلا، ولا تعبر العزّ إلا قتيلاً». ما هو تبريرك لهذه النهايات التراجيدية المفجعة التي تلح عليها؟ ـ لماذا تسمي حقيقة الذات البشرية تراجيديا مفجعة. أنا لست نرجسيا أو سادياً. وانما تكمن فكرتي بالقول عما ابحث عنه ليستقيم المدى المعرفي عندي. حين أقول «لا أعبر العزّ إلا قتيلاً» فهذا يعني إصراري على الموت وقوفاً. لأني أحمل في ذاكرتي قضية تساوى وجودي في هذا العالم. وإذا لم احترم خصوصيتي في رؤيتي للأشياء التي تحيط بي، لن احترم أفكار الآخرين. المعيش ÷ لا تتقصد قصائدك الاتصال بالواقع المعيش، بل تهرب منه عبر جاهزية كلام يبدو أنك اعددته سلفا. لكن هناك أمكنة وتفاصيل واشياء تتداخل مع الأنا. و«أناك الشعرية» مبثوثة في كافة القصائد. هل هي نرجسية متفاقمة؟ ـ ليس بالضرورة حين تكون مجابها للورقة البيضاء ان تكون هناك أفكار حاضرة سلفاً. وانما يفرض عليك الحبر أحياناً ان تستخرج من ذاتك بياض الصفحات، حتى لو كان هذا البياض مؤذياً أحياناً للقدرة على الاحتمال. علينا ان نعتبر ان اجمل الشعر أصدقه لا أكذبه. لهذا، أصور نفسي صادقاً واستعين بقدرة الغد على محاكمتي! ولهذا، أنا نرجسي حين يحلو لي الإلهام، وأنا اعتبر كشخص ساذج حين تدركني المحاكمات البوليسية. ÷ دائماً تغدو قصائدك توثيقا شعريا لارتطام ذاتك بالعالم. هل تحاول ان تسترد اللغة أيضاً بوصفها حيزاً أخيراً للدفاع عن ذاتك الشعرية أمام من يستلبها او يصادر لغتها؟ ـ اللغة هي جسد الحياة ووعاء التواصل الإنساني والاخلاقي. فلا يمكن ان اشهر هويتي دون ان أكون واحداً من هذا الجسد وشارباً من هذا الوعاء. ولا يمكن ان اقارع باللغة من خارجها ولا ان احتمي منها ان كنت بعيداً عنها. ولا ان احاكمها إن كنت سجّانها. أنا مع خصوصية المعنى ومشاعية المبنى، كي تدخل إليه جميع الأفكار، الخاصة والعامة، على حد سواء. هذا يتيح لي استقلالية أن اختط لنفسي طريقاً خاصاً في دروب الإبداع. ÷ إلى أين ستنحاز بحساسيتك الشعرية في المستقبل؟ إلى مزيد من الموسيقى في جرس اللغة أم إلى مزيد من هيولانية المعاني التصوفية المضمرة والخارجة عن أي تشكيل أو تأطير؟ ـ سأنحاز بالتأكيد إلى اكتشاف نفسي أكثر فأكثر.. ليس للأدب نافذة واحدة ولا باب واحد.. وقد تكون الموسيقى في روي الكلمات التي تقع في نفسي لتبني عالماً من هرمونات الذات الإنسانية خارج أي نمط لغوي يكبلني ويسجنني. أنا صاحب مقولة تؤكد حقيقة ان «الأنا» في داخلي هي «الآخر» في داخل الآخرين وبالتأكيد. ÷ لخص لنا باختصار تأثير الفلسفة وانطون سعادة على شعرك. ـ في سن الثالثة عشر بدأت قراءة الفلسفة حتى سن التاسعة عشرة. فولد فيّ سؤال (لماذا). وبعد التاسعة عشرة قرأت الأدب ومجاميع الفنون والأفكار. وجدت بعدها ان من الضروري على الشاعر ان يسأل (كيف ولماذا). فتداخل الشعر بالفلسفة. إلى وقت وجدت فيه ان مصلحاً اجتماعياً واحداً ومتمردا ثوريا عرّفني على هويتي الاجتماعية وهو انطون سعادة. فاستقام الوزن حين لاح المشروع الفلسفي الرؤيوي والأدب الجمالي والاجتماعي والسياسي الذي لم أزل اعتد واعتز بالعمل في سبيله... ÷ كيف ترى تأثير الانترنت على حركة الشعر الحديث، وتحديداً على شعرك؟ ـ الإنسان الآلي مهزوم قطعاً امام الانترنت بسبب عجزه عن فهم طبيعة الاختراع العلمي الذي ظهر قبل عشرين عاماً، لكنني كإنسان بلا آليات مبرمجة تتحكم بأنشطته وحواسه، قررت ان استفيد من الانترنت قدر المستطاع لكنني لن أسمح له ان يبتلعني. لهذا أستخدم الانترنت للبحث عن شيء ضائع ولا أجعله يبحث في داخلي ليضيّعني. حاوره: صفوان حيدر

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة