As Safir Logo
المصدر:

50 سنة على تأسيس «المنظمة الدولية للإعلان» ـ لبنان

قطاع الإعلانات: مصدّر إلى الدول العربية وأبرز تحدياته الانترنت

المؤلف: سمعان مادونا التاريخ: 2012-02-07 رقم العدد:12104

ما كان آدم وحواء ليخرجا من الجنّة لولا امتثالهما للإعلان الذي بادرهما به الشيطان يومها. استخدم الحوار والتفاحة وكان ما أراد. بعد الشيطان تعددت أساليب الإعلان والوسائل المعتمدة له، وكثر المعلنون، ولو أنهم ليسوا جميعهم شياطين. فيما بقي الهدف من الإعلان واحدا، منذ أيام آدم وحواء، تحقيق الربح أو المكسب، لا بل أكثر ما يمكن من الربح وغاية المكسب. مرّت صناعة الإعلانات في العالم بمراحل متعددة، وقد تطور القطاع في الشكل كما في المضمون، حتى أصبح في بعض البلدان المتقدمة سلطة ذات سيف مصلت على رؤوس المؤسسات الإعلامية. وبات كبار المعلنين يتحكمون بالمنتج الإعلامي، أي بمضمون المقالات أو البرامج... مهددين، في حال عدم الامتثال، بسحب إعلاناتهم أو بتخفيضها. اليوم، قد يكون صحيحاً ما بدأت تتداوله بعض الأقلام المحللة في هذا الشأن، التي تعتبر أنه مع الإعلام الاجتماعي المتمثل في مواقع التواصل الاجتماعية عبر الانترنت، ما عاد بإمكان المعلن أن يفرض المضمون الذي يبغيه، لأننا نتحدث عن ملايين الممارسين للعملية الإعلامية. لكن ذلك لن يضعف من قوة الإعلان وتأثيره على حياة الفرد بشكل يومي، خصوصاً أن العقل المعلن وجد طرقاً جديدة للإعلان متخطياً وسائل الإعلام والاتصال على اختلافها، من استخدام الكوبونات وأسلوب العروض الذي يجمع مُنتجين... وغيرها من الأساليب، بحيث انتفت حاجة الإنسان إلى التفكير بماذا يأكل أو يشرب أو يلبس أو أين يتنزه... لأن الجواب عبر الإعلان يأتيه من كل حدب وصوب. منذ أيام احتفلت «المنظمة الدولية للإعلان» بذكرى تأسيسها الخمسين في لبنان. وقد انطلق الفرع في العام 1961 كواحد من أوائل فروع المنظمة. يومها كان القطاع الإعلاني في لبنان في عصره الذهبي، كما جاء في الكتاب الذي أعدته المنظمة للمناسبة بعنوان «لبنان يتواصل». لكن لبنان الذي يعدّ الأفضل في المجال بين البلدان العربية، بحسب النقاد، لم يشبه مساره الإعلاني ذاك العالمي، بحيث لم يكن للمعلنين «ثقلهم» في المجال الإعلامي، لا سيما أن بعض وسائل الإعلام اللبنانية «تعيش» بفضل مساهمات بعض المتمولين أو السياسيين. لا يعني الاختلاف في ممارسة السلطة على الإعلام، أن القطاع الإعلاني اللبناني لم يكن مواكباً للتطورات الطارئة على القطاع في العالم، أي كل ما يختصّ بالتكنولوجيات المستخدمة والأفكار المسوّقة أو المنتج الإعلاني بالمجمل. إذ كان وما زال القطاع الإعلاني اللبناني مواكباً لمسار القطاع عالمياً، ولو أن أبرز مشاكله تتأتى عن وسائل الإعلام نفسها. بين الماضي والحاضر تأسست أول شركة إعلان في لبنان في العام 1935 على يدّ فؤاد فرعون، وكانت تهتم كما الشركات التي تأسست بعدها في هذه الحقبة بتصميم إعلانات للصحف - القليلة وقتها - كما لدور السينما، بحسب نقيب شركات الإعلان جورج جبور. وانتقل المعلنون إلى حقبة الإعلان المتلفز في العام 1959، مع انطلاق «تلفزيون لبنان». حينها كانت الإعلانات المتلفزة عبارة عن لوحة مكتوب عليها مضمون الإعلان، أي «reclame». ثم تحوّلوا إلى إنتاج فيلم تلفزيوني دعائي، ليشهد لبنان أولى حقباته الذهبية في المجال. ولعلّ الحرب التي كانت نقمة على اللبنانيين، حلّت نعمة على القطاع الإعلاني بانطلاق عدد من المؤسسات الإعلامية، لا سيما الإذاعات ومحطات التلفزيون. وقد شهد لبنان عصراً ذهبياً آخر، كما يفيد جبور، في أوائل التسعينيات مع توقّف القصف وانتهاء الحرب. ثم أطلت الألفية الثالثة، ومعها تكرّس الإرباك على الساحة الإعلانية، مع تعدد وسائل الإعلام والاتصال، وتطوّر الإعلام الرقمي وتنوّع الجمهور. يعتبر جبور أن حالة الإرباك تلك بحاجة إلى إعادة تعريف أو وضع أطر جديدة للمسائل التي تتعلق بالإعلان والإعلام على حدّ سواء، لا سيما مع تحولهما إلى أكثر تخصصية. إذا تصفّح القارئ كتاب المنظمة، يجد أن حقبة الستينيات والسبعينيات شهدت إعلانات فيها جرأة أكبر من تلك التي نشهدها اليوم، من دون أن تكون مذلّة للمرأة أو مستخفة بعقل الرأي العام أو غير «مهذبة»... حتى أن جسد المرأة كان يصوّر عارياً، وذلك سواء للإعلان عن ماركة ثياب داخلية أم عن ورق للجدران. بهذا الخصوص يلفت رئيس المنظمة ناجي بولس الى أن صورة المرأة لطالما كانت مستغلّة في الإعلان «لكن اليوم يتم استخدامها بشكل عاطل ومسيء». وفي مقارنته للقطاع بين الأمس واليوم، يذكر سلسلة محظورات، برزت عبر الممارسة أو بفعل الرقابة، أولاها امتناع شركات السجائر بالإعلان عنها، في ما خلا بعض الاستثناءات «وهذا بإرادة خاصة منها، تلافياً للحملات ضدّها». كما شهدت الساحة الإعلانية قبل عقود نوعا من الإعلان من خلال المقارنة، أي ما يعرف بـ« comparative advertising»، حين يقارن منتج بمنتج آخر واضح ومحدد. وقد حاولت إحدى شركات الإعلان اعتماد هذا الأســلوب في تصميــمها إعــلانا عن نــوع من الصابون، لكن طُلب منها إيقاف بثه. ويعلّق بولس بأنه ما من قانون يمنع هذا الأسلوب من الإعلان بل عرف بين المؤسسات المعلــنة كما شركات الإعلان. إلى هذا يشير إلى ضرورة السماح بالإعلان عن الأدوية، لا سيما تلك التي يمكن بيعها من دون وصفة طبيب، الأمر الذي كان مسموحاً في الستينيات والسبعينيات. على إيقاع العرف والقانون تلعب شركات الإعلان، لكن هذا لا يعني أنه «ليس لدينا معاركنا» كما يقول جبور، مضيفاً ان أهل القطاع يدركون كيف يذللونها، على الرغم من أنهم دائماً يأملون الوصول إلى اليوم الذي لا رقابة فيه على مصمم الإعلان إلا رقابته الذاتية، علماً بأن المراقبة المسبقة في لبنان تمارس على إعلانات التلفزيون ولوحات الطرقات من قبل الأمن العام، الجهة التي لا يعتبرها أهل الإعلان مخوّلة بتقييم المنتج الإعلاني. مشاكل القطاع لعلّ أكبر المشاكل التي يواجهها القطاع الإعلاني في لبنان هي غياب الرقم. فلا أرقام دقيقة حول عدد السكان، ولا حول أوضاعهم الاجتماعية أو الاقتصادية أو غيرها... فالمطلوب دراسات صحيحة ودقيقة تساعد المعلن والشركة المعلنة في البحث عن المكونات والوسائل التي من شأنها إنجاح إعلانهما. تلك المشكلة التي يمكن لقطاعات أخرى أن تتخطاها، تبدو حجر عثرة في وجه القطاع الإعلاني، ولو أنه يواجه سلسلة مشاكل أخرى خاصة بكل وسيلة من الوسائل الإعلامية. ويشير نائب رئيس «المنظمة الدولية للإعلان»، ومدير شركة «برس ميديا» ناجي عيراني الى أن أكبر المشاكل تكمن في الفوضى التي تطال اللوحات الإعلانية، «فالطريقة الموضوعة من خلالها على الطرقات لا تحترم المعايير الدولية، ولا حتى السلامة العامة، كما هي مشوهة للبيئة وتؤذي الرسالة المبتغاة منها». اما في ما خصّ التلفزيون، فنسبة الإعلانات وقيمتها لا تلبي الإنتاج، او لا تساهم في تطويره وتحسينه، بحسب عيراني. كما أن المعلنين في لبنان لا يؤمنون بآلة قياس نسبة المشاهدة «telemeter» التي من شأنها إرشاد المعلن إلى البرامج الأفضل لإعلانه. لا يرى مدير «برس ميديا» أن الصحف المكتوبة إلى زوال مهما زادت القراءة عبر الانترنت، لكنه يلفت إلى عدة مشاكل لا بدّ من تذليلها لجذب عدد إعلانات أكبر. فهو يرى أن الطباعة بالأسود والأبيض تعيق الابتكار لدى مصممي الاعلانات، ويوصي بتغيير مضمونها من مقدّم للخبر إلى محلل له، لأن وسائل الإعلام الأخــرى أســرع منها في الإعلان عن الخبر، لا سيما أنها أصلاً لا تجذب إعلانات المنتوجــات المستهلكة بكثرة «fast moving consumer goods»، كمساحيق الغسيل والمشروبات الغازية وغيرها. إلى هذا يعتبر عيراني أن الترخيص العشوائي للمجلات هو اكبر عدوّ للجدية منها، خصوصاً أن من بينها من يحاول «كسر» أسعار الإعلانات لجذب عدد أكبر منها وتشتيت المعلن، الأمر الذي أثر سلباً على القطاع. وهو يشرح أن الإعلان في غير محلّه يعني تبذيراً للمال وإضعافا للقطاعين الإعلامي والإعلاني. في العالم، بدأ القطاع الإعلاني يتطور عبر الإنترنت، لكن لبنان لم يواكب هذا التطور بعد، والأسباب تعود إلى مشاكل الإنترنت التقنية في لبنان. مع ذلك فقد بدأت بعض شركات الإعلان باستخدامه كوسيلة إضافية أمام المعلن. يؤكد عيراني أنه قطاع بدأ ينمو، على الرغم من أن هيكلية وأسلوب الإعلان عبر المواقع لم تتبلور بعد عند المعلنين، حتى أولئك الذين يطلبونها لإعلاناتهم. على الرغم من تلك المشاكل يجمع كل من جبور وبولس وعيراني على أن القطاع، لناحية التصــميم والتــسويق، هو الأفضل في العالم العربي، مع توفر كل العناصر المطــلوبة لتنفــيذه ســواء الطبيعة اللبنانية، والقدرات الانتاجــية والإبداعية لمصممي الإعلانات ومروحة كبيرة من الوجوه التي يمكن استخدامها فيها ... لذلك تستورد الدول العربية الإعلانات وصانعيها من لبنان. وهذا ليس إعلانا عن القطاع في لبنان بل حقيقة وواقع.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة