As Safir Logo
المصدر:

أنجز ألبومين ونال جائزة.. وأحيا أمسية في «دوار الشمس»

باسل رجوب: أتمنى أن أكون في سوريا

المؤلف: ونوس ديما التاريخ: 2012-02-06 رقم العدد:12103

في كل مرة ألتقي باسل رجوب، يدهشني فيض الحزن المتدلي من عينيه. ولحزنه عمر يفوق عمره. حزن عميق، غزير، كثيف، لا يخفت ولا ينوس حتى عندما يبتسم. حتى عندما يعزف مغمض العينين، يتسرب ذلك الحزن بوضوح. حتى عندما راح يمازح الجمهور يوم أول من أمس، على منصة مسرح «دوار الشمس»، كان حزنه يهرب من بين الكلمات. وكأنه يحمل في روحه أرواحاً أخرى، يعيش أكثر من حياة. ربما لأنه كما يقول مولعاً بالدمج بين الموسيقى الإيرانية والتركية والأرمنية والسورية. وذلك الدمج كان خياراً صعباً بالنسبة إلى باسل. خاصة أنه متأثر بالموسيقى الحلبية، سيدة الموشحات منذ انتقل إليها هذا الفن من غرناطة الأندلس. يرى باسل أن الموسيقى الحلبية مختلفة تماماً عن باقي أنواع الموسيقى. حتى طريقة الارتجال فيها مختلفة. ما بال إن اختار للموسيقى المختلفة تلك، آلة «الساكسوفون» التي لم تصمم أصلاً للموسيقى الشرقية؟ يقول باسل، إن هذا الأمر يحتاج إلى جهدٍ أكبر بكثير. لم يعثر باسل بعد على أسماء لكل مقطوعات ألبومه الجديد «آسيا». وشعرت بأن المقطوعات التي قدّمها للجمهور للمرة الأولى مساء أول من أمس، والتي لا تحمل أسماء محددة بعد، ربما تنتمي إلى زمن الثورات العربية. ثمة حالة غضب واحتجاج ورفض وتمرّد. ثمة إيقاع حاضر وقوي، يسيل من المنصة إلى الجمهور. عازفو الإيقاع والقانون والكونترباس، كانوا وكأنهم يمهّدون الأرض ليثور «الساكسوفون». يطلقون إيقاعات هادئة ومحددة ومكرّرة، يشجعونه، يمسكون بيده، يحتفون به وبثورته. «مع بداية الثورات، اشتغلت على ألبومي الجديد «آسيا» وهو من إنتاج شركة لبنانية جديدة إسمها «Blue Lyme». ومع أن الألبوم أنتج تزامناً مع تلك الثورات، إلا أنني فضلت الابتعاد عن هذا الموضوع. لأن ثمة جهة ما تموّل مشروعي. وبالتالي، المشروع ليس مستقلاً وليس خاصاً بي وحدي». أسأله عن الإحساس بالعجز. الصحافي يكتب مقالة واضحة يثور عبرها أو يستسلم. المصوّر يختار لقطة محددة. يختارها أو يخلقها، لا فرق. الشاعر والروائي والمسرحي وحتى المغنّي. بينما يقف الموسيقي على المنصة، يعزف ويعزف وقد يبكي أو يضحك، بينما لا تصل إلى الجمهور الأحاسيس ذاتها. مثلما يحدث في الكوابيس عندما نصرخ ويبقى الصوت مكتوماً، عاجزاً عن الخروج. وأتساءل كيف يستطيع الموسيقي أن يعبّر بوضوح؟ يجيبني باسل: «ثمة مقطوعة في الألبوم الآخر، إسمها «ثائر». لا علاقة مباشرة تربطها بما يحدث في سورية. لكن العنوان يعطي إيحاء ما. وثمة مقطوعة أخرى من التراث الدرعاوي «من مفرق جاسم للصنمين». وأيضاً هي مجرد موسيقى بدون كلمات. لكنني أعبّر من خلالهما عن غضب يغلي في روحي». القمع والتعذيب من جهة أخرى، يفضل باسل التريث قليلاً. فالمشكلة برأيه لا تكمن في الأشهر الأخيرة. يرى أن جيله عاش سنوات طويلة من الدمار في مجتمعات متلاشية. كما أن «المباشرة» صارت مستهلكة بموضوع الثورات. هذا ما دفعه إلى مشروع ثالث سيبدأ التحضير له قريباً. وهو منحة خصصتها مؤسسة «آفاق» لرعاية مشاريع تدور حول الثورات العربية. «سأقوم بتلحين قصائد للشاعر أحمد مطر وسيغنيها ريبال الخضري. القصائد السياسية تلك، كتبها مطر قبل زمن بعيد لكنها تلامس ما نعيشه الآن على أرض الواقع. يتحدث فيها عن القمع والتعذيب والتسلط. عن الشعوب المقهورة. وقد اخترنا مطر تحديداً، كي ننجو من المباشرة في طرح قضيتنا». الجمهور كان مزيجاً متنوعاً يشبه مقطوعات باسل، سوريين ولبنانيين وأجانب، صغاراً وكباراً. ومن بين الحضور، كانت أميمة خليل. سبق أن لحن لها باسل أغنيتين من ألبومها الجديد، سيصدر قريباً، واحدة للشاعر السوري هاني نديم، وأخرى من «أنتولوجيا الشعر السوري». إضافة إلى مــشروع ألبوم كامل لخليل من كلمات هاني نديم وألحان وتوزيع باسل رجوب. يقف باسل على المنصة، وقفة الاستعداد. قدماه مضمومتان، مغمض العينين ومستغرقاً. شيئاً فشيئاً، تدخل إيقاعات «الساكسوفون» إلى مساماته، فترتخي عضلاته. يمشي على المنصة، يمتلكها للحظات ثم يمنحها لفراس شهرستان عازف القانون وإيلي عفيف عازف الكونترباس وخالد ياسين عازف الإيقاع. وفي اللحظات القليلة التي يمتلك فيها باسل المنصة، يتحول «الساكسفون» بين يديه، إلى كل الآلات الشرقية مجتمعة. ينفخ به، فيبث فيه حيوات أخرى، تركية وأرمنية وإيرانية وسورية. يصبح «الساكسوفون» آلة شرقية بامتياز. يمعن باسل في حالة من الطرب. حتى نسمع أحد الحاضرين يصرخ: آه. ضجيج الحياة يشاركنا باسل الإحساس بمقطوعاته. يخبرنا عن تلك المقطوعة التي ألّفها لناديا بائعة الزهور العجوز التي تتجول في شارع «الحمرا» ليلاً. وعندما بحث عنها لاحقاً ليقول لها إنه يهديها ألبومه الجديد، اختفت ولم يعثر عليها. وتلك المقطوعة تحديداً، كانت تشبه بائعة الزهور إلى حدّ بعيد. أو أننــي تخيلتها كذلك. تنتمي إلى التراث الأرمني الحزين. صخـــب القانــون والكونترباس والإيقاع، كأنه ضجــيج الحياة والعجقة التي يحدثها السكارى في الشــوارع وحول الحانات، بينما تمرّ ناديا على إيقاع «الساكســوفون» بتمهل، بمشيتها العجوز المتراخية، حاملة رزمـــة الورود ومزاح الرجال السمجين في هذه الساعة المتأخرة من الليل. مقطوعة أخرى تحمل عنوان «14 November»، يهديها باسل إلى امرأة التقاها للمرة الأولى في ذلك التاريخ. يقول إنه لا يعزف على الغيتار ليمثل الحالة الرومانسية التقليدية، حتى ولا على البزق. لذلك ترك المهمّة للقانون. كمن يطلب من صديقه الشاعر أو الموهوب أن يكتب له رسالة غرامية لامرأة يحبها. راح باسل يتفرّج في هذه المقطوعة تحديداً على فراس شهرستان وهو يعزف على القانون رسالة لحبيبة صديقه. «لم أكن أفكر في المجيء إلى بيروت قبل سنتين ونصف». يقول باسل. المهم كان بالنسبة إليه هو أن يخرج من سوريا ليحقق مشروعه. رحل هرباً من الأخطاء الفظيعة التي تقضي على مشاريع الشباب في سوريا. «كل مدير جديد في دار الأوبرا مثلاً، يقيم دستوراً جديداً للمكان الذي يديره. فنبدأ مشروعنا من الصفر وكأن شيئاً لم يكن». يصمت باسل للحظات ثم يضيف بنبرة حزينة: أنا أنتمي إلى سوريا وأتمنى أن أكون هناك. لكنني حاربت بما فيه الكفاية. لم أقدم نفسي يوماً إلا كموسيقي سوري. عندما جئت إلى بيروت، قدمّت صورة جديدة للشباب السوريين تلغي الصورة النمطية والمحدودة التي كانت تلاحقهم. في البداية، وجدت صعوبة بإقناعهم بأنني لست عاملاً ولا عسكرياً. وبأنني لا أحمل في روحي عسكريا صغيرا قد ينفجر في أي لحظة. لكنني اكتــشفت مع مــرور الوقت أنني في مواقف كثيرة، ألقى هنا معاملة أفضل مما لقيته في سوريا. أسأله عن فترة وجوده في دمشق. وعن مشروعه الناجح مع المغنية السورية لينا شماميان. يرى الكثيرون أن باسل رجوب هو من «صنع» لينا شماميان ومع ذلك حصدت وحدها الشهرة، بينما كان باسل كالجندي المجهول في مشروعهما المشترك. يقول باسل: «الجمهور في بلادنا، لا يرى إلا المغني. لا يرى العازف أو الملحن أو المنتج. عملت مع لينا لسنوات. أنجزنا ألبومين وحصلنا على جائزة راديو مونت كارلو للموسيقى عام 2006. وعلى الرغم من ذلك، كان عليّ أن أشرح للناس أنني موجود. أن أدافع عن وجودي كموسيقي وملحّن ومدير لتلك الأعمال». يحين موعد المقطوعة الأخيرة في حفلته يوم أول من أمس. يختارها باسل بدقــة مفرطة. كانت دعوة للفرح. أو أنها اعتــذار من الجمــهور عن جرعة الحزن والوجع التي رافقت معظم مقطـــوعات الحفلة. يلملم العازفون آلاتهم. يحيّون الجمـــهور الذي صفق طويلاً. يرحلون إلى مشاريعهم الجديدة. إلى أوطان غريبة، قد تكون الموسيــقى هي انتماؤهم الوحيد فيها. وننتظرهم من جديد.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة