As Safir Logo
المصدر:

المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء: قانون وفاقي يندثر (21) المشروع الأساسي أعده إميل تيان في عهد شارل الحلو نواب الطائف اتفقوا عليه لئلا يبقى مسؤول فوق القانون

المؤلف: خشان فارس التاريخ: 2000-02-28 رقم العدد:8538

فجأة... وبعد عشر سنوات على اقراره في جلسة تاريخية لمجلس النواب، تحوَّل قانون اصول المحاكمات امام المجلس الاعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء، الى نص غير مفهوم قضائيا، وإذا ما فسر على اساس يمكن ان يخدم من تتم ملاحقته، يتحوَّل فجأة الى نص مخالف للدستور يقتضي اهماله وعدم التقيد بأحكامه. هذا الكلام يمكن استخراجه فورا من »الحيثية القانونية« التي وردت في قرار قاضي التحقيق الاول في جبل لبنان جوزف القزي الصادر في الدفوع التي قدمها المحاميان سليم عثمان وصلاح الدين دباغ بوكالتيهما عن الوزير السابق فؤاد السنيورة. وجاء في تلك الحيثية: »وحيث إذا كان قانون انشاء المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء الصادر بتاريخ 18/8/1990 تضمن عبارات يمكن ان تفيد عن وجود صلاحية جزائية لهذا المجلس، ان على صعيد الاتهام او التحقيق أو إصدار مذكرات جلب وإحضار وتوقيف وما الى ذلك، الا انه ليس في القانون المذكور نص واضح يؤكد إرساء الصلاحية الجزائية للمجلس الأعلى لا سيما بالنسبة للجرائم العادية التي يرتكبها رئيس مجلس الوزراء والوزراء، ويمكن اعتبار انه يشكل تعديلا للأحكام الواردة في المادتين 60 و70 من الدستور، والتي سبق بيانها«. وإذا كان لا يحق للقاضي العدلي ان ينظر في مدى دستورية القوانين التي تصل إليه لتطبيقها، إذ ان هذه الصلاحية تمّ حصرها بالمجلس الدستوري (»السفير« 25 شباط 2000)، الا ان هذا الاتجاه القضائي يتلاءم مع نظرة السلطة التنفيذية الى هذا القانون من خلال موافقتها على مشروع قانون لتعديل القانون القائم جذريا سبق ان اعده وزير العدل جوزف شاوول، بعد وصوله الى هذا المنصب السياسي. وقد اعاد هذا القرار تسليط الاضواء على وظيفة المجلس الاعلى والاسباب التي دفعت بداية واضعي الدستور الى التشديد على وجوده وشجعت، لاحقا، المشترع اللبناني على وضع اصول المحاكمة له. ولا يمكن التوصل الى تحقيق هذه المعرفة، الا بالرجوع الى المستندات التي كانت تعبّر، في زمن الحيادية السياسية، عن نية المشترع الحقيقية. وكان من الملاحظ ان جميع القضاة الذين وضعوا ايديهم على مسألة ملاحقة الوزراء، منذ 4 آذار 1999، تاريخ توقيف الوزير السابق شاهي بارسوميان بأفعال مكنته منها وظيفته الوزارية، سعوا الى تفسير المادتين 60 و70 من الدستور وفق منطوق المقارنة بينهما والارتكاز على بعض المؤلفين القانونيين الفرنسيين ولكن من دون التحري عن نية المشترع اللبناني المثبتة في محاضر يمكن الرجوع إليها والاسترشاد بها. تأسيساً على ذلك، كيف كان يفهم المشترع اللبناني التعابير المفاتيح التي وردت في المادتين 60 و70 من الدستور، أي خرق الدستور والخيانة العظمى والإخلال بالموجبات المترتبة على رئيس مجلس الوزراء والوزراء، وبالتالي كيف كان ينظر الى وظيفة المجلس الاعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء وما هي الجرائم التي اناطها به ووفق أي اصول؟ المشروع الحلم كان إقرار قانون اصول المحاكمات أمام المجلس الاعلى حلما يراود الحركات الاصلاحية السياسية، منذ فجر الاستقلال، باعتبار ان وجود المواد 60 و70 و71 و80 من الدستور المتعلقة بمحاكمة الرؤساء والوزراء تعطل مساءلة هؤلاء وتجعلهم فوق القانون. وهذه المواد الدستورية كانت تفهم آنذاك وحتى عام 1999، على انها تعطي رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء والوزراء حصانة طبيعية تقيهم المساءلة امام القضاء العدلي المرتبط بالسلطة التنفيذية، وتفرض ان يحاكموا امام قضاء خاص فيه السياسيون (7 نواب) وفيه القضاة (8 قضاة). وتنطلق نظرية »القضاء السياسي« للسياسيين من فلسفة النظام القضائي اللبناني الذي اوجد للقضاة محاكم خاصة بهم وللعسكريين محاكم خاصة بهم وكذلك للإداريين... فالقضاء العسكري لا يحاكم على الجرائم العسكرية وإنما يحاكم العسكريين على ما يقترفونه من جرائم وكذلك المحاكم الخاصة بالقضاة، فهي لا تحاكمهم على جرائم قضائية وإنما على جرائم اقترفوها... وبقي هذا الموضوع عند نقطة المطالبة الى ان جاءت حكومة الرئيس الشهيد رشيد كرامي في عهد الرئيس شارل الحلو التي ارسلت الى مجلس النواب في 25 آذار 1966 مشروع قانون يتعلق بأصول المحاكمات امام المجلس الاعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء اعده آنذاك وزير العدل اميل تيان الذي كان سابقا رئيسا لمجلس القضاء الاعلى وقدم استقالته، عندما ضغط عليه من اجل ان يدعو لجنة العفو، عام 1949، ليلا، من اجل التصديق على حكم الإعدام الصادر بحق زعيم الحزب السوري القومي الاجتماعي أنطون سعادة. وكان واضحا في الأسباب الموجبة التي أرفقت بالمشروع انه يهدف الى الاصلاح السياسي. وقد نصت هذه الاسباب على ثلاث مسائل معبرة. أولاها »انه يفسح المجال لتثبيت مسؤولية رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء والوزراء بصورة فعالة، كما انه يزيد حلقة من حلقات العمل الاصلاحي الذي نهجت عليه الحكومة بالتعاون مع مجلس النواب، وثانيتها »كي لا يبقى رجل الحكم بمنجاة من سلطة القانون، بل يسأل عن افعاله، كما يسأل عنها المرؤوس وكل من يسهم في سير الحياة العامة«، وثالثتها »ان المشروع يرمي الى ان يؤمن عدالة سياسية منصفة هادئة تتفق والروح اللبنانية ومقوّماتها«. صحيح ان هذا المشروع نام في الادراج حتى عام 1973، الا انه كان الورقة الرسمية الأم التي استند إليها جميع المشترعين للبحث في موضوع المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء. تعديل 73 و88 وعام 1973 حرّكت لجنة الادارة والعدل برئاسة لنائب ناظم القادري وبتحريض من مقررها النائب اوغست باخوس، هذا المشروع، وتشكلت لجنة فرعية ضمت كلا من العلامة ادمون رباط والياس حسواني وآخرين، فأدخلت بعض التعديلات على مشروع قانون 1966 من دون ان تمس بفلسفته وأبعاده بدليل ما ورد في أسبابها الموجبة: »... وكي لا يبقى رجال الحكم بمنجاة من سلطة القانون بل يسألون عن افعالهم وتجاوزاتهم كما يسأل عنها المرؤوس وكل من يسهم في سير الحياة العامة«. الا ان الحرب التي عاشها لبنان، ابتداءً من العام 1975، جعلت هذا المشروع منسيا الى ان اعيد البحث فيه في آخر 1987 حين شكل رئيس المجلس آنذاك حسين الحسيني لجنة مصغّرة برئاسة نائب رئيس المجلس آنذاك الدكتور ألبير مخيبر التي انتهت من بحثها في السادس من كانون الثاني 1988، وأدخلت تعديلات بسيطة على مشروع 1973 ولكنها ابقت على روحيته وشكلت القاعدة الأم للقانون الذي سيصدر في 18 آب 1990. وقد حمل النواب هذا الموضوع معهم الى مدينة الطائف السعودية وجعلوه بندا أساسيا من بنود »وثيقة الوفاق الوطني« بهدف التأكيد على امكان المحاكمة في الفضائح التي قيل فيها الكثير، أثناء عهد الرئيس امين الجميل. وبالفعل فإن »وثيقة الطائف« نصت في البند المتعلق ب»المحاكم« من باب »الاصلاحات الاخرى« على الآتي: أ ضمانا لخضوع المسؤولين والمواطنين جميعا لسيادة القانون، وتأمينا لتوافق عمل السلطتين التشريعية والتنفيذية مع مسلّمات العيش المشترك وحقوق اللبنانيين الاساسية المنصوص عليها في الدستور: 1 يشكل المجلس الأعلى المنصوص عنه في الدستور ومهمته محاكمة الرؤساء والوزراء، ويُسن قانون خاص بأصول المحاكمات لديه«. وقد اتى هذا النص ترجمة مباشرة للمادة السابعة من الدستور التي تنص على الآتي: »كل اللبنانيين سواء لدى القانون وهم يتمتعون بالسواء بالحقوق المدنية والسياسية ويتحملون الفرائض والواجبات العامة دونما فرق بينهم«. »جلسة تاريخية« وإنفاذا للإصرار النيابي في الطائف، التأم مجلس النواب في ساحة النجمة في 25 تموز 1990، أي قبل إقرار التعديلات الدستورية (21 آب 1990) وقبل الإطاحة بالعماد ميشال عون (13 تشرين الأول 1990)، ووضع نصب عينيه ضرورة إقرار مشروع قانون اصول المحاكمات امام المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء، وتم اقراره بمادة واحدة بموافقة جميع النواب باستثناء النائب نصري المعلوف الذي امتنع عن التصويت، بعدما كان قد اعترض على الإبهام اللاحق ببعض العبارات ك»الخيانة العظمى«. ومهما يكن من امر، فإن النواب انفسهم، وقد أتوا من مدينة الطائف، وقبل ان ينسوا ما تداولوا به وما اتفقوا عليه، وضعوا القانون الرقم 13 الصادر في 18 آب سنة 1990. وكان الرئيس حسين الحسيني قد أكد ان هذا الموضوع قد نوقش مطولا في الطائف، عندما رد على اعتراض النائب نجاح واكيم على محاكمة الرؤساء والوزراء امام المجلس الأعلى بعد ملاحقتهم في مجلس النواب واشتراط موافقة الثلثين للاتهام في حين ان الثقة التي تفترض نسبة اقل بالكاد سحبت في المجلس. قال الحسيني في جلسة تعديل الدستور، حول ما طرح عن المادة 70 من الدستور: »حضرة الزميل، انت تعرف ان هذا الموضوع قد نوقش كثيرا في الطائف، ومسألة نزع الثقة مختلفة تماما عن مسألة اتهام مسؤول وإرساله امام المجلس الاعلى، لأنه سيترتب على ذلك احكام شديدة الخطورة، ومن اجل ذلك يتطلب الاتهام هذا العدد الكبير«. ماذا يعني كل ذلك؟ في الواقع، بعد عشر سنوات على وضع قانون اصول المحاكمات امام المجلس الأعلى الذي درس مطولا، أي منذ عام 1966، بات الاعلان عن عدم دستوريته أمرا مستحيلا، لأن هذه الصلاحية غير معطاة للقضاء العدلي، ولأن المجلس الدستوري لا يستطيع النظر في القوانين التي سبقت إنشاءه. كما ان القاضي العدلي، إذا ما شاء تفسير المواد 60 و70 و71 و81 من الدستور، فإن عليه حتما العودة الى ما أراده المشترع، عند تصديق الدستور، او عند وضع القانون المنفذ لها، باعتبار انه يحمل بذاته التفسير النيابي له بموجب قانون. اكثر من ذلك، فإن اقرار المشترع لقانون المجلس الاعلى هدف اولا الى جعل جميع اللبنانيين متساوين امام القانون والى استكمال ورشة اقامة مؤسسات المساءلة. ويصبح بالتالي الالتزام بمبدأ قيام دولة القانون، التزاما بالقوانين المرعية الاجراء، وليس القفز فوقها لتطبيق نهج جديد، لأن هذا الاسلوب يحمل خطرا كبيرا على استقرار المجتمع ويفتح المجال امام انتقامات سياسية نعرف أين تبدأ ولكن بالتأكيد نجهل أين تنتهي، خصوصا ان »الدنيا دولاب« يوم لك ويوم عليك. وفي مطلق الاحوال، فإن المشترع اللبناني، لو شاء تغيير ما سبق ان اعتمده، عام 1990، في خصوص المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء، لكان سارع الى السير بوجهة نظر الحكومة ودرس المشروع التعديلي الذي أعده وزير العدل الحالي، وتم ارساله الى المجلس، في اليوم نفسه، لإرسال مشروع قانون »الاثراء غير المشروع«. وحتى يتضح هذ المشروع التعديلي تكفي الاشارة الى ان قانون اصول المحاكمات امام المجلس الأعلى لا يمكن ان يغطي بأحكامه ما يصدر الآن من اجتهادات قضائية. ولكن هل يحمل هذا القانون الذي يرفض القضاة الاعتماد عليه الطابع الجزائي وبالتالي هل يشمل الافعال التي يتم الادعاء بها حاليا، على عدد من الوزراء؟

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة