شكّل الفيلم الجماعي المصري «18 يوم» الإطلالة السينمائية الروائية القصيرة الأولى على العالم، إذ كان عرضه الأول مرافقاً لأيام الدورة الرابعة والستين لمهرجان «كان» السينمائي (أيار 2011)، علماً أنه لا يزال لغاية اليوم «الفيلم الروائي» الوحيد الذي انشغل مخرجوه العشرة بوقائع الحراك الشعبي العفوي والسلميّ في مصر. شكّل مرآة شفّافة لواقع الحال، في يوميات الحراك، كما في داخل الذات الفردية إزاء الحراك وفضائه العام، سياسياً واجتماعياً وإنسانياً. شكّل محطّة يُمكن وصفها بأنها «لحظة تأمّل» في أحوال البلد وتبدّلاته، وفي شؤون الناس والتغييرات التي طرأت عليهم. فالفيلم الجماعي هذا، المؤلّف من عشرة أفلام روائية قصيرة أنجزها عشرة مخرجين مختلفي الأمزجة والأجيال (غالبيتهم منتمية إلى جيل الشباب)، قدّم «الصورة السينمائية» الأولى لـ«ثورة الخامس والعشرين من يناير»، باعتماده تقنيات الفيلم القصير في مقاربة المسائل الحياتية، وبانصراف مخرجيه إلى إلقاء نظرة أولى على المجتمع والناس، كشفت ملامح المجتمع والناس في البدايات التأسيسية للحدث التاريخي. عشرة أفلام لعشرة مخرجين: كل واحد منهم اختار قصّة. كل واحد منهم قال رأياً. أو قدّم صورة. التقط شيئاً من واقع الحال. فكّك بنية اجتماعية ما. حلّل وضعاً نفسياً. قارب شؤون الفرد في علاقته الضيّقة بذاته. أو في ارتباطه بمحيطه. القصص متنوّعة: الفتاة التي غيّرت لون شعرها لحظة بدء الحراك («خلقة ربّنا» لكاملة أبو ذكري)، لا تختلف عن المرأة الراغبة في الانخراط في الحراك نفسه، لولا معاندة زوجها الموافق لاحقاً على ذلك («داخلي/ خارجي» ليُسري نصر الله). لكنهما تختلفان عن الزوجة («تحرير 2 ـ 2» لمريم أبو عوف) التي انتبهت متأخّرة إلى «مهنة» زوجها (بلطجي)، والتي أدركت أن الحاجة إلى المال لا تعني بالضرورة ممارسة أي عمل. للنساء هنا أدوارٌ أساسية: في بحثها عن انقلابها الخاصّ بها على السائد (تلوين الشعر)، اصطدمت الفتاة بواقع تغييري أكبر لحظة انطلاقته. إنها بهذا تُشبه المرأة القابعة في منزلها، لكنها المُدركة أهمية الانخراط الميدانيّ بالحدث، على الرغم من ممانعة الزوج المستسلم لانزوائه، أي لخوفه من «الخارج». زوجة البلطجي امرأة عادية، كالفتاة والزوجة تماماً. بدت عزلتها أشبه بواقع الحال اليومي: إنها المرأة الساعية للأفضل من أجل أولادها، والمحرّضة زوجها على إيجاد طريقة ما لتغيير حياتها وعائلتها. لكنها تُصاب بـ«صدمة الوضوح» المغيَّب عنها، عندما تحصل على مال مُضرّج بالدم. النساء الثلاث ذهبن إلى التخوم القاسية للحدث وللتبدّلات التي صنعها الناس، إما ببساطة (خلقة ربّنا)، وإما بقناعة ورغبة (داخلي/ خارجي)، وإما عبر «معمودية الدم» إذا أمكن القول (تحرير 2 ـ 2). المرأة ليست غائبة عن أفلام أخرى: الفتاة الناشطة في الحراك، بدت مرآة جميلة للواقع، أمام عينيّ شاب يُراقبها يومياً عبر نافذة غرفته، أثناء استعدادها للنزول صباح كل يوم إلى الشارع («شبّاك» لأحمد عبد الله). المرأة/ الزوجة التي تحثّ رجلها على البحث عن منفذ للخلاص من شقاء اليوميّ، تستعيد علاقتها الزوجية به إثر انخراطه «العفوي» في الحراك العفوي، بتحويله «دكان الحلاقة» الخاصّ به إلى مشفى ميدانيّ لمعالجة جرحى «الثورة» («أشرف سبيرتو» لأحمد علي). هاتان امرأتان متناقضتان في السلوك اليومي، لكنهما «محرِّك» الرجل على إحداث الانقلاب في ذاته وحياته الخاصّة أولاً. بهذا، يُمكن اعتبار المرأة، الغائبة كمخرجة باستثناء أبو ذكري وأبو عوف، حاضرة في أفلام تناولت سؤال التغيير الذاتي، المفضي إلى المُشاركة الفعلية بالتغيير الجمعي. فنياً، بدا «شبّاك» أكثرها حساسية بصرية في معاينة العلاقة «الرومانسية» المبطّنة والهادئة بين الشاب القابع في غرفته (عزلته) والفتاة المنفتحة على العالم، التي أخذته إلى العالم من دون أن تدري (أليست الفتاة هنا عاملا تحريضيا أيضاً، دفع الشاب إلى اكتشاف الخارج وأحداثه؟). علاقة صامتة مشغولة بحرفية فنية، كتابة ومعالجة وأداء (أحمد الفيشاوي). بهذا المعنى، اقترب «شبّاك» من «حظر تجوّل» لشريف البنداري: الكاميرا المرافقة جدّاً وحفيده (أحمد فؤاد سليم وعلي رزيق) في ليل مدينة السويس أثناء منع التجوّل، عكست معنى الحصار المزنّر أناساً منتمين إلى جيلين مختلفين، تبدّى الأول (الجدّ) خائفاً بسبب تربيته على ثقافة الخوف من قِبَل النظام السابق، وأظهر الثاني (الحفيد) جرأة نتجت من عدم معرفته الخوف أساساً. هذان فيلمان متشابهان و«1919» لمروان حامد: بدءاً من العنوان، الذي يُمثّل رقم المعتقل السياسي (عمرو واكد) والذي يُمكن أن يُحيل إلى ثورة العام 1919 أيضاً، قدّم حامد صورة مختصرة عن عالم السجون والاعتقالات السياسية، المفتوح على تفاصيل الأمن والتعذيب والاستجوابات العنيفة، في محاكاة واضحة للأسلوب البوليسيّ الخاصّ بالنظام السابق. الحصار، مادياً أو معنوياً («شبّاك» و«حظر تجوّل» و«1919»)، لا يختلف عن الحصار الذي عاشه بطل (أحمد حلمي) «كعك الثورة» لخالد مرعي: بدخوله دكاناً عتيقاً لجدّه، بدأ الحراك الشعبي خارجاً. وبسبب «التربية الجماعية» على الخوف، أغلق الباب عليه، وانزوى في وحدة قاسية، قبل أن يدخل في متاهة الأسئلة المقلقة عمّا يجري خارجاً، وعمّا يُصيبه هو نفسه داخل المحلّ. الحصار أيضاً: «احتباس» شريف عرفه نقل الحبكة إلى داخل مشفى للاضطرابات النفسية، لسرد مقتطفات من سِيَر أناس ألمّت بهم مصائب عدّة بسبب وظائفهم المختلفة، فباتوا إما داخل الجنون المطبق، وإما على حافة الهاوية. أما «إن جالك الطوفان» لمحمد علي، فظلّ مجرّد متتاليات بصرية حول الفساد الناخر عقول الناس واشتغالاتهم، من خلال بيع الصُوَر والأعلام لأي جهة كانت. نديم جرجوره