الانتخابات التشريعية الاخيرة في إيران (السادسة منذ ولادة الجمهورية الاسلامية)، جعلت الجمهورية الاسلامية تقف في موقع متقدم على لائحة الدول الاكثر ممارسة للديموقراطية في العالم. فلم يسبق ان سجلت مشاركة شعبية في أي عملية انتخابية جرت في الدول الديموقراطية 86$، وهي نسبة ليست فقط عالية، بل نادرة ايضا. ان هذا الاقبال الكثيف على صناديق الاقتراع يشير الى حيوية المجتمع المدني في إيران، والى عمق إيمانه بالعملية الديموقراطية والى مدى ثقته بالنظام والدولة، وأساسا ما كان يمكن تسجيل هذه النسبة من الإقبال لولا دور الدولة، مؤسسات وتيارات سياسية، في تشجيع هذا الاتجاه على أساس انه الرافعة الأساسية لتطوير شكل الحكم والارتقاء في التجربة السياسية الاسلامية من مستنقعات التجارب المجاورة الفاشلة الى مصاف التجارب الرائدة ليس فقط داخل أشكال الحكم الاسلامية المتداولة الآن، بل داخل أشكال مجمل التجارب الليبرالية الديموقراطية التي تسود العالم في هذا العصر. ان الانتخابات الاخيرة سجلت نجاحا منقطع النظير لإمكانات التطور الديموقراطي تحت مظلة الشكل والمضمون الاسلامي للحكم وبدفع من قيمه. وفي هذا السياق لا بد من تسجيل غير نقطة تمايز على مستوى الممارسة والمضمون الديموقراطيين اللذين ظهرا في التجربة الديموقراطية الايرانية، وهي نقاط تجعلها تتقدم على التجارب المشابهة في الدول المعدة الآن الأعرق ديموقراطيا: النقطة الاولى، لا تتمثل فقط بنسبة الاقبال العالية على المشاركة الانتخابية علما بأن هذه المشاركة تشكل المقياس الحقيقي لنسبة نجاح أي عملية ديموقراطية، لكونها تؤكد مدى مطابقة نظرية حكم الشعب بالشعب على أرض الواقع. بل تتمثل أساسا وأيضا بدور المرشد الإمام السيد الخامنئي في جعل هذه النسبة ترتفع لتصل الى هذه النقطة المرتفعة. فليس من دون دلالات بالغة ان يرمي المرشد بثقله من أجل تشجيع المواطنين على المشاركة في الانتخابات الاخيرة، لأن هذا التصرف أثبت حقيقة كانت حتى ما قبل الانتخابات الايرانية الاخيرة محل لغط غربي يحاول تسجيل مأخذ على ديموقراطية موقع المرشد في تجربة الحكم في إيران، وتفيد هذه الحقيقة ان المرشد رغم معرفته المسبقة، كأي مواطن إيراني، بأنه كلما ازدادت نسبة المقترعين زاد ذلك من حظوظ فوز الاصلاحيين، فإنه دعا لكثافة الاقتراع وشجع المواطنين عليه مما أسقط النظرية الغربية التي كانت تشكك بدوره معتبرة إياه دورا مساندا ل»التيار المحافظ« كما يصفه إعلام الغرب الذي ينتمي اليه وبالتالي معيقا لعملية الاصلاح. النقطة الثانية، تتصل بدور الدولة في التشجيع على الاقتراع وعلى جهد محسوس تم بذله يوم الاقتراع على الارض من خلال تطبيق صناديق الاقتراع الجوالة التي تذهب الى العجائز من المواطنين اينما كانوا في المنازل او المستشفيات، ويضاف الى ذلك المساجين الذين يشملهم حق الاقتراع. كما ان الدولة تقدم كل التسهيلات التي تساعد المواطن على الإدلاء بصوته من دون اي تعقيد، ولعل أوضح الامثلة على ذلك يتمثل بحقيقة ان المواطن يستطيع الانتخاب بواسطة أي ورقة ثبوتية مثل هوية او شهادة ميلاد... الخ. وحتى لو لم يكن اسمه مدرجا على لوائح الشطب. ما تقدم يظهر ان الدولة في إيران تلعب دور توفير المناخ الحاضن لإنجاح العملية الديموقراطية وذلك في سياق هدف أساسي مفاده ان الديموقراطية (حكم الشعب بالشعب) هي الهدف فيما السلطة هي مجرد وسيلة. النقطة الثالثة، تتأتى أبعادها الهامة من حقيقة أنه برغم هيمنة المحافظين على مقاليد القرار السياسي في إيران، ورغم إحساسهم المسبق بحراجة وضعهم الانتخابي في مقابل صعود حظوظ الاصلاحيين الا انهم تمسكوا بنزاهة الانتخابات وتنزهوا عن استخدام نفوذهم من أجل تزوير إرادة الشعب. ان هذا الجانب المضيء من صورة المشهد الديموقراطي الايراني الذي لفت رقاب الاعجاب إليه يوحي بأن الديموقراطية في إيران هي قيمة إسلامية أصيلة، وليست استيرادا محضا من خارج التجربة الاسلامية او من وراء الحدود، وهذه نقطة قوة التجربة الراهنة في إيران، التي لن تكون مهما راهن المراهنون غورباتشوفية اخرى من حيث نتائجها. النقطة الرابعة، تنبع من المناخ الآنف، وتتمثل بدور مجلس صيانة الدستور الذي اعتبر في الغرب ثغرة ديموقراطية قد تعوق صفاء المشهد الانتخابي الايراني. لقد أثبت هذا المجلس من خلال دوره في الانتخابات الاخيرة انه قيمة أخلاقية في اللعبة الديموقراطية التي أصبحت في الكثير من بلدان العالم مجردة من معانيها الاخلاقية لمصلحة براغماتية لا تعير كثير الاهتمام لأهمية ان تكون الوسيلة للوصول الى غاية حكم الشعب بالشعب، هي وسيلة نظيفة ايضا. ان دور مجلس صيانة الدستور في التدقيق بسجل المرشحين لضمان تمتعهم بصفات أخلاقية وبأصالة وطنية هو جزء من عملية الاصلاح ولكن على الطريقة الايرانية التي تتوسل وسائل نظيفة لغاية نظيفة. وأثبتت نتائج الانتخابات ان دور مجلس صيانة الدستور ليس وضع فيتو سياسي على المرشحين (رغم حديث البعض عن حصول ذلك) بل ضمان ان تصل النخبة على مستوى الشفافية الشخصية من كل التيارات (التي تؤمن بإسلامية النظام) الى نادي المرشحين. وفي سياق متابعة المشهد الديموقراطي الايراني يبدو ثمة إغراء لا يقاوم لمقارنة بين حيثياتها وتلك التي نعيشها اليوم في لبنان، حيث ان تجربة الانتخابات في الاولى تجري بغية الوقوف عند رأي الشعب لتحديد مستقبله، بينما تجري هذه العملية في لبنان بغية الوقوف على رأي النافذين لتحديد أسماء المحظيين. لقد أضحت التسمية الفعلية للديموقراطية التوافقية الممارسة في لبنان هي الديموقراطية التفاوقية، حيث يجتمع النافذون من القوى السياسية المحلية ويقررون كيف سيصوت الناخب، وينفض اجتماعهم عن رسالة للناس تقول لقد قررنا عنكم، وعلى هذا فإن التوقع المرتقب هو ان تتدنى نسبة المشاركة وتنأى الحماسة عن اللعبة السياسية المحلية التي من دون فعالياتها لا يمكن تجديد النظام في البلد، على نحو يخدم تطلعات الاجيال الجديدة. ومع ان الآمال كانت عريضة لجهة ان تكون انتخابات العام 2000 تدشيناً جديداً لمرحلة ديموقراطية ناشطة وطموحة الا ان هذه الآمال خبت أولا من خلال قانون الانتخاب، وثانيا من خلال الاجتماع الذي حصل في البقاع بين نواب المنطقة لتعليب نتائج الانتخابات المقبلة منذ الآن، ما حصل في البقاع الغربي هبط الى زحلة، وسيكون في طريقه الى أماكن اخرى في الأيام القادمة. والمؤسف انه في عهد الديموقراطيات وفي زمن تطوير العمليات الانتخابية لتوسيع قاعدة المشاركة الشعبية في انتاج القرار الوطني والسياسي نجد لبنان يتجه على نحو معاكس لهذه الخيارات، فيتم تثبيت المرتكبين للمخالفات ليصبحوا ثوابت مفتعلة وزوايا حادة قائمة في مربعات المعادلات السياسية اللبنانية الداخلية. نحن إذن أمام تجربتين متقابلتين، الاولى نغبطها وقلبنا معها وننوّه بها ونتمنى لها التطور المستمر على طريق التحول الى نموذج سياسي عالمي، والثانية نعيشها بقلق يومي ونزوع صميمي كي ترقى الى ما يحلم به اللبنانيون جميعا، ديموقراطية حقيقية متصالحة مع ذاتها وبنيها، ديموقراطية الاستقرار السياسي والاجتماعي وبناء المستقبل. * باحث في المركز الاستشاري للدراسات والتوثيق.