As Safir Logo
المصدر:

أشرطة الأبيض والأسود تنقل جزءاً من السيرة في تعبير صورة السيدة الواقفة للغناء

المؤلف: المغربي احمد التاريخ: 2000-02-23 رقم العدد:8534

حفز نجاح المسلسل التلفزيوني »أم كلثوم« بعض أقنية التلفزة العربية، على تذكر بث أغاني سيدة الغناء العربي، ولو مرة في الاسبوع وفي ختام السهرة، تماما كما درجت الإذاعة سابقا على فعله. لكن الإذاعة كانت تنقل عن »الأصل« مباشرة، تذيع الصوت لمن كان حضورها مليئا ومالئا، واستمر أمره كذلك بعد الوفاة. تذيع التلفزة حفلات مسجلة لأم كلثوم تحت وهج نجاح المسلسل الذي أعاد سرد ما انقضى وبات طويا، فكأنها »تنقل« عن »ظل« الأصل الذي صار في التاريخ. خيال ينقل عن خيال، في مسيرة من قاربت حدود الأسطورة في عيشها وبعد موتها، كأن لا حدود لتضاعيف الاستيهام الذي ينبش في الارشيف، بحثا عن صور تُظلل المتخيل وتحوله الى بث على الشاشة. وبالأبيض والأسود، حيث رهافة التضاد في اللون الواصل الى العين تقارب القسوة، تحضر هي ل»تروي« سيرتها. لكن اي السير هي الممكنة؟ من شاشات التذكر، تجيء أم كلثوم في وقفة تضعها دوما في قلب الفرقة الموسيقية التي تصاحبها. لا ينفصل جسدها المديد عن توسطه الذي يعطيه علاقة خاصة مع الفرقة، فتكفي التفاتة الرأس او تمتمة الشفاه او الحركة بطرف اليد الممسكة بالمنديل ليستعاد اللحن او ليمضي الى جملة موسيقية جديدة او يتوقف. كأن الفرقة وعزفها هما بعض أمور وقفة الاداء والغناء الذي تمسك به صاحبة الصوت، إمساك من آل اليه قرار الطرب بلا منازع. وتقول صور الابيض والاسود عن جمهور الاستماع في مصر الخمسينيات والستينيات، في ذروة المشروع الناصري. يصعب على العين تجاوز شيوع البزات الكاملة، مع رباط العنق، للرجال، وتلحظ العين المدققة حضور بعض أهل السياسة والحكم وكذلك الفن والغناء، وكلهم في جلوس أقرب الى السكون. تظهر النساء من دون أغطية للرأس، وغالبا في تسريحات شعر أنيقة، بعضهن بالمعاطف الوثيرة وغالبيتهن في جلوس مختلط لا تغيب عنه الحدود المرسومة بدقة، وكذلك انتشار التدخين في الأيدي النسوية. وبالرغم من انها صور لماض، الا ان الثقل يفيض في جنباتها، كأنه حفل يجيء الى ما يفترض أنه سلوك الاحتفال. وأمام السيدة الواقفة والممسكة بناصية العزف والصوت، يرتص جمهور يحاول الوصول الى تمام الحضور عبر سكون الأجسام على الكراسي والأخذ بدقة الانتظام وبالحفاظ على الحدود المفروضة على الرداء والأجساد والحركة، وحيث المسموح يتراوح بين الهمهمة العامة وبين صراخ متفرق جُلّه »الله يا ست« »تاني.. تاني« وغيرهما من جمل ما برحت وافرة في الآذان. وذلك حفل نموذج لما يكونه حضور »نص« قوي مهيمن يسلم بسلطته الجميع، اداء واستماعا، ويعيدون انتاج ما يتضمنه من تراتبية وسلطات.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة