لا تزال «عين الميّ» محطّة يومية لأهالي قرى جبيل. فلا مياه الشفة تصل إلى بيوتهم صيفا شتاء بمقدار يكفي حاجاتهم، ولا هم قادرون أن يبتاعوا مياه شفة في كلّ يوم. فأزمة المياه تفاقمت في السنوات الأخيرة، وهي مرشحّة لمزيد من التفاقم بسبب تردّي حال شبكة التوزيع الرئيسية التي مُدّت بين عامي 1963 و1964 لتخدم عشرين سنة، وهي لا تزال نفسها إلى اليوم، في وقت تقدّر كمية الهدر الناتجة عن سوء حالها بنحو 70 بالمئة. ويضاف إلى ذلك، ضآلة كمية المياه المجرورة من نبع أفقا في جرد جبيل الجنوبي، الذي يعد مصدر المياه الأساسي في القضاء. فالكمية المجرورة لا تتجاوز عشرة آلاف متر مكّعب، توزّع على ثمانين في المئة من القرى، في وقت يرفض أهالي أفقا جرّ خمسة آلاف متر مكعّب إضافية من النبع لتغذية الخزّانات القائمة في جبل العونية في بلدة إهمج. ويربط أهالي أفقا موافقتهم على السماح بجرّ كميّات إضافية من المياه، بتنفيذ سلسلة شروط تقدّموا بها إلى الجهات المختصة. وتفيد معلومات متقاطعة بين أكثر من جهة في جبيل أنّ المدير العام للأمن العام اللواء عباس إبراهيم يقوم بوساطة مع أهالي أفقا، بغية إيجاد مخرج للمسألة العالقة منذ تسعينيات القرن الماضي. ويروي ميشال زيادة من كفربعال، كيف أنّ خزّانه الذي يتسع لأربعمئة ليتر لا يمتلئ طيلة سبعة أشهر، وهي مدّة يغيب فيها عن منزله الصيفي. يقول: «لن ندفع في السنة الحالية بدل فاتورة المياه»، متسائلاً: «لماذا ندفع طالما أنّ المياه لا تصل إلى بيوتنا؟»، علماً بأن خزّانات العوينة تغذّي قرى مشمش، ولحفد، وميفوق، وكفربعال، وسقي رشميا، ورأس اسطا، وبشتليده وغيرها، حيث يوجد 1600 مشترك يتقاسمون نحو 300 متر مكعّب من المياه! كما تعاني قرى أخرى في بلاد جبيل ما تعانيه القرى التي تغذيها خزّانات العوينة، ففي عبيدات، حيث محطّة تحويل المياه إلى القرى المجاورة، علت صرخة الأهالي خلال الأسابيع الأخيرة، بعدما عانوا طيلة الصيف من شحّ المياه. هنا يطالبون بمعاملتهم أسوة بسكان بعض القرى المجاورة الذين توزّع عليهم المياه بأفضل مّما توزّع على أهالي عبيدات، بحسب ما يؤكدون. ويقترح إميل بطرس، أحد سكّان القرية، على وزارة الموارد المائية والكهربائية، بلهجة يمتزج فيها التهكّم بالجدّ، أن تجبيَ بدلا عن كل ساعة مياه وليس عن المتر المكعّب «الذي نستفيد من أقلّ من ربعه». يضيف: «لن ندفع. ولن نسكت عن حقّنا في المياه. هل يرضى موظف يعمل ثماني ساعات أن يتقاضى أجراً عن أربع ساعات عمل؟». وفي بجّة ليس وضع الأهالي أفضل منه في عبيدات. ففيها يشكو السكان من وصول المياه إليهم عكرة من الخزّان المشيّد في الخاربة. علما أنّ بئرا ارتوازية كانت قد حفرت بين العامين 2001 و2002 في خراج البلدة، بعمق ناهز الستمئة متر، ومن ثمّ أغلقت بحجّة أنّ لا مياه كافية لاستخراجها من باطن الأرض. كل المعطيات تؤشر إلى أنّه لا حل نهائيا لمشكلة المياه في قضاء جبيل قبل الانتهاء من تنفيذ «سدّ جنة»، الذي سيؤمن 40 مليون متر مكعّب، يضخّ منها يوميا نحو عشرة آلاف متر مكعّب من المياه إلى قضاء جبيل، وثلاثون ألف متر مكعّب يوميا إلى بيروت وضواحيها. وإلى أن ينفذّ السد، وهو ما لن يكون قبل ثلاث سنوات إذا ما بوشرت الأعمال في آذار المقبل حسبما هو مرجّح، فأزمة المياه ستتفاقم تدريجا، إن لم تضّخ كمية مياه إضافية من نبع أفقا، علما بأنّ الوزارة باشرت تنفيذ مشروع تحديث وتأهيل الشبكة في قرى القضاء كافة، وهو مشروع مقسّم الى أربع مراحل ينتهي العمل بآخرها نهاية العام المقبل.