يثير مصطلح «المسؤولية الاجتماعية للشركات» (CS-R) القلق لدى أكثرية أصحاب الشركات ورجال الأعمال. فهو، برأيهم، لا يعدو كونه اقتطاعاً غير مجد من أرباحهم وهي مبرّر وجودهم - لمصلحة نشاطات غير مربحة. فما هي أبعاد هذا المصطلح المتداول على نطاق واسع في البلدان المتقدّمة، والذي تهرب غالبية الشركات العاملة في بلدان العالم الثالث من مجرّد النقاش فيه وفي جدواه الاقتصادية؟ منظمة العمل الدولية تعرّف «المسؤولية الاجتماعية للشركات» بأنها «مبادرة طوعية تتخطى الامتثال للقوانين المرعية، ومنهج تتبعه الشركات للنظر في تأثير عملياتها في المجتمع والتأكيد على المبادئ والقيم التي تلتزم في أعمالها وإجراءاتها الداخلية كما في تفاعلها مع الأطراف الأخرى». هذا التعريف الذي يتوافق مع الدور المنوط بمنظمة ذات صلة دائمة بأسواق العمل العالمية وبأحوال العمالة فيها، يجد ما يقابله، ويتّفق معه في أوجه عديدة، في تعريف آخر للبنك الدولي. إذ يدعو البنك إلى «التزام الشركات بالمساهمة في التنمية المستدامة من خلال العمل مع موظفيها والمجتمع الشامل لتحسين المستوى المعيشي بما يحقق الفائدة لأعمالها والتنمية في آن معاً». في لبنان الالتزام بهذا المبدأ يكاد يكون نادراً. فالمحرك الأساسي لعمل غالبية الشركات في بلد «الاقتصاد الحر» يقتصر على تحقيق الربح السهل والسريع المنال. وتخلو غالبية استراتيجيات الشركات وخططها القصيرة أو البعيدة المدى من أية إشارة أو حتى ذكر لمسؤوليتها الاجتماعية، أكانت تجاه مستخدميها، أو حتى تجاه المجتمع الذي تنشط فيه وتتوجه إليه. مربحة إنما بطريقة أخرى الرئيس التنفيذي لشركة «سي. أس. آر. ليبانون» (CSR LEBANON) خالد القصار يوضح لـ«السفير» أن «العمل التطوعي هو أساس الالتزام بالمسؤولية الاجتماعية للشركات، وهو الذي يضمن إدراج هذا الالتزام في استراتيجيات وخطط الشركات، بعيداً من كونه مسألة ظرفية أو دعائية». وبرأيه «المفهوم - الغربي المنشأ والتطبيق - عبارة عن التزام طوعي تتبناه الشركات في إطار سعيها لتحقيق الأهداف التي أنشئت من أجلها، وتلبية توقعات المساهمين وأصحاب المصالح بالشركة، أو تخطيها إيجاباً من خلال دمج الاهتمامات الاجتماعية والأخلاقية والبيئية في صلب أهداف عملياتها التجارية وأهداف عملها اليومي، ما يسمح لها، في حال تطبيق ذلك بطرق صحيحة، ببلوغ النجاح التجاري والنمو المستدام بطرق أفضل». ويضيف أن «الشركات التي تصدّر منتجاتها إلى مختلف البلدان الأوروبية ستواجه في السنوات المقبلة مصاعب عديدة وعقبات في ما لو كانت لا تلتزم طوعاً بمبدأ المسؤولية الاجتماعية للشركات. فغالبية البلدان الأوروبية بصدد وضع شروط ذات صلة بمدى التزام الشركات المصدرة إليها بالمعايير الاجتماعية والبيئية والأخلاقية. إذ يفترض بها أن تقوم بتظهير نشاطاتها في هذا المجال في تقاريرها السنوية». تعزّز القدرة التنافسية كيف يمكن إقناع شركة خاصة تقوم فلسفة عملها على تحقيق الأرباح بغض النظر عن أي شيء آخر، بأهمية الالتزام بهذا المبدأ؟ «من المفترض قبل أن تخطو أية شركة خطوة نحو تطبيق هذا المبدأ أن تكون لديها قناعة تامة بأن الالتزام بـ«المسؤولية الاجتماعية للشركات» استثمار ذو منافع عديدة وليس إنفاقاً غير مجد»، يقول القصار الذي يفضل التوجّه إلى أصحاب الشركات بلغتهم النفعية، بعيداً من الخلفيات الأيديولوجية المتضاربة. فهو استثمار يعود بالنفع على مستوى أربعة صعد: مكان العمل الموظف، السوق (الموردون والعملاء)، فضلاً عن كلّ من المجتمع والبيئة. على مستوى مكان العمل، يستطرد القصار، من شأن تطبيق هذا المبدأ أن يفضي إلى توليد قوة عاملة نوعية، والى تحسين فرص تجنيد الموظفين والمحافظة عليهم، إضافة إلى زيادة الإنتاجية وتعزيز البيئة الإبداعية. على مستوى السوق، يتابع القصار، يؤدي الالتزام بالمبدأ إلى مخاطر أقل. كما يحسن معدلات النمو والربحية، علاوة على زيادة القدرة التنافسية. كما يسهم الالتزام الاجتماعي بتقوية ولاء العملاء، وبنشر صورة وسمعة أفضل عن الشركة في الأسواق ولدى العملاء. ولا تقتصر الفوائد الجمة على المستويين المذكورين أعلاه. فبرأي القصّار ثمة منافع شتى على مستوى المجتمع أيضاً، إن لجهة تأمين سمعة تجارية أفضل، أو لجهة توفير بيئة ملائمة لتطوير الحوار الاجتماعي بين أطراف الإنتاج، أو أخيراً، لجهة بناء علاقات جيدة وإيجابية مع المجتمعات المحلية ووسائل الإعلام. وقد حدث في بعض البلدان التي تعرضت لموجات من الاضطرابات الاجتماعية أن قامت مجموعات من الناس بحماية عمال ومباني بعض الشركات التي تلتزم بتطبيق مبدأ «المسؤولية الاجتماعية للشركات». ذلك بفضل العلاقة الجيدة ما بين هذه الشركة ومجتمعها، يعلّق القصار. لبنان.. غير ملتزم! على مستوى لبنان، يقول القصار إن التزام غالبية الشركات العاملة فيه بمبدأ المسؤولية الاجتماعية للشركات ليس مبشّراً. وهو يلقى مقاومة كبيرة لدى طرحه بوصفه يهدد أرباح الشركات المحلية. لذا، تهدف شركة «سي. أس. آر. ليبانون» إلى حث الشركات اللبنانية على أن تتنافس سنوياً، لا سيما من خلال تقاريرها السنوية، على إظهار حجم استثماراتها في الحقول البيئية والاجتماعية، بالطريقة عينها التي تتنافس فيها على إبراز حجم ومستوى أرباحها في تقاريرها المالية». وعلى الإدارات التنفيذية في المصارف المحلية وغيرها من الشركات أن تبذل جهوداً حقيقية لإقناع مساهميها بأن البرامج الاجتماعية والبيئية ستعود عليهم بالنفع وبالأرباح. ولهذا الهدف بالذات، تنظم شركة «سي. أس. آر. ليبانون» المؤتمر الثاني لـ«المسؤولية الاجتماعية للشركات: المصارف والتمويل 2012، المخاطر الاجتماعية»، برعاية حاكم مصرف لبنان رياض سلامة وبالتعاون مع جمعية مصارف لبنان. وذلك في الأول من كانون الأول المقبل. حسن الحاف