As Safir Logo
المصدر:

إشكال وجه عجوز مضيء

المؤلف: جابر عناية التاريخ: 2011-11-16 رقم العدد:12038

لا يجلب لي التلفزيون صورة أحد حقيقي بالمعنى الذي أفهمه. كل الوجوه خاوية، نظراتها فارغة من المعنى، وجوه بلاستيكية لا أقرأ فيها بارقة أو حرفاً. نادرة الصور المعبّرة، وجوه الأغنياء خاوية، ووجوه الفقراء حزينة. مع ذلك توقفت بالأمس، حيال قسمات رجل عجوز يستطلعون رأيه في أمر معيشي ما. بذل لي وجهاً سعيداً رغم التجاعيد، وتشع سعادته في ثنايا الجبين والرقبة، وتحت العينين المجهدتين. سعادة وافرة تندلق من مكامن مجهولة، ملتفة إلى الداخل، تتقلب وتكرر ذاتها كلما تكلم الرجل أو ابتسم. لم يكن فحوى حديثه طيباً وسعيدا بالضرورة، لكن أمراً يُنير وجهه. أمر جذل يتبّصر فرحاً مقبلاً، ويُرخي على رائيه وسامعه، ذلك الجذل المقبل. كانت مذيعة التلفزيون تسأله عن انعكاس الثورة على مستقبل مصر، وكنت ترى فمه يغلي بالحب كما لو يتطهر من انفعال قديم مذنب. استطعت قراءة المعنى البسيط والمجرد والواضح لذلك الوجه الخرب، أحسن بكثير مما أقرأ في وجوه المثقفين والسياسيين. قلت ان المعنى هو العشق. عشق هذا الرجل لبلده، فهمه وإن بشكل عام، لماهية ونصاعة حدوث الثورة، وبائنة هذه ببساطة في وجهه الواضح المنير. كتبت في وجه الرجل السعيد من دون صعوبة، كما لو أستعيد موسيقى قديمة أحفظها، مألوفة وقريبة من القلب. أدركت إذ جلست إلى الكتابة في وجهه، أنني كنت خططت لهذه الكتابة من قبل أن أراه. كتبت بانفعال منحته لي الشاشة الزرقاء، ووجهه الواثق في أن كل أشياء العالم بعد الثورة، سائرة إلى مكانها الطبيعي تماماً. الثورة عنده تعني ثورة، لا مؤامرات ولا أياد خارجية، حفنة أبطال صنعوها وما من شك عند الرجل أنها نواة غد أفضل من دون فذلكة أو تأتأة. حين نُصغي للمستقبل، فإن ثمة ذلك الحزن المقيم ـ يقول الرجل ـ ويتهاوى مثل هدوء سقوط ثلج. البلاد العربية المضناة هذه، وتعيش شعوبها بما يكاد يشبه خصاماً عائلياً، أو خطوبة مفسوخة، تحتاج إلى الإيمان بمثل وجه الرجل العجوز وإيحاءاته، تحتاج إلى وجوه معكوسة ابتسامات أرواحها على قسماتها الخارجية. اللعبة المرعبة التي يمارسها الحكام العرب على ضحاياهم من شعوبهم، باتت تشغل بال الإنسانية، ويتردد صداها في العالم وتتكرر فيه، وقد وقفت عاطفته مستنفرة مثل شعر قطة. ثمة شيء مجهول جعل الرجل العجوز أقرب إليّ من حياتي الخاصة ومن أهلي وصحبي، فأمسكت بصورة وجهه في أسر عيني، كما تُمسك هذه الأخيرة بقصيدة باهرة.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة