بعد كتاب البحث عن القرامطة، الصادر هذا العام لأميرة فرحات، يصدر لها كتاب جديد عن «الزنج وثورتهم المنسية» الصادر عن دار المحجة البيضاء، الطبعة الأولى 2011/م يقع في 448 صفحة من القطع الوسط، وفيه خمسة أبواب: فصول تمهيدية، قصة ثورة الزنج على سبيل الاختصار من منظارين مختلفين، الإطار التاريخي لثورة الزنج، عقيدة علي بن محمد والمضمون الديني لثورة الزنج، مراحل الثورة، ثم أخبار ثورة الزنج كما جاءت في تاريخ ابن جرير الطبري، مع فهرس مفصل للأسماء والمصطلحات.هذا الكتاب هو الكتاب الثاني للمؤلفة، يصدر في هذه السنة، إذ سبقه كتاب «البحث عن القرامطة» عن الدار نفسها.تقول المؤلفة عن كتابها: تندرج ثورة الزنج (868 ـ 883/م) في إطار الانتفاضات الاجتماعية التي حدثت في العصر العباسي الثاني أي إبان عز الخلافة العباسية التي دامت من سنة 132/هـ = 750/م إلى سنة 656 هـ = 1258م، أي ما يقارب 508 سنوات ميلادية.فثورات الزنج والبابكيين والقرامطة وغيرها من الثورات الجماعية والفردية تدل دلالة واضحة على فشل الحكومة الإسلامية. وعندما تقول الكاتبة ان تلك الثورات كانت اجتماعية فإنما نشير إلى الدافع الرئيس الذي حمل الفقراء على الانخراط فيها، بحيث شكلوا مادتها الأساسية. هذا على تفاوت ما بين الحركات لجهة وضوح الهدف الاجتماعي والسياسي والاقتصادي والثقافي حتى والديني أيضاً. ذلك ان الفضاء الديني كان قادراً على استيعاب معظم مصطلحات الانتفاضات والثورات في ذلك العصر الذي يصفه، بعضهم، بالاشراق، وهو من أشد عصور الدولة الاسلامية ظلماً اجتماعيا وظلاما فكرياً، ومروقاً من الدين عقائدياً.من هنا كان لا بد لأي حركة سياسية اجتماعية من استخدام المصطلح الديني لاجتذاب المظلومين، وما أكثرهم، لكي يكونوا وقوداً رخيصاً لهذه الانتفاضات.«وهذا ما فعله القرامطة، وصاحب الزنج مثلاً، حين قالوا بعقيدة «المهدي المنتظر» في بيئة اجتماعية مسحوقة تتطلع بفارغ الصبر إلى مخلص ترسله العناية الإلهية ليملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعدما ملئت ظلماً وجوراً. كذلك فعلوا حين قالوا إن الإسلام يحرر مُعتنقه من العبودية بصورة تلقائية، بمجرد تلفظه بالشهادتين: لا إله إلا الله محمد رسول الله».وكذلك فإن عباءة الإسلام لم تكن لتضيق حتى عن الحركات ذات التطلع القومي، خصوصاً بإزاء الأرستقراطية العربية التي وضعت يدها على مقدرات الدولة. وبالأخص بعد ان ابتعد التطبيق الإسلامي عن قاعدة لا فضل لعربي على أعجمي (اجنبي) إلا بالتقوى، الأمر الذي سوّغ ما سمي بالحركات الشعوبية. بل ان الأمر كان عاما وشاملاً في كل أقطار العالم الإسلامي. فالفتوحات الإسلامية في المغرب، وفي الأندلس بالذات، كانت تتوقف لأن الجيوش التي معظمها، هناك، كانت من البربر. وعندما يتم الفتح يستولي الأمراء العرب على الغنائم وعلى الاقطاعات.وأدى الفساد العام والشائع إلى ضعف الحاكم أمام أمراء الجنة. ولكن الانتفاضات، كبيرها وصغيرها، لم تكن تحمل مشروع سلطة بديلة أو خلافة بديلة، كالمشروع الإسماعيلي ـ الفاطمي مثلاً. «بينما كان معظم الثائرين لا يتعدى طموحه اقتطاع سلطة ما، في ناحية ما، سرعان ما يساوم عليها السلطة المركزية أو يتم القضاء عليه». إلى ذلك يلاحظ ضعف ـ وحتى غياب ـ التنسيق والتكامل بين حركات المعارضة، الأمر الذي أتاح للسلطة المركزية القضاء على معظمها، رغم ضعف تلك السلطة. وتقول المؤلفة:من المستغرب حقا ألا يكون لقائد ثورة الزنج رؤية تكتيكية ولا رؤية استراتيجية، فيما هو يتنطح لإسقاط «دولة عظمى». ورغم رفعه بعض شعارات الخوارج رأيناه يحاربهم، ورغم حاجته إلى مهادنة البابكيين أو التحالف معهم رأيناه ينأى بنفسه عنهم. ورغم العرض السخي الذي قدمه اليه داعية القرامطة حمدان قرمط رأيناه يتعالى ويتشاوف. وإن دلّ هذا على شيء فإنما يدل على نقص في الرؤية الاستراتيجية لدى علي بن محمد. فالذي يبادر إلى عرض التحالف، كما فعل القرامطة والبابكيون في اتجاه صاحب الزنج، فإنما هو ذاك الذي يحتسب موازين القوى، بنظر صائب ورؤية استراتيجية.«وهكذا بدا الزنج المستعبدون الأشقياء ضحية عُسف السلطة والملاكين والتجار وضحية ضيق أفق قائدهم. هذا رغم بسالتهم وشجاعة قائدهم وعدالة قضيتهم.ثم تقول:ويعترض الباحث في «ثورة الزنج» عقبتان:غياب المصادر الخاصة بالزنج أنفسهم. فليس للزنج تاريخ من تدوينهم، والعقبة الثانية هي اجماع المؤرخين المسلمين القدامى على إدانة سيرة الزنج والتشنيع عليهم. ان «التاريخ الرسمي» يناصب العداء لكل الحركات التي قامت ضد السلطة الشرعية في تلك العصور.والمصدر القديم الأوفى عن ثورة الزنج هو تاريخ الطبري ولذلك أفردت له المؤلفة الباب الخامس. ولكن الدراسات الحديثة تعطي صورة أخرى غير الصورة «الرسمية» التقليدية السلبية. فدراسات المؤرخين اليساريين مثلاً من أمثال هادي العلوى وأحمد عُلبي وحسين مروة وغيرهم تعطي صورة إيجابية مشرقة. علماً بأن بعض المؤرخين المحدثين من امثال حسن ابراهيم حسن، في «تاريخ الإسلام»، وأحمد أمين، في «ظهر الإسلام» مشوا في خط المؤرخين القدامى كالطبري والمسعودي وابن أبي الحديد وأمثالهم.وتعد «ثورة الزنج» كغيرها من الثورات المنسية «رسمياً» في التاريخ الإسلامي، تعد اكتشافا لدى الباحثين. تساهم دراستها في توضيح الانحراف الديني عن الاسلام الحق. فالعدالة الاجتماعية المتجلية في آيات القرآن الكريم، وخصوصاً في أبواب التوريث والصدقات والزكاة، وعدم تكديس المال، والتجارة مع الله والقرض الحسن، هذه العدالة قد تخلى عنها الحاكمون. وانصرفوا إلى عبادة المال وتجميع السلطة والاستئثار بها. ولم يختلف الأمر في دول المغرب الإسلامي عن حال دول المشرق، قديماً وحديثاً. والمناداة اليوم بعودة الخلافة أو ما شاكلها من الدعوات التي تتستر بعباءة الدين، انما هي تتحرك بدافع من شهوة السلطة والتسلط.وأمثال كتاب «الزنج وثورتهم المنسية» وكتاب القرامطة للمؤلفة، تدل على ان المفكرين الاسلاميين المعاصرين المخلصين للدين الحنيف يدللون بكتاباتهم على وجوب إبعاد الدين وأهله عن الحكم الدنيوي. لأن الحكم الدنيوي لا يستقيم إلا بالظلم. وإن العدالة الحقة تنأى عن الحكم وأهل الحكم.وفكرة العدالة الاجتماعية في الاسلام، قد سبق وأشار إليها، في مطلع القرن العشرين الكاتب أدونيس. ولكنه نأى في كتاباته عن التذكير بها، من دون غيره من أمثال الكتاب الذين أشارت إليهم المؤلفة مشكورة وهم:ـ دراسة حول طوبوغرافية ثورة الزنج للمستشرق تيودور نولدكه نشرت في أواخر القرن التاسع عشر.ـ ثورتان لطه حسين وهي دراسة مقارنة عن ثورة الزنج وثورة سبارتاكوس، نشرت في مجلة «الكاتب» المصرية سنة 1946.ـ ثورة الزنج لفيصل السامر بغداد 1952.ـ ثورة الزنج وقائدها علي بن محمد لأحمد عُلبي بيروت 1961.ـ ثورة العبيد بالفارسية لأحمد فرامرزي طهران 1968.ـ ثورة العبيد في العراق خلال القرن الثالث الهجري للمستشرق الكسندر بوبوفيتش، باريس 1976.ـ ثلاث ثورات اجتماعية: البابكيون ـ الزنج ـ القرامطة لحسين مروة وهي تشكل الفصل الأول من الجزء الثاني من كتاب «النزعات المادية في الفلسفة العربية الاسلامية» بيروت 1978.ـ ثورة الزنج لمحمد عمارة، كراسة صادرة عن دار الوحدة، بيروت، بلا تاريخ، وتاريخها على الأرجح أواخر السبعينيات من القرن الماضي.ـ ثورة العبيد في الإسلام لأحمد عُلبي بيروت 1985.ـ «صاحب الزنج» الهادي العلوي، دراسة مقتضبة نشرت في مجلة «الحرية» دمشق 1990.وتُشكر الكاتبة على جمعها لهذه الكتب ولهذه الدراسات قديما وحديثا. وذكرها لها. كما تشكر على تقديمها دراسة مقارنة عن معظم هذه الدراسات. كما تشكر ايضا على إحيائها لموضوع منسي، أنسته أحداث هذه الأيام، في صراعاتها حول الإسلام وأوجه فهمه، المختلفة، باختلاف الدارسين.والنقطة التي تستحق لفت النظر إليها في هذا الكتاب، هي ما أشارت إليه الكاتبة، في سياق حديثها عن «عقائد» صاحب الزنج، تحت عنوان «مهدوية» صاحب الزنج وعلويته (ص 119 ـ ...). تقول: «توسل علي بن محمد... بنظرية أو عقيدة «المهدي المنتظر».. ثم تقول: «عقيدة المهدي في تاريخ الشرق»... خضعت شعوب الشرق القديم لنير الاستغلال الشرس ووعت ان تحطيم هذا الاستغلال أمر مستحيل فلجأت إلى التعلل بالآمال للتخلص من الواقع الشقي. وقد تجمعت هذه الآمال مع الأزمان فولدت عقيدة «المنقذ» او «المخلص»، مبعوث العناية الآلهية. فالمهدي المنتظر شائع في معتقدات قدامى المصريين والصينيين والفرس والهنود والعبرانيين. المهدي في الإسلامشكل الإسلام ثورة على الظلم. ولكن هذه الثورة لم تطل بعد وفاة النبي (ص) وذهاب الخلفاء الراشدين. ويرى ابن خلدون ان الخلافة قد تحولت بعد علي بن أبي طالب (ع) إلى «ملك تسنده العصبية القبلية". وبعد أيام هارون الرشيد وبعض ولده نهبت معاني الخلافة.. وصار الأمر ملكاً بحتاً... ثم يقول ابن خلدون: «أعلم ان العدوان على الناس في أموالهم يذهب بآمالهم في تحصيلها لما يرونه حينئذ من ان غايتها ومصيرها انتهابها من أيديهم، وإذا ذهبت آمالهم في اكتسابها انقبضت أيديهم عن السعي في ذلك. والعمران... انما هو بالاعمال وسعي الناس... فإذا قعد الناس عن السعي كسدت أسواق العمران واختل باختلاله حال الدولة والسلطان..».ويقول علي عبد الرازق: لقد كان عرش الخليفة، وقد تحولت الخلافة إلى ملكية، لا يرتفع الا على رؤوس البشر.ويقول أحمد علبي: نعتقد ان الشعوب التي نهضت في ثورة الاسلام الاجتماعية قد أصابها خيبة في آمالها نحو الحياة الفضلى العادلة التي بشّر بها الدين الجديد. وتخص بالذكر الموالي الذين اضطهدهم الحكام وفرضوا على معظمهم دفع الجزية رغم دخولهم في الإسلام...».لكن تلك الثورات كانت تقمع بالقوة فيزداد يأس الناس فيهربون من واقعهم المرير إلى التعلق بأمل الخلاص.يقول غولدزيهر «ومن الآمال الصامتة انبعثت فكرة المهدي».واقترنت عقيدة المهدي بالشيعة الذين كونوا قلب المعارضة في العصور الإسلامية...ونظراً لرواج عقيدة المهدي فقد كانت موضع استغلال. وعمل بها غير ثائر يطلب السلطة. وأخذت كل فئة اسلامية تتبنى مهديّها فقد عمل الأمويون بها فأوجدوا مهديا اسمه السفياني... وعندما استولى العباسيون على السلطة عملوا بفكرة المهدي. وقد لقّب أبو جعفر المنصور ابنه وولي عهده بالمهدي ودعا إليه على انه «المهدي المنتظر» (ص 123).يقول برنار لويس: «كانت الكوفة حينما بدأ المختار فيها ثورته سنة 66 هـ مرتعاً لحركات مصطبغة بفكرة ظهور المسيح، غرضها احداث ثورة اجتماعية، ولم يجد المختار رجلاً من سلالة فاطمة (ع) يوافقه فوقع اختياره على محمد بن الحنفية (ابن علي (ع) من زوجته المعروفة باسم الحنفية)، ليكون إمامه المهدي».والحال ان البيئة التي احتضنت فكرة المهدي، أي البيئة الشيعية اختلفت في من هو شخص المهدي. فبعد وفاة الامام السادس، جعفر بن محمد الصادق، افترقت شيعته ست فرق:ـ الناووسية، قالت بأن جعفر بن محمد الصادق لم يمت وأنه هو المهدي.ـ الاسماعيلية الخالصة، وهي التي قالت بإمامة اسماعيل بن جعفر. وبأن اسماعيل لا يموت حتى يملك الأرض فهو الامام القائم والمهدي المنتظر.ـ المباركية، نسبة إلى المبارك، مولى اسماعيل بن جعفر، وقالت بإمامة محمد بن اسماعيل بعد وفاة أبيه.ـ السمطية، نسبة إلى يحي بن أبي السمط، وقالت بإمامة محمد بن جعفر وولده من بعده.ـ الفطحية، نسبة إلى عبد الله بن جعفر، الأفطح.وقالت بإمامة عبد الله بن جعفر.ـ الموسوية، قالت بإمامة موسى الكاظم بن جعفر الصادق، وفي امتداد هذه الفرقة تكونت الإمامة الاثنا عشرية، ومهديها المنتظر محمد بن الحسن العسكري «صاحب العصر والزمان وقائم آل محمد».وجاء علي بن محمد، صاحب الزنج، يستغل بدوره تلك العقيدة الرائجة وله احاديث وأعمال دالة على ادعائة المهدية والإمامة والوحي ذكرها الطبري.ونقول تعقيباً على ما ورد من شيوع فكرة المهدي وتعدد توظيفها، والآمال التي بنيت حولها وما تزال، ان تعدد التوظيف يدل على اصالة الفكرة وأحقيتها. فالحقيقة، كل حقيقة، هي ما يؤمن بها الناس بأنها حق. ولا شك ان كثرة مدعي المهدية ولو لتوظيفها بحسب أهوائهم، يدل على رسوخ الفكرة كعقيدة أصيلة في الدين. والدين الإسلامي هو استكمال وتميم لما سبقه من أديان. وفكرة المهدية وإن كانت شائعة لدى شعوب الأرض قديما وحديثا، هي فكرة صحيحة تخدم الايمان الحق، والدين الحق. «آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله...» (البقرة 285). وتتكرر فكرة الإيمان بالأنبياء والرسل السابقين على محمد (ص) في كثير من الآيات أبرزها مطلع سورة البقرة أيضاً في الآية (4)... «والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون. (5) أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون».وإذن فقِدم الفكرة يثبت صحتها، وتناتش توظيفها يثبت رسوخها في العقائد. وتنوع مذاهبها دليل حيويتها وتجددها ومماشاتها للعقيدة.أما أي الفِرَق هو المحق في دعواه فالزمن كفيل بغربلتها للإبقاء على ما هو جدير بالحياة منها. وقد ظهرت بشائر أحقية «الاثني عشرية» لانها الأكثر تجرداً ونقاء والأكثر أهلية للبقاء. بعد شبه انطفاء غيرها. ولأنها الأكثر انسجاماً مع الفكرة الأساسية أي فكرة الخلاص، وفكرة الأمل المرجو الذي تهوي إليه أفئدة الناس دائماً وأبداً.