أنيس منصور حالة خاصة في الصحافة العربية، وهو بلا شك ظاهرة عاشت أكثر من خمسين سنة متواصلة، وكانت واحدة من علامات الخواء في الثقافة العربية المعاصرة، وأحد ملامح الانحطاط، خصوصاً في الأربعين سنة المنصرمة. فقد سحر أنيس منصور السُذّج من القراء العرب، وأسر ألباب ذوي الثقافة البسيطة، وبات صحافياً مشهوراً، لكنه ادّعى دائماً انه مفكر، وصدّق كثيرون هذا الادّعاء، حتى أن واحدة اسمها لوسي يعقوب كتبت عنه أطروحة بعنوان «أنيس منصور فيلسوفاً»، مع أن لا علاقة له بالفلسفة إلا من باب التحصيل الجامعي؛ إذ انه حاز الليسانس من قسم الفلسفة في كلية الآداب بجامعة القاهرة في سنة 1947. كتب أنيس منصور نحو 200 كتاب في كل شيء؛ في العفاريت والجن والرحلات والهابطين من السماء وحكايات المشاهير وقصص الليل وغرف النوم، حتى أنه جمع مقدمات كتبه وقدم لها وأصدرها في كتاب بعنوان «كل معاني الحب» (القاهرة: دار الشروق، 1999). وكان الأرق هو سر هذا الكاتب العجيب؛ فهو لا ينام إلا قليلاً من الساعات، فيصحو في الليالي المسهدة، وبينما يعدُّ كأساً من الشاي يقرر ما سيكتب. فإذا خطرت في باله فكرة كتبها في عمود لجريدة «الأهرام» أو لجريدة «الشرق الأوسط». وإذا احتاجت هذه الفكرة إلى معالجة صاغها في مقالة... وهكذا، فقد كان يكتب كما لو أنه يتحدث إلى الحلاق أو سائق سيارة الأجرة، ولعل هذا الأسلوب كان محبباً لدى القراء من ذوي المعارف المتواضعة. عقدة البدايات والبهلوانية مشكلة أنيس منصور، التي رافقته زمناً مديداً، أنه ظل طَوَال حياته يسعى إلى التخلص من الصفة التي التصقت به، وهي انه مجرد «زائدة دودية»، أو «صبي العقاد». وعندما مات العقاد كتب كتاباً كبيراً عنه (700 صفحة) شتم فيه العقاد ومدح نفسه. وعقدة أنيس منصور هي شقاء العائلة ومشقة العيش حين عمل في شبابه طبالاً في الأفراح وغير ذلك من المهن المتواضعة التي كثيراً ما اعتبرت وضيعة في أربعينيات القرن العشرين. وفي ما بعد بات جليساً للعقاد في صالونه، ثم جليساً لشعراوي جمعة وزير الداخلية في أواخر عهد جمال عبد الناصر، ثم جليساً للرئيس أنور السادات. وكان في تحولاته هذه سميراً ممتازاً يروي الحكايات المسلية والنوادر الطريفة وأخبار النميمة في الوسط الصحافي والوسط الفني. والمشهور عنه انه حين تولى منصب مدير التحرير في مجلة «الجيل الجديد» في أواخر خمسينيات القرن العشرين (كان موسى صبري رئيس تحريرها) غرق في نشر مقالات متمادية عن غرام مدير وفنانة معروفة، وعن راقصة كسرت زجاجة شمبانيا على رأس وجيه معروف، وعن الراقصة هاجر حمدي ومشكلاتها مع كمال الشناوي، وعن عبد الحليم حافظ وشائعة زواجه من نجاح سلام... وهكذا. ذهب مرة إلى الهند، وانتقل منها إلى التيبت، وراح يرسل مقالاته إلى جريدة «أخبار اليوم» عن زعيم التيبت الدالاي لاما الذي طردته الصين إلى الهند، وكان يحشو مقالات بفقرات مطولة من النشرات الدعائية المضادة للصين التي كانت تصوغها السفارة الأميركية في نيودلهي. وغضب الرئيس جمال عبد الناصر الذي ربطته علاقة وثيقة بالصين آنذاك، وبادر إلى لفت المسؤولين عن دار أخبار اليوم. وعلى الفور انقلب أنيس منصور من الجد إلى الهزل، وشرع يكتب عن تحضير الأرواح وعن مشعوذي تلك البلاد النائية (أنظر: ناصر الدين النشاشيبي، «حضرات الزملاء المحترمين»، القدس: دار أخبار البلد، 1995). مع الرئيس المؤمن في بدايات شبابه انضم أنيس منصور إلى جماعة الإخوان المسلمين في حي إمبابة المعروف، وكان يُلقي خطبة الجمعة في أحد مساجد إمبابة. لكن «الجماعة» فصلته من صفوفها في ما بعد. ولعله اكتسب بعض المزايا من الإخوان المسلمين فراح يوظفها في كتابة خطابات أنور السادات. وفي سنة 1977 قطع رحلة الحج ليرافق رئيسه إلى القدس. وفي باحة الحرم القدسي، وبينما كان يسير خلف السادات سمع بعض الفتية الفلسطينيين يتساءلون بصوت مرتفع: «هل جاء اليهود من مصر؟ شوفوا اليهود إللي أجو من مصر». فما كان منه إلا أن نظر إلى واحد من هؤلاء الفتية وشتمه بالقول: «ك... أمك». هذا هو مستوى جليس الرئيس (ناصر الدين النشاشيبي، المصدر السابق). وفي أي حال، فإن القضية الفلسطينية لم تكن لدى أنيس منصور إلا مجرد «وجع دماغ». في 5/9/1981، حين اعتقل الرئيس المؤمن أنور السادات جميع أعلام المعارضة من الشيوعيين والناصريين والإسلاميين، وأرسل البابا شنودة إلى الإقامة الجبرية في دير النطرون، وألقى بفؤاد سراج الدين ومحمد حسنين هيكل وخالد محيي الدين وغيرهم في السجن، كان أنيس منصور يدافع عن السادات وقمعه. أراد السادات أن يجعل من أنيس منصور (أو موسى صبري) محمد حسنين هيكل ثانياً، وأن تصبح منزلته في عهد السادات مثلما كانت منزلة هيكل في عهد عبد الناصر. وصدّق أنيس منصور قدراته حين عهد إليه السادات برئاسة تحرير مجلة «آخر ساعة» في سنة 1970، ثم مجلة «أكتوبر» سنة 1976، ثم مجلة «وادي النيل» سنة 1979، لكن أين الثرى من الثريا، فقد تحول إلى مجرد قناة اتصال بين السفارة الإسرائيلية في القاهرة والسادات (جريدة «العربي» ـ القاهرة، 28/7/1997). السادات سوري الأصل كان أنيس منصور مجرد ناقل للشائعات والحكايات والنميمة، فلا يخضعها للتحقق، ولا يمحِّص ما يسمعه ولا يتروى في إذاعته، بل يسارع إلى نشره من غير دراية أو تمهل. فقد زعم في مجلة «المجلة» (10/2/1993) ان أنور السادات من أصل سوري، وأن أمه سودانية. وهذه «الخبرية» مجرد نكتة ظهرت في دمشق سنة 1957 حين جاء السادات، وكان رئيساً لمجلس الأمة المصري، إلى سوريا قبيل الوحدة، وزار مجلس النواب السوري، وكان أكرم الحوراني رئيسه. ومن باب الظرف قال الحوراني للسادات أن في دمشق حياً بأكمله يدعى حي السادات، وشارعاً يدعى شارع السادات، ومستشفى اسمه مستشفى السادات، وعائلة كبيرة هي آل السادات، ومن الضروري أن تلتقي أقاربك هؤلاء. وبعد ست وثلاثين سنة كتب أنيس منصور هذه النكتة على أنها حقيقة. وأظن أن أنيس منصور كان يعيش يومه متحرقاً لالتقاط أي فكرة من هنا أو هناك ليكتبها ثم ينشرها هنا وهناك. سارق النصوص من مساخر الأيام أن أنيس منصور نال جائزة حسني مبارك في الآداب لسنة 2001 بعد منافسة مضحكة مع العلامة شوقي ضيف الأمين العام لمجمع اللغة العربية في القاهرة. وهذا الصحافي الذي صار، بهمة نظام مبارك، أرفع مرتبة من شوقي ضيف، وبات، بهمة لوسي يعقوب، فيلسوفاً مهماً، ينسى أنه سارق بالجرم المشهود. فكتابه الموسوم بعنوان «الذين هبطوا من السماء» إنما هو سرقة مكشوفة لكتاب «عربات الآلهة» الذي ترجمه ذو النون أيوب إلى العربية، ونشرته مجلة «الآداب» على حلقات منذ سنوات طويلة. وكتابه «الخالدون مئة أعظمهم محمد رسول الله» (القاهرة: الزهراء للإعلام العربي، 1986) مسروق من كتاب «الأوائل» للكاتب مايكل هارث الذي صدر أولاً في دمشق سنة 1979 عن دار قتيبة. وفي رمضان 1995 عرض التلفزيون المصري مسلسلاً بعنوان «مَن الذي لا يحب فاطمة» عن قصة لأنيس منصور. وتبين أن القصة «ملطوشة» من قصة واقعية للكاتب المصري المهاجر إلى النمسا أحمد لاشين كان نشرها في سنة 1993. وراوغ أنيس منصور قبل أن يعترف بأنه التقى في النمسا أحد المصريين الذي روى له قصة حياته، وكيف هاجر من مصر في سنة 1970 ومعه عشرة دولارات فقط، وكيف صار ملك البيتزا في تلك البلاد. [ [ [ راهن أنيس منصور على جهل القارئ المصري وعدم اطلاعه على ما يُنشر خارج مصر، ولا سيما باللغات الأجنبية، فغرف ما طاب له أن يغرف من نصوص الغير ونسبها إلى نفسه. وكان مدّعياً في ميدان المعرفة، ولا ينفك قائلاً إنه يقرأ بست لغات. لكن ادّعاؤه فضحه في إحدى المقابلات التلفزيونية حين ذكر انه لم يسمع باسم الروائي السوري حنا مينه واسم المسرحي السوري سعد الله ونوس، ولعله تعمد ذلك، الأمر الذي يفضح في الحالتين إما جهله أو ادّعاءه.