As Safir Logo
المصدر:

متى ذهب الأقباط إلى مقاعد البرلمان المصري؟

المؤلف: فهمي امينة التاريخ: 2000-02-14 رقم العدد:8526

على الرغم من ان الدستور المصري قد نص على المساواة في مختلف الحقوق والواجبات بين المسلمين والأقباط الا ان كل الدراسات والتقارير تشير الى الضعف العام في مشاركة الاقباط في البرلمان سواء ترشيحا او تمثيلا. وفي هذا الاطار وفي تحليل أسباب ضعف مشاركة تمثيل الأقباط في البرلمان يعرض الباحث زكريا عبد الله في دراسته المنشورة مؤخرا بكتاب يحمل عنوان »التركيبة العضوية للبرلمانات المصرية من 76 1995«، وجهتي نظر مختلفتين إحداهما يمثلها الجانب القبطي والثانية يركز فيها على رؤية المحللين المسلمين لهذه الأسباب. ومن حيث وجهة النظر الأولى ترى د. منى مكرم عبيد التي عينت في برلمان 1990 كمستقل والتي تعمل أستاذة بالجامعة الاميركية بالقاهرة ان الأمة المصرية شهدت على مر عصورها تفاعلا طبيعيا بين أبنائها، الا ان تدخل السلطة الحاكمة في فترات متفاوتة يؤدي الى الشك في تعزيز مفهوم المواطنة، واذا كانت ثورة 1919 بمثابة عقد اجتماعي جديد بين عنصري الامة مسلمين وأقباط وبداية لمرحلة انطلاق جديدة للأمة المصرية نحو تحقيق أهدافها في إطار ديموقراطي، الا ان النظام السياسي سواء الملكي او الجمهوري حتى نهاية السبعينيات لم يسمح بذلك نظرا لسعيه الى دعم شرعيته السياسية من خلال تبني الخطاب الديني لكسب التأييد السياسي لعامة الشعب، فالملك فؤاد وبعده فاروق سعيا الى إقامة الخلافة الاسلامية في مصر بعد إلغائها في تركيا عام 1924 حيث وجدها كل منهما فرصة تاريخية لدعم نفوذه السياسي في مواجهة الحركة الوطنية معتمدا على بعض رجال الدين في الأزهر، ولذلك نظرا الى الجامعة الوطنية التي تكونت خلال ثورة 1919 نظرة عداء وخصومة وفضلا عليها حركة الاخوان المسلمين التي تغلغلت بسرعة كبيرة في المجتمع المصري وهو الامر الذي تسبب في إحداث ردة سياسية في ما يتعلق بمفهوم المواطنة لما تضمنه كتاباتها من تصنيف لطوائف المجتمع وتميز في حقوقهم السياسية والاجتماعية وفقا للدين، وبالتالي حرمان الأقباط من بعض الحقوق السياسية مثل شغل منصب الولاية العامة التي تقتصر على المسلمين فقط. وعليه بدأ الأقباط يشعرون منذ أوائل الثلاثينيات بالاحباط حيث تقلص عدد نوابهم في البرلمان في انتخابات عام 1931 الى أربعة فقط بعد ان كان عددهم يتراوح ما بين 15 الى 23 عضوا في الانتخابات التي جرت في الفترة من 1920 الى 1924 ثم جاءت ثورة 1952 فزايدت على الشعارات الدينية ووظفت الدين لخدمة شرعيتها السياسية بدلا من الاعتماد على الانجاز كمصدر لهذه الشرعية، وكان قرار جمال عبد الناصر في مجرى صراعه مع الاخوان تدريس الدين في مختلف مراحل التعليم مع عدم وجود كوادر مدربة جيدا لهذه المهمة من المدرسين بمثابة تعميق لأوجه التمايز بين أبناء الأمة المصرية. وقد تزامن ذلك مع تقلص النفوذ السياسي والاقتصادي للأقباط نتيجة اجراءات التأميم التي طالت كثيرين منهم، هذا فضلا عن اعتماد النظام على أهل الثقة في تولي المناصب الرئيسية مما ادى الى هجرة كثير من ذوي الكفاءات منهم الى الخارج وعزوف الموجودين بالداخل عن ممارسة حقوقهم السياسية او الانخراط في العملية السياسية في ظل مناخ غير ديموقراطي. وكانت النتيجة الطبيعية لذلك انه في انتخابات عام 1957 لم يفز قبطي واحد فلجأ النظام الى أسلوب الدوائر المغلقة حيث تم اختيار عشر دوائر بدقة وقصرها على مرشحين أقباط، غير ان هذا النظام لم ينجح فابتكر النظام آلية جديدة هي آلية التعيين حيث منح الدستور رئيس الدولة حق تعيين عشرة أعضاء في المجلس النيابي روعي ان يكون كلهم او معظمهم من الأقباط، مما تسبب في تولد الشعور لدى قطاعات من الاقباط بأنهم أقلية وبالتالي تكريس عزوفهم وسلبيتهم في المشاركة السياسية، كما كان تولي الاقباط وزارات هامشية انعكاسا لتهميشهم سياسيا. ثم جاء عقد السبعينيات لتكريس ليس فقط التهميش السياسي للأقباط بل والاجتماعي ايضا حيث ظهر للمرة الاولى في مصر تعبير الفتنة الطائفية من جانب الدولة وظهورها بما يسمى بأقباط المهجر الذين أصبحوا يمارسون دورا سياسيا ويروجون شائعات من اضطهاد في مصر، بل انهم أصبحوا يطالبون الادارة الاميركية اخيرا بالضغط على الحكومة المصرية لمنح الاقباط حقوقهم السياسية كاملة. وتشير البيانات الى ان الاقباط لا يزالون مهمشين سياسيا حيث انه منذ عام 1964 تراوح عدد الاقباط المنتخبين في ثمانية مجالس نيابية خلال ثلاثين عاما ما بين عضو واحد وأربعة أعضاء باستثناء مجلس 1976 الذي لم يفز فيه قبطي واحد وكذلك مجلس 1987 الذي فاز فيه ستة أقباط وجاءت انتخابات مجلس الشعب لعام 1995 لتمثل خيبة أمل كبيرة للأقباط حيث لم يفز قبطي واحد خاصة مع عدم ترشيح الحزب الوطني الحاكم لأي قبطي على قائمته الانتخابية مما دفع البابا شنودة الى التصريح بأن الدولة قادرة على وضع النظم الديموقراطية التي ينجح بها الاقباط كما وضعت من قبل نظاما ينجح من خلاله العمال والفلاحون، كما طالب تجاه داخل النخبة القبطية بتعديل الدستور لضمان تمثيل الأقباط في المجالس النيابية والتمثيلية او الرجوع لنظام الدوائر المغلقة على المرشحين الأقباط كما حدث في بدايات ثورة يوليو 52. اما وجهة النظر الثانية وجهة نظر المحللين المسلمين فترى ان الضعف العام في مشاركة الاقباط في عملية الترشيح لعضوية البرلمان ومن ثم قلة نسبة تمثيلهم داخل البرلمان، تعود الى بعض الأسباب منها: 1 عدم رغبة بعض الاقباط أنفسهم في الانغماس في الحياة السياسية، بسبب النوازع الدينية لديهم، والتي تشير الى ان الشخص يجب ان تكون علاقته بالسلطة السياسية علاقة من طرف واحد اي كمتلق او مستجيب. 2 قناعة بعض الأقباط بعدم جدوى المشاركة في عملية الترشيح لأنهم لن يحصلوا على أصوات الناخبين وأغلبهم من المسلمين. 3 يرتبط بالحداثة ويرتبط برفض الناخبين ترشيح الاقباط إما بسبب رفض بعض الناخبين المسلمين ولاية غير المسلمين عليهم وإما لامتناع الناخب بأن صوته لن يكون ذا تأثير لأن معظم الناخبين لن يدلوا بأصواتهم للمرشح المسيحي. واذا نظرنا الى نسبة تمثيل الاقباط في البرلمانات التعددية في مصر فنجد ان عددهم في برلمان 1976 كان ثمانية، كلهم بالتعيين، وفي برلمان 1979 كان عددهم 14 منهم 10 بالتعيين و4 بالانتخاب وفي عام 1984 كان عددهم 11 منهم 5 بالتعيين و6 بالانتخاب وفي 1987 كان عددهم 10 منهم 4 بالتعيين و6 بالانتخاب. أما عام 1990 فكان عددهم 8 منهم 6 بالتعيين وفي عام 1995 كان عددهم 6 كلهم بالتعيين. ومن الملاحظ انه في انتخابات 1995 أثارت المسألة القبطية الكثير من الجدل واللغط وذلك لعدة أسباب تذكرها الدراسة على النحو التالي... اولا انها المرة الاولى التي تخلو فيها قائمة الحزب الوطني الحاكم من اي مرشح قبطي بحجة عدم وجود شخصيات بارزة تتمتع بالشعبية التي تؤهلها للفوز مما جعل الأقباط يرشحون 57 قبطيا بنسبة 4،1$ من اجمالي عدد المرشحين من بينهم 9 على قائمة حزب الوفد وواحد على قائمة حزب العمل وواحد على قائمة حزب الاحرار وواحد على قائمة حزب التجمع و45 مستقلا. ثانيا.. أسفرت الانتخابات عن دخول خمسة من الاقباط معركة الإعادة من بينهم 4 في القاهرة وواحد في سوهاج ولكن لم ينجح منهم احد. ثالثا... على الرغم من ان الاقباط في »الصعيد« يبلغون 3 اضعاف الوجه البحري الا ان المرشحين في الوجه البحري كانوا ضعف مرشحي الوجه القبلي.. رابعا: برغم ان عدد المرشحين الاقباط لم يصل الى 2$ من إجمالي المرشحين الا ان المراقبين اعتبروا ذلك الامر تخليا قبطيا عن التوجه السياسي الذي تعاملوا به مع الواقع السياسي المصري، وبداية لعودتهم الى معترك الحياة السياسية بعد مقاطعة طويلة بدأت مع ثورة 1952 التي اتخذوا منها موقف الحذر والترقب وأيضا أسلوب حكم السادات. بعد ذلك الذي ادى الى تكريس فكرة الانسحاب القبطي من الحياة العامة، ومما شجع الاقباط على المشاركة الانتخابية في عام 1995 عدة أمور من أهمها. 1 العودة الى النظام الفردي في الانتخابات بعد العمل بنظام القائمة لفترة طويلة.. وفتح الابواب للمستقلين مما دفع العديد من الشخصيات القبطية غير الحزبية او التي تخلت عن الاحزاب الى خوض غمار المعركة الانتخابية. 2 اغفال بعض الاحزاب ترشيح شخصيات قبطية وعلى رأسها الحزب الوطني الذي كان يعد بوابة المرور لمعظم المرشحين الاقباط في الدورات الاخيرة في ظل نظام القائمة الذي كان يضمن نجاحهم. 3 الاحساس بصدق توجه الحكومة في القضاء على التطرف الديني والارهابي لاول مرة منذ اوائل السبعينيات. 4 ارتفاع اصوات بعض الاحزاب والمنظمات المدافعة عن حقوق الاقباط في المواطنة وممارسة شعائرهم الدينية وبناء دور العبادة الخاصة. 5 تنامي الاحساس بضعف دور النواب الاقباط الذين كان يتم انجاحهم او تعيينهم في الدورات السابقة في الدفاع عن الاقباط او تبني قضاياهم أمام الجهات التشريعية والتنفيذية. 6 تبني القيادة الدينية للكنيسة القبطية لقضية مشاركة الاقباط في الحياة السياسية وحثهم في العديد من المناسبات على المساهمة في أنشطة الاحزاب المختلفة والقيد بجداول الناخبين، حتى ان البابا شنودة أصدر بيانا رسميا ناشد فيه جموع الاقباط الذهاب الى صناديق الانتخابات، كما كلف أحد الأساقفة بتوعية الشباب بأهمية الدور الوطني للأقباط في مصر الذي لن يكتمل من دون ممارسة النشاط السياسي، حتى ان اثنين من رجال الدين المسيحيين خاضوا الانتخابات كمرشحين.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة