يعتبر يوسف المنيلاوي (1847 ـ 1911) أحد أقطاب الموسيقى المصرية في عصر النهضة الموسيقية العربية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين. وعرفاناً بجميل هذا الرائد الموسيقي النهضوي وبمناسبة مرور المئوية الأولى على رحيله، أحيت مجموعة «أصيل» للموسيقى العربية المعاصرة مساء السبت الماضي، احتفالية تكريمية في مسرح بيار أبو خاطر الذي امتلأت صالته بالمهتمين والمتذوقين وصدحت في أجوائه حنجرة مصطفى سعيد (مصر). ولعلع في فضائه إنشاد المطرب إيهاب يونس (مصر) واهتزت رؤوس المستمعين على غناء فدوى المالكي (المغرب) وعلى عزف القانون (غسان سحاب ـ لبنان) وعلى الناي (محمد عنتر ـ مصر) وعلى الكمان (رضا بيطار ـ لبنان). إنهم أعضاء مجموعة «أصيل» للموسيقى العربية الكلاسيكية المعاصرة، التي تأسست عام 2003 في سبيل أداء موسيقى عربية تراثية على مبدأ التطوير من الداخل، أي الاعتماد على التراث والعطاء الموسيقي الموجود لدينا، ليس لإعادة تكراره وإنما لصنع الجديد مطوراً منه بلا اقتصار على نسخ القوالب أو الأدوار، بل بالعمل عليها وتطويرها. سجلت هذه الفرقة إصدارين موسيقيين وشاركت في العديد من المهرجانات الموسيقية حول العالم. لماذا الاحتفاء بمئوية يوسف المنــيلاوي وغـناء أدواره؟ ولد المنيلاوي عام 1847. حصّل تعليماً دينـياً كحــال أبناء الطبقة المتوسـطة آنـذاك. أتقن تلاوة القـرآن والإنشاد الديني. لكنه انتقل إلى الغناء الدنيوي محتفظاً بلقبه الديني «الشيـخ». برع في الغــناء وتفوق مازجاً بين الإنشاد الديني والطرب ما جعله محـطة أســاسية في محطات عصر النهضة ولا يقل أهمية عن عبده الحامولي ومحمد عثمان. فهو وإن لم يلحن أدواراً أو موشحات إلا أنه كان بارعاً في الارتجال الآني، لاسيما في إنشاد القصائد التي جعلته صاحب مذهب طربي وأسلوب غنائي متكامل في الأداء مستنداً إلى صوته الفريد بسعة مساحته ومرونته المميزة. كان صوته يتألف من (21) مقاماً أي (21) درجة أو نغمة. إنها المساحة الصوتية الواسعة بين أدنى درجات القرار وأقصى درجات الجواب. وكان تمكنه من أداء كل درجة والمكوث عندها، عند الاقتضاء، تمكناً متقناً ومحكماً دون اضطراب الصوت أو اختلال النغمة. يونس مفاجأة الاحتفال استطاعت مجموعة «أصيل» أن تقدم لنا في تـلك الأمسية نماذج حية من عالم المنـيلاوي الطــربي الغــنائي. بداية، عزف مصطفى سعـيد على العود وصلة رسـت، وهي موسيـقى طربية أصيــلة. دخـل عزف سعيد إلى أعماقنا فدغدغها وتمايلت أغصان أحاسيـسنا نشـوانة بالطرب الأصــيل. أما المطـربة فـدوى المالـكي فكـان صوتهـا دافئاً وعمــيقاً وقويا. وكادت تقارب أم كلثوم في أدائها وفي جـمال صوتها وصفاء طبقـاته وفي انفعـالها بالنغــمة والـدور. ثم كانت وصلة العزف على القـانون التي قدمهـا سحـاب. أما مفاجأة الاحتفال الطربية فكان صوت المنشد إيهاب يونس، خصوصاً في دور «لما بدا يتثنى» حـيث تجـلت قوته الصوتية وقدرته على التنويع بين الدرجات والنغمات. جدير بالذكر هنا، أن بعض الأدوار الغزلية (ليه يا حمام؟) وغيرها، تستبطن الخوف من الاضطهاد السياسي عبر الإيماء للحبيب الذي ينوح حمامه على الوطن. لأن الغناء السياسي المباشر كان ممنوعاً في أيام المنيلاوي. رافقت موشح «لما بدى يتثنى» موسيقى جميلة على العود والكمان والناي. وهنا، تجلت مقدرة مصطفى سعيد في التحكم بصوته بالإضافة إلى مقــدرة إيهاب يونس الذي استأثر صوته الرحب بالفضاء الطربي بأسره. وعندما تناوب سعيد ويونس على إنشــاد «يا ليـل يا ليل» اندفعنا إلى استجـلاء كم كانت عتمة اللــيل في بداية القرن الماضي حميمية وممــتلئة بالعــشق والأشواق بينما أصبح الليل في وقتنا الراهن مسطحاً ومقولباً بالضجيج الصاخب والمستنسـخ بصــيحات مكررة لا حياة فيها ولا أصـالة ولا رندحة أشـواق ولا يـنابيع اشتياق ونجوى.. لقد أعـطى سعـيد ويونس لكلمة الليل، في مختلف تجلياتها النغمية، مجموعة من المعاني المختلفة والمتنوعة والنابضة بأجـواء الطرب الأصيل ذي القواعد والأصول والإمكانيات الصوتية المتعددة والقادرة على التجاوز والتجـديد. وسـواء في أنغام دور «البلبل جاني» الذي اشتهر المنيـلاوي في إنشاده أم في دور «كادني الهوى»، وهو دور صعب الأداء وموجود في تسجيلات بيضافون بصوت المنيلاوي نفسه، فإننا في الحالتين، استطعنا أن نستحضر القيمة الموسيقية التأسيسية التي شيدها المنيلاوي قبل قرن من الزمن الماضي، والتي امتدت أطرافها وتواصلت أنغامها ومقاماتها في ثنايا الطرب العربي الأصيل، حتى أيامنا الراهنة. صفوان حيدر