As Safir Logo
المصدر:

جائزة ت.س. إليوت للبريطاني هيوغو وليامز لغة عارية للتجسس على الحياة الخاصة

المؤلف: محيدلي فوزي التاريخ: 2000-02-11 رقم العدد:8524

أعلن في الأسبوع الأخير من الشهر الماضي فوز الشاعر هيوغو وليامز بجائزة ت.س. إليوت للشعر التي تعتبر الأهم في بريطانيا على صعيد الشعر. وقد مُنح وليامز الجائزة عن ديوانه »مطر بيلي« لقوة التكثيف في شعره، وللتأثير المتصاعد لمتواليته الشعرية هذه. في عددها المؤرخ 31 كانون الثاني نشرت مجلة »التايم« الأميركية مقالة عن الحدث والديوان، هنا مقاربة لها. لم يكن ثمة ما يشير إلى أن اختيار الفائز سيكون عملا سهلا. فجائزة ت.س. إليوت (الشاعر الأميركي الذي اختار الجنسية البريطانية) التي تعتبر الأعلى مقاما وهيبة، والمقدمة كل سنة إلى أفضل مجموعة شعرية تنشر في المملكة المتحدة أو إيرلندا، غدت ساحة لتطاحن أسماء مهمة، ولعملية غربلة صعبة. بين الفائزين السابقين بالجائزة تندرج أسماء الأوسترالي ليه موراي، والأميركي مارك دوتي، والبريطاني تيد هيوز الذي حازت مجموعته »رسائل يوم المولد« الجائزة بعد رحيل الشاعر. وهذه السنة تميزت الأعمال العشرة التي بلغت المرحلة الأخيرة بأنها جميعها ذات شأن. جودة الأعمال التي بلغت المرحلة الأخيرة صعّبت الأمور على لجنة الحكم. »برزت أمامنا لهذا العام قائمة استثنائية لجهة قوتها«، يقول الشاعر بلايك موريسون، رئيس لجنة الحكم (الحكمان الآخران هما الشاعرة سليمة هيل وجايمي ماكدنريك). »ولذا فإن غربلة قائمة العشرة الى ثلاثة كان أمرا عسيرا«. قصائد خاصة ضمت القائمة الأخيرة الأميركي سي. ك. وليامز المتميز بأصالة شعره، والشاعرة الشهيرة كارول آن دافي التي رُشحت العام الفائت لتكون أميرة شعراء المملكة المتحدة، والتي أكسبها إلماح كتابتها وبراعتها الفنية جمهورا واسعا من المتلقين المستعدين للاستماع الى قراءاتها الشعرية. وورد أيضا في قائمة العشرة اسما الشاعرتين الاسكوتلندية كاثلين جايمي والكندية آن كارسون، مما شجع توقع نيل امرأة للجائزة لأول مرة منذ إنشائها قبل سبع سنوات (تأسست الجائزة عام 1993 تكريما لذكرى إليوت). لكن الذي حدث في المحصلة الأخيرة، ورغم ترشيح كل من ديواني الشاعر الايرلندي توم بولين »كلب الريح« وديوان سي. ك. وليامز »ترميمات« لنيل الجائزة بشكل قوي، هو منح الجائزة لديوان »مطر بيلي« للبريطاني هيوغو وليامز الذي نال استحسان الحكام الثلاثة دون منازع، وحصد الجائزة التي تبلغ قيمتها حوالى 83000 دولار (خمسة آلاف جنيه استرليني). ترسم متوالية وليامز، التي تتألف من 51 قصيدة سيرة ذاتية، حيثيات مسار علاقة جنسية حميمة بحبيبة هي غير الزوجة. وتشير القصيدة التي أعطت اسمها للعنوان »مطر بيلي« الى المطر الاصطناعي الذي يستعان به ليوم ماطر خلال تصوير فيلم، وتتضمن أيضا إلماحات لعلاقة الفن بالحياة، فضلاً عن تجسيدها للحظة ضمن سياق القصة العاطفية. وتعقب الشاعرة هيل، إحدى أعضاء لجنة الحكم التي بلغت سابقا قائمة الغربلة الأخيرة: »ما يحاول (هيوغو وليامز) فعله أمر ينطوي على طموح فائق. إنه أمر بديع... انه شأن ينطوي على شجاعة كبيرة«. عين على الداخل يسلّط وليامز في ديوانه »مطر بيلي« عيناً نهمة ونهّابة على ذاته، متحريا ومدققا ضمن إيقاع شعري بأشياء معيشة قد تبدو تافهة، من مثل قصة شعر أو توقيت إنذار المنبه لصبيحة اليوم التالي. الى ذلك يعالج وليامز بنفس التركيز النهّاب مظاهر ومسائل من الحياة أكبر من تلك المعيشة من مثل الشهوة، والغيرة، وبلوغ الذروة الجنسية عند المرأة. ولذا فإن قراءة القصائد تمد القارئ بحالة تجسس عصبية الطابع على أمر جد خاص وشخصي، ويبدو ان هذه الحالة تنسحب على الشاعر نفسه. ومن هنا نراه في القصيدة الأخيرة في الديوان، »مشهد الشرفة«، على سبيل المثال، يضع نفسه في مكان رجل جالس في أوتوبيس من طابقين، يتطلع من خلال الزجاج على وليامز وحبيبته أثناء ممارستهما الحب. الملاحظ أن الكثير من قصائد المجموعة ينضح بحرقة مؤلمة. فهو يكتب في قصيدة »التوافه الحلوة« عن الطريقة التي تستحوذ فيها علاقة حب منتهية بشكل هاجسي على الذاكرة بقوة مطّردة: »لم يتبق منها شيء، لكنها لم تزل مقيمة/ لم تزل مقيمة والمزيد منها كل يوم«. اللافت ان ما يعطي طاقة تعبيرية قوية لهذه المفارقة المرسومة في القصيدة هو عري الأسلوب وترداد التركيب اللغوي. ويرى وليامز ضرورة أن يوضح أكثر نهاية العلاقة فيقول: »انه أمر غير عادي... أقصد الطريقة التي يندلق بها الحب مع الانفصال. الأمر أشبه بقطعة شوكولا طرية، تبدو لذيذة، ومن ثم في النهاية تندلق بقوة كل هذه المادة اللزجة، هذه العاطفة المفرطة، يندلق هذا الذي يسمونه الحب. وتدرك بالمقابل فجأة أنك متورط الأحاسيس أكثر مما تراءى لك«. ولعل ما يفسر أسلوب وليامز هو خلفيته العائلية. اعتاد والده هاغ وليامز، نجم ثلاثينيات سينما القرن الماضي، كتابة مسرحيات كوميدية عائلية مع زوجته مارغريت. وقد أدى الممثل الشهير غاري غرانت مسرحيتهما »العشب أشد اخضرارا« في فيلم سينمائي. ويعترف وليامز الابن بأنه ورث عن والده، الذي هو محور مجموعة شعرية سابقة بعنوان »الكتابة عن المنزل«، »نوعا من الأسلوبية الخاصة، وكتابة أبيات خاصة بي لألقيها أنا... لم يفتح أبي مرة فمه إلا ليصوغ نعتا أو لقبا جيد السكب وإن قاسيا. كان ثمة الكثير من هذا، الكثير مما لا يجعل المرء مضجرا للآخرين عند ذاك الجيل«. لكن هذا لا ينفي أن قوة شعر وليامز، والتأثير المتصاعد والمتكامل لكل متوالياته مجتمعة، هو وحده، وليس غير ذلك، ما حدا بلجنة الحكم لتفضيل »مطر بيلي«. وقد أثار وجود الشاعرة هيل ضمن لجنة الحكم تكهنات بأنها يمكن أن تميل الميزان لمصلحة واحدة من الشاعرات الثلاث اللواتي بلغن قائمة التصفية الأخيرة، لذا تقول معقبة: »كنت مدركة أنني أول امرأة في لجنة الحكم، وأن الكثيرات أملن أن أقوم بخيار الى جانب بنات جنسي«. ثم تضيف هيل، »لا أعتقد أن أولئك النساء الثلاث احتجن الى خدمة كهذه مني... أدركت أننا في النهاية توصلنا إلى اختيار الذكر الأبيض الأشبه في مظهره بتلامذة مدرسة أتون الرسمية! لذا أراني فخورة بأننا لم ندع مسألة الجندر تتدخل«. ثمة بالطبع العديد من المجموعات الشعرية التي لا تنطوي على شعر حقيقي، لكن ديوان وليامز الذي لا يتوانى عن تشريح علاقة الشاعر الغرامية يستأهل القراءة.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة