تجاذبت الفكر العربي، في القرن العشرين تحت ضغط الخطر الأوروبي، الذي تحول احتلالا أغرق الوطن العربي، بعد انهيار الدولة العثمانية خيارات ثلاثة، الأول اختار التماهي بأوروبا، والثاني حاول الجمع بين التراث والحداثة عبر أسلمة مفاهيمها، والأخير اتجه نحو التجديد عبر الرجوع الى الأصول. وتقاطعت تلك الخيارات الثقافية بمشاريع سياسية، توزعت بين الرابطة الإسلامية (أو العثمانية)، والرابطة العربية ردا على سياسة التتريك، ونزعة إقليمية، شددت على الصلة القطرية، ومعلية شأن العلاقة مع الغرب على حساب الرابطتين العربية والإسلامية. وقد مرت تلك التيارات بمراحل مختلفة، تنوعت حسبها، وكان لها رجالها، ومفكروها، غدوا علامات على تمرحل فكرنا في قرننا الماضي، ونحن سنختار هنا عشرة من هؤلاء المفكرين، مع كتاب لكل منهم، على الرغم مما يكتنف هذا الاختيار من مجازفة، رغبة منا في رسم بعض حلقات ثقافتنا في القرن الماضي. الخلافة وخلافها 1 رشيد رضا (1865 1935) و»الخلافة أو الإمامة العظمى«: في الربع الأول، من القرن العشرين، تأثر الحوار الفكري العربي بفعل حدثين: »الثورة العربية« في المشرق، وإلغاء مركز الخلافة في تركيا، وكان لرشيد رضا موقفه المعلل من هذين الحدثين. وُلد في طرابلس/ لبنان، وانتقل الى مصر، فتتلمذ على يد الشيخ محمد عبده (1849 1905)، وأصدر عام 1898 »المنار« تحت إشراف أستاذه، وكتب مجلدين عن حياة الإمام محمد عبده، ناصر »الثورة العربية الكبرى«، وصار رئيسا للمؤتمر السوري عام 1920، وعضوا في الوفد السوري الفلسطيني الى جنيف عام 1921. شارك عبده اعتقاده في أن سبب تخلف المسلمين، إنما يعود الى انحرافهم عن حقيقة دينهم بتشجيع من الحكام الفاسدين. وافترض ان الاسلام دين توحيد، وينطوي على مبدأ الشورى، الذي يمكن أن يشكل مبدأ الديموقراطية ترجمة معاصرة له، ودعا الى الاحتكام للعقل، وأخذ مبدأ المصلحة بعين الاعتبار، وأن بالإمكان تجديد المدنية العربية الاسلامية. أمام حدث إلغاء منصب الخلافة، ظهرت إجابات مختلفة، تراوحت بين نموذج الالتحاق بأوروبا، حتى إذا اقتضى الأمر الاعتماد على الاحتلال الأجنبي، ومثّله: سلامة موسى، وجماعة »المقتطف« والمقطم (الإخوة صروف، وفارس نمر)، وبين نموذج يحمل مشروع الدولة العربية، على قاعدة مقاومة الاجتياح الغربي، ومثله عبد الرحمن شهبندر، أما الإجابة الثالثة فصدرت من داخل المرجعية الاسلامية، وتراوحت بين نموذج قدمه علي عبد الرازق استنادا الى مفهوم الدولة العصبية الخلدوني، وآخر قدمه الشيخ رشيد رضا، وهو نموذج الفقيه، دعا فيه الى خلافة نموذجها المثالي: الخلافة الراشدية. وكتب نصا سيكون له، لاحقا، تأثيره على الحركات الإسلامية. وهو »الخلافة، أو الإمامة العظمى«: استعاد فيه النص الفقهي بشأن الخلافة، لإحيائها كخيار استراتيجي لمواجهة ضرورات التجديد، والرقي. فاعتبر أن الخلافة الحقة، هي الخلافة الراشدية، التي لا يجمعها جامع بأمارة الاستيلاء، أو السلطنة كما رآها الماوردي. وانطلاقا من ذلك، اعتبر تاريخ خلافة التغلب من بني أمية الى بني عثمان، لا ينطبق عليها نموذج الخلافة الحقة، وشرعيتها المرتبطة فقط بضرورتها، يجب أن توقف التطلع نحو الخلافة الشرعية الحقة! 2 علي عبد الرازق (1888 1966): »الإسلام وأصول الحكم«: تلقى علومه في الأزهر الشريف، وتأثر بالجو الفكري الذي خلفه محمد عبده، أكمل دراسته في اكسفورد، أصدر في عام 1925، في مناخ ردود الفعل على إلغاء الخلافة، كتابه »الإسلام وأصول الحكم«، حيث أثار عاصفة لم تهدأ. طوّر ما قاله محمد عبده، من ان لا سلطة دينية في الإسلام، وبالتالي لا سلطة دينية للحاكم، فهو حاكم مدني من جميع الوجوه، وإن كان يتبع الشرع، ويعود تقرير أمر انتخابه الى الجماعة، ويعود عبد الرازق الى منهج ابن خلدون التاريخي، مطورا نصه، الذي ميز بين الخلافة، والملك، وبين الوازع الديني، والعصبية. ليصل الى استنتاج مفاده، أن الخلافة شأن زمني، يتبدل بتغيير الزمان، مؤكدا أن لا سند شرعياً لها في الكتاب والسنة، فالإسلام حسب عبد الرازق قدم رسالة ولم ينشئ ملكا، جاعلا بذلك المجال السياسي حيزا مستقلاً عن علوم الدين، ومحدثا حيزا يمكن تسميته بالعلمنة الإسلامية. 3 نجيب عازوري (ت 1916): »يقظة الأمة العربية«، كاتب سوري، رُبي تربية فرنسية، كان موظفا عثمانيا في القدس، ذهب الى باريس، وأسس عصبة الوطن العربي عام 1904. وأصدر مجلة الاستقلال عام 1907، وترأس المؤتمر العربي في باريس عام 1913. كان من دعاة الرابطة العربية، ومبهورا بالحداثة الأوروبية وقيمها، ومثّل جزءا من النخبة العربية، التي ارتضت، تحت ضغط سياسة التتريك التي نفذتها النخبة العلمانية التركية في تركيا الفتاة، إلى مد يدها للحلفاء لينال العرب استقلالهم عن العثمانيين، واشتركوا في ثورة الشريف حسين. أصدر كتاب »يقظة الأمة العربية« عام 1905، الذي مارس تأثيره على قسم من النخبة العربية المشرقية، في الربع الأول من القرن العشرين، شدد فيه على وجود أمة عربية تشمل جميع الناطقين بالضاد في آسيا، مستبعدا مصر والمغرب العربي بشكل متعسف، وحمّل الأتراك مسؤولية انحطاط العرب، فدعا الى استقلال الأمة العربية. وما يميز مؤلفه كونه أول من نبه الى خطر الصهيونية، مشيرا الى ان هناك ظاهرتين خطيرتين متناقضتين: يقظة الأمة العربية، والحركة الصهيونية »وانه مكتوب لهاتين الحركتين أن تتصارعا باستمرار حتى تتغلب الواحدة على الأخرى. ويتوقف على نتيجة هذا الصراع مصير العالم أجمع«. العرب وأوروبا 4 طه حسين: »مستقبل الثقافة في مصر« وُلد في عام 1889 في قرية من مصر العليا، فقد بصره في سن مبكرة، تربى في »كتاب« إسلامي، ودخل الأزهر، وتعرف فيه على أفكار محمد عبده، واكتسب معرفة واسعة باللغة العربية وآدابها الكلاسيكية. والتحق بحلقة لطفي السيد، واستمع في الجامعة المصرية إلى مستشرقين، أمثال: ليتمان، ونالينو، وسنتيانا، وذهب الى باريس عام 1915، وقضى أربع سنوات، استمع الى دوركهايم، وقرأ الآداب الأوروبية، وتزوج امرأة من هناك. أحدث أزمة عاصفة عام 1926 بإصداره »في الشعر الجاهلي«، طبق منهج المدرسة الوضعية عليه، وشكك في انتساب الشعر الجاهلي الى ذلك العصر. انتظم داخل مدرسة لطفي السيد ذات النزعة الاقليمية المصرية والداعية للاندماج بأوروبا دون المرور بالدائرة العربية أو الاسلامية، والاستفادة من واقع الاحتلال الإنكليزي لإنجاز التحديث. ولقد انتسب الى ذلك الجيل من المثقفين الذين نشأت لديهم، في ما بين الحربين، نزعة الانبهار بالتقدم الأوروبي والقوة الأوروبية، فدعت للتكيف مع واقع الاحتلال لإنجاز ذلك التقدم، ومن ثم الارتباط بالمحيط الأوروبي، فأتى كتابه »مستقبل الثقافة في مصر« عام 1938، ليجسد كل تلك النوازع ويعززها بالحجج اللازمة، لينتهي الى القول: »علينا أن نصبح أوروبيين في كل شيء، وأن نسير سير الأوروبيين، ونسلك طريقهم.. وأن يدرس المصريون تاريخهم، ويفهموا أن مصر كانت دوماً جزءاً من أوروبا«. فغدا هذا الكتاب إنجيلاً لأصحاب النزعات الإقليمية المتأوربة، في الأقاليم العربية، كلٌّ يوظفه لمنظوراته الاقليمية. لكن طه حسين عاد وأخضع لتأمله المرحلة العربية الإسلامية من تاريخ مصر، التي تمثل بالفعل جوهر »الشخصية المصرية« وحقيقتها لينتهي الى تأكيد انتساب مصر العربي، فكان كتابه »الوعد الحق« عام 1950 بمثابة الخطوة الأولى في الدعوة الى الانصهار في البوتقة العربية، طوّرها لاحقا في كل اتجاه، وكان لتأملات طه حسين بمجملها، الأدبية والفكرية، تأثيرها الكبير على أجيال من المثقفين العرب. 5 ساطع حصري (1880 1968): »آراء وأحاديث في الوطنية والقومية«: وُلد في صنعاء لأسرة حلبية عربية، تنقل في بلاد عدة بحكم وظيفة والده، ودرس عام 1885 في المدرسة الشاهانية في اسطنبول، واشتغل مدرسا للعلوم، ثم موظفا في الادارة العثمانية، واحتك بالمشكلات القومية البلقانية، وكان على صلة بتركيا الفتاة، وبثورة 1908، ولكن عندما أصابه اليأس من الشركة العربية العثمانية، ومن أعمال جمال باشا السفاح، وتهجير العرب بعد هزيمة الأتراك، انضم الى العناصر »القومية« بدمشق عام 1919، واستلم وزارة المعارف في العهد الفيصلي. ثم التحق بفيصل في العراق عام 1921، فصار هناك وزيرا للمعارف ومديرا لكلية الحقوق ببغداد ومديرا للآثار. ثم أبعده نوري السعيد وسحب جنسيته العراقية عام 1942. تنقل بعدها بين لبنان وسوريا، ثم استقر في مصر، منذ عام 1947. فدرّس في معهد التربية العالي، التابع لجامعة الدول العربية، ثم مستشارا في إدارتها الثقافية. احتل موقع المنظِّر الأول للقومية العربية والوحدة بلا منازع، وأصبح الملهم النظري لأجيال من القوميين العرب، خاصة في المرحلة الناصرية، أي مرحلة المد القومي في الخمسينيات والستينيات. كتب مؤلفات عديدة عن ابن خلدون، وعن حال البلاد العربية في الدولة العثمانية، ولكن كانت أشهر كتبه تلك المتعلقة بالقضايا القومية العربية، وهي كثيرة جدا، ولعل نواتها كانت تلك التي كتبها في الثلاثينيات، وحملت اسم »آراء وأحاديث في الوطنية والقومية«، التي لاقت قبولا وانتشارا واسعا في الوطن العربي، قدم فيها البرهان النظري على الرابطة القومية العربية، وعلى ضرورة الوحدة، ورد فيها على التيارات المعارضة، ان كان أصحاب الرابطة الاسلامية، كالشيخ المراغي، أو أصحاب النزعة الاقليمية كطه حسين، قبل تحولاته الأخيرة، اعتبر فيها ان اللغة والتاريخ هما العاملان الأصيلان اللذان يؤثران أشد التأثير في تكوين القوميات، وينيط بالعامل الأول الدور الحاسم، واقفا ضد النزعة العرقية القومية، مركزا بدلاً من ذلك على الرابطة الثقافية اللغوية. وإذا كان الحصري قد بدأ يُلحظ تأثيره منذ الثلاثينيات، إلا أنه ينتسب فعليا الى جيل الحقبة الناصرية. 6 عبد الله العروي: »الايديولوجيا العربية المعاصرة«: إذا كان الحصري منظِّر الصحوة القومية ومعه زريق، والريماوي وعفلق.. الخ، فإن العروي جاء في ذروة هذه المرحلة، وبعدها أتت هزيمة حزيران لتضع عبد الناصر في حالة دفاعية لم يعش حتى يستدرك مآلاتها القصوى، فجاء كتاب العروي »الايديولوجيا العربية المعاصرة« عام 1967، ليقرأ الواقع العربي على المستوى الايديولوجي، فيذكر بهذا الصدد، ان ملاحظته إخفاق (ابن بركة) في مشروعه السياسي، وعبد الناصر في إنجاز الوحدة العربية، وابن بلة في إنجاز برنامجه الاصلاحي، قاده الى إدراك أهمية العامل الايديولوجي في هذا الاخفاق، فأشار الى ان إخفاق النخبة العربية، يفرض علينا ان نفكر، كيف يتوهم ويتمثل العرب أنفسهم، ما دامت الايديولوجيا هي التي تقود البنية الاجتماعية عند العرب لا العكس، لأن الفكر العربي محكوم بالنظر الى المستقبل لاستحضار واقع مرتقب، نتمثله من الغرب، فقد كتب علينا ان ندرك واقعنا من خلال توسط صورة أوروبا. وأبطال الايديولوجيا عندنا قاسوا واقعنا على الصورة التي أخذوها للغرب، فالشيخ اتخذ »الإصلاح الديني« نموذجه، فرد تخلفنا الى انحرافنا عن ديننا، والليبرالي أرجع تأخرنا الى ماضينا الاستبدادي. وداعي التقنية أرجعها الى تخلفنا الصناعي. وهكذا فالعرب فكروا بواقعهم قياساً على وجه واحد من الحضارة الأوروبية، دون وعي شامل بوجوهها المختلفة، واكتفوا بالمحاكاة والرد على أسئلة الغير. والحال فإن التخلف التاريخي عند العروي هو تأخر في الذهنيات، تأخر إيديولوجي، لأننا نعيش ثنائية بين تقدم في الاقتصاد والمكننة، ونتخلف في الذهنيات، لانعدام وجود ايديولوجيا منسجمة (مطابقة). والايديولوجيا التي يقترحها علينا العروي، هي الايديولوجيا، والمنهجية التاريخانية، التي تفترض معنى للتاريخ وغاية، وان هناك أسبقية تاريخية ومنطقية للتاريخ العالمي، على التاريخ المحلي، فضلاً عن انها تمنح المعقولية لتفسير التاريخ. من هنا، أصبح هدف العروي الرئيسي للخروج من الأزمة، هو تحديث الذهن العربي بتطعيمه بالتاريخانية، والذي يتضمن استيعاب الليبرالية واقعيا وفكريا، دون قيادة البرجوازية. 7 ياسين الحافظ: »الهزيمة والايديولوجيا المهزومة«: أثار هول هزيمة حزيران، إجابات عدة عن أسئلة طرحتها، للخروج من مأزقها، بالاضافة الى استلهام ماركسية غوارية مستعارة من التجربة الفيتنامية والكوبية، انتعشت على حافة المقاومة الفلسطينية، فهناك إجابة سيد قطب في »معالم على الطريق«، حوّل فيه الإصلاح الديني، ذا النزعة المنفتحة التصالحية، الى خطاب يكفر الدولة والمجتمع أيضا، ويطرح مفهوم »حاكمية الله« الذي سيصبح إنجيل »الإسلام السياسي« الاعتراضي ثم تأتي إجابة ياسين الحافظ، والجابري، وغليون في هذا السياق. فياسين الحافظ من مواليد دير الزور في سوريا، واكب نهوض المرحلة القومية، وصدمته هزيمة حزيران بعمق، الى درجة تفكيره بالانتحار، أصدر مؤلفه »الهزيمة والايديولوجيا المهزومة« عام 1979، ذهب فيه بنفس الاتجاه الذي دشنه العروي، فأرجع »الأزمة« الى تخلف الوعي الحاكم لعقل النخبة السياسية، والثقافية. ودعا الى إيديولوجيا حداثية (مطابقة) متماسكة، وتحديث العقل عن طريق استلهام التاريخية، ليحكم السلوك السياسي الذاهب باتجاه الوحدة وفلسطين، وتجاوز التخلف، مع ما يتضمن كل ذلك من دمج الليبرالية والعقلانية والتنوير والعلمانية، في تربة واحدة، ومعتبرا التحديث المُنجز تحديثا مشوها، ناتجا عن قصور وعي النخبة. 8 د. محمد عابد الجابري »تكوين العقل العربي«: وُلد في المغرب عام 1936، يعمل أستاذا للفلسفة في كلية الآداب بالرباط، سعى مثل العروي وياسين الحافظ، الى تحديث العقل، لكن بدلا من توسيط التاريخانية يوسط التراث داخل أطراف جدلية ثلاثة: الحداثة، الايديولوجيا، التراث. أصدر عام 1982 »تكوين العقل العربي«، الجزء الأول من ثلاثيته: نقد العقل العربي، انطلق فيه من افتراض أساسي، مفاده: ان نقد العقل جزء أولي لكل نهضة، ولقد تعثرت نهضتنا لنسيانها هذا المبدأ. وبالتالي بقي العقل العربي أسير نظام معرفي تأسس في عصر التدوين، في القرن الثاني الهجري. وهو ما جعل العقل العربي المعاصر، كما كان قديما، عقلا قياسيا، يبحث عن »الأصول«، ويقيس الشاهد على الغائب، فالسلفي لا يزال يرى أسباب التخلف تكمن في الابتعاد عن طريق السلف، والتقدم منوط بالرجوع إليه، أما التاريخاني المتأورب، كالعروي وياسين الحافظ فهو يدعونا الى (قياس) مشكلاتنا على الأوضاع الأوروبية، فيبقى الغائب الأكبر في الحالين، الواقع الحي. من هنا فهو يصل الى نتيجة مفادها، ان معرفة العقل العربي كما تكوَّن في عصر التدوين، وكشف مكوناته، وآلية عمله، تقود الى معرفة مكونات العقل العربي المعاصر، وآلية اشتغاله، وعند الوصول الى تلك المعرفة نكون قد هيأنا الشروط المعرفية لإحداث قطيعة قوامها تدشين زمن ثقافي جديد، على أسس ابستمولوجية جديدة. وأشار الى ان مكونات العقل العربي تنطوي على ثلاثة أنظمة معرفية: »البيان« الذي يتكشف في مواضعات اللغة العربية، والعلوم العربية، وتجلى بشكل عام في المذاهب الفقهية لأهل الجماعة، والعرفان، نجد جذوره في المذاهب الغنوصية، الهرمسية، يعتمد الحدس، البصيرة، للوصول الى الحقيقة. ينشد الحقيقة في الباطن، وتجلى في المذاهب الإمامية والصوفية. أما البرهان فيستند إلى العقل المنطقي الأرسطي، كما تجلى خاصة في الفلاسفة الأندلسيين، وبعض المذاهب الظاهرية: ابن رشد، ابن باجة، ابن حزم. ولقد تعايشت تلك النظم المعرفية داخل الثقافة العربية ثم انتهت الى سيطرة نظام العرفان، حيث استقال فيه العقل العربي. إن تجاوز الأزمة والانطلاق لتأسيس نهضة جديدة يعتمد على تأسيس عصر تدوين جديد، يقوم على الانتظام في التراث، الجانب الذي اعتمد البرهان، كذلك الانتظام داخل الفكر العالمي المعاصر، بتوظيف أدواته المنهجية لإعادة بناء الماضي، ثم الانكباب المتواصل على تحليل واقعنا الراهن، حيث يفضي هذا بنا الى العقلانية النقدية والتقدم والديموقراطية. 9 برهان غليون (1945 )، »بيان من أجل الديموقراطية«: وُلد في حمص من سوريا، ويقيم حاليا في باريس، يدرس في جامعاتها، أصدر أول مؤلفاته »بيان من أجل الديموقراطية« عام 1978 الذي تضمن نواة أفكاره الكبرى، حيث بسطها وعمقها في مؤلفاته اللاحقة. استبعد في »بيانه« ان يكون مصدر الأزمة تخلف الوعي، أو التقصير في نقد العقل العربي، والانتظام فيه بهدف تجديده، بل أرجع الأزمة برمتها الى الطريقة التي بنيت فيها الحداثة، التي أقامتها دولة الحداثة الاستبدادية، تساندها نخبة متغربة، تستبعد الجمهور وبالتالي الديموقراطية من حسابها، من هنا أتى قوله: إن تاريخ التحديث العربي جسدته ثلاث محاولات فاشلة لتكوين الأمة، وبناء الحداثة، ولخصتها ثلاثة مذاهب، ومعها ثلاثة أنماط من بناء الدولة التي أنجزت بنجاح ساحق المهمة التاريخية الموكلة إليها: تحقيق شروط زوال الأمة، وإلحاقها كمخيمات عمل بالنظام العالمي. وشدد أخيرا، على أن المخرج الحقيقي من الدوامة الجهنمية، التي يعيشها العرب، هو في خروج (الشعب) من القمقم، الذي وضعته فيه الدولة التحديثية، الى رحابة الحياة الديموقراطية. 10 ادوار سعيد: (الاستشراق): وُلد في القدس، ثم طردته إسرائيل منها مع عائلته عام 1948، فأتم تعليمه الابتدائي والثانوي في القاهرة، ثم نال الدكتوراه من جامعة هارفرد بأميركا، ويعمل حاليا أستاذا للأدب المقارن في جامعة كولومبيا، صدرت له عدة مؤلفات أهمها على الاطلاق »الاستشراق«، ويليه الثقافة والامبريالية. أثار »الاستشراق« عند صدوره عام 1978، ضجة عربية وعالمية، وطرحت الاستشراق كله على المحك. فبالاضافة الى ما كشف عنه من تحيز الاستشراق، فهو يفكك مفهوم »المركزية الأوروبية« ويظهر تهافته لصالح نظرة تعددية للثقافات. يتحدث سعيد عن الاستشراق باعتباره نهجاً للإنشاء، تأسّس في مرحلة »التنوير«، ومع تصاعد قوة أوروبا وطموحاتها العالمية، تعززه المؤسسات وتراث بحث، وصور ذهنية مذهبية، والمكاتب الاستعمارية. فالاستشراق قام على أساس علاقة القوة بين الغرب والشرق، وصورة معبرة عن هذه القوة، وإرادة السيطرة، وتبريرا لهما. وأصبح مع الأيام بنية متلاحمة الانشاء والضبط، إذ ان النتائج الفاعلة للتسلط الثقافي، هي ما يمنح الاستشراق المتانة. فهو قد أنتج أساسا في ظل تسلط الغرب على الشرق مع نهاية القرن الثامن عشر. فأبرز شرقا معقدا، متشابكا، يلائم دراسته في جامعات أوروبا، ومتاحفها، ومكاتبها الاستعمارية، وللإيضاح النظري في أطروحات علم الإنسان، والالسنية والأعراق. فأتى مشبعا بمذهب التفوق الأوروبي، وبشتى أنواع العنصرية والاستعلاء. فغدا بذلك نمطا من السلطة الفكرية المعرفية على الشرق، تفترض ان الشرق لا يستطيع أن يمثل نفسه، لذا يجب أن يُمثلوا! فتحول »علم« الاستشراق الى عقبة حقيقية أمام العلم الحقيقي بالشرق. لقد انكب ادوار سعيد على الاستشراق، ليجلو حقله وتنظيمه الداخلي، رواده، ونصوصه الشرائعية، وأفكاره التسبيحية، سلطاته المرجعية وأتباعه. وكشف بنيته الصلبة المتصلة بثقافة أوروبا عن الآخر. مقوضا بذلك كله أسس المركزية الأوروبية، فاتحا الطريق لاحترام تعددية الثقافات في عالم واحد، ولمشاركة الجميع في صنع عالمهم المشترك. * * * أمام مفرق القرنين يقف المثقفون العرب يحملون أجوبة مترددة عن مشكلات جديدة، طرحها تمزقهم الداخلي في التسعينيات، كما طرحها تغير البيئة السياسية والاقتصادية لعالم تقوده، الى حد كبير، دولة واحدة، بما يتضمنه من قضايا العولمة، ومفاهيم الشرق أوسطية، وما يرافق ذلك كله من استيراد أطروحات »ما بعد الحداثة«، أخذها البعض كأداة إجرائية لاستعادة المشروع النهضوي العربي، على أسس أكثر واقعية، ودقة، وتصويب بعض المفاهيم المغرقة في تبسيط، واتخذها البعض الآخر غطاءً فكرياً لنزع الشرعية عن كل ما طمح العرب إليه طوال القرن العشرين، باعتباره من السرديات الكبرى!