As Safir Logo
المصدر:

كان والدها يعرف 30 لغة ولأنها لا تستطيع تجاوزه جعلت الأدب لغتها الخاصة كريستين انغو: الأدب ضد المجتمع.. لا أعيد الكتابة فهمّي نبش جوهرة لا صقلها

كريستين انغو ليس لدي افكارا
المؤلف: حبش اسكندر التاريخ: 2000-02-11 رقم العدد:8524

نستطيع أن ندعي بدون كذب أن كريستين أنغو (Christine Angot) ماتت من جراء مرض عضال في مدينة »أميان«. على كل هذا ما كتبته في روايتها الأولى (Vu du Ciel). في واقع الأمر، تضع الكاتبة في مجرى الأحداث، وكما في غالبية كتبها اللاحقة، شخصية مشابهة لشخصيتها، حتى انها تحمل اسمها أحيانا، كي تعطي للنص مظهرا خادعا. من هنا يشبه الأمر السيرة الذاتية، أو بالأحرى له طعم السيرة الذاتية، إلا أنه كتاب متخيل. في كتابها »ليونور، دائما« كما في كتاب »الآخرون«، تقتبس الكاتبة شكل اليوميات، كي تسجل أولى أيام أمومة امرأة، تشبهها. انه ميلاد الصغيرة ليونور الذي يمنع الأم من متابعة عملها ككاتبة. عند نهاية الرواية تموت الطفلة. حين صدر الكتاب العام 1993 تأثر بعض القراء لهذا الغياب المأساوي، وأظهروا تعاطفا مع الكاتبة. قد يبدو هذا التشوش، مفهوما بالنسبة الى القراء. لكن الصحافة جاءت بدورها لتظهر عدم فهم واضحاً للمسألة، وبخاصة حين مزجت ما بين الكاتبة والراوية. لهذا قد نستطيع تشبيه أدب أنغو بدودة، تنخر جيدا ثمرة »مجتمع الفرجة« الأوروبي. فهي هنا ترتدي دائما الثياب التي ترتديها السيرة الذاتية، وتلعب ورقة الحميمي في مواجهة تقترب من »الوقاحة« أو من »اللاحشمة«، وتتسلح بجميع أنواع الأسلحة التي يجدها التلفزيون وبعض الصحافة أسلحة غير هجومية، ما دامت تشكل جزءا من ترسانتها الخاصة. ها نحن إذاً أمام شيء محدد بشكل مدهش: أمام كتاب، أمام شهادة شخص يروي حياته، محارمه، بؤسه وسعادته. لهذا الأمر تبدو الشهادة أمرا خاطئا. البرهان على ذلك؟ في كتاب »ليونور، دائما«، تشعر الراوية بالدهشة لأنها استطاعت في النهاية، ان تكتب قصيدة لتقرأها لابنتها. لكن، بعد صفحات تعترف بأن القصيدة هذه وجدتها في مجلة (Impressions du sud)، وهي لمارينا تسفيتاييفا... في كتاب (Interview)، تضع الكاتبة فوق مجرى الأحداث، شبيهتها في مواجهة صحافية لا تبحث إلا عن شهادة معيشة عن المحارم. كانت الصحافية تدعي انها مقابلة أدبية، بيد أن هدفها أبعد من ذلك. تعاند المضيفة في البداية، لكنها عند النهاية: »هاكم ما أقترحه، بالنسبة الى الحشريين، هاكم عشر صفحات ذاتية جدا. أما بالنسبة الى الذين يزعجهم الأمر فمزقوها، وأشكركم. ومع ذلك فأنا فخورة بهذه الصفحات«.. ماذا تعتقدون؟ رجل في كتاب بروست ثمة سؤال يطرح نفسه: ما الذي يدفعنا الى التفكير بهذا العمل؟ تُظهر رواية (Interview) كيف أن الأدب يستطيع أن يجاوب الواقع. فإذا كانت الصحافية في الرواية تأخذ الأدب حجة، كي تحصل على شهادة الكاتبة، فإن الكاتبة، على العكس من ذلك، تأخذ الواقع حجة (»سأروي لكم المقابلة التي تمت معي« كما تقول) كي تصنع من العمل المتخيل عملا أدبيا. لنفترض أمرا ما: ان عمل كريستين أنغو الذي بدأت تشييده منذ (Vu du Ciel) وحتى (Lصinceste)، ليس سوى محاولة شرهة لامتصاص العالم الخارجي. انها تتحرك مثل الفيروس. تدخل في قلب الجسد الاجتماعي، تمس الفرد، تحيله شفافا تجاه العاطفة الخام، العنيفة. باختصار انها تصيبه. ولتقوم بذلك تستعمل كريستين أنغو لغة بسيطة متحررة من الواجبات النحوية، التي تنصاع بداية الى إيقاع متسارع في أغلب الأحيان الى نَفَس. هذه اللغة تجبر القارئ على ان يتزاوج مع التنفس عينه، تطلب منه أيضا عملا في إعادة البناء، في إعادة الإبداع، لأن »الخداع« يقع داخل تشوهاته. من هنا، يبدو تمازج الأصوات الذي تتشكل منه روايتها (Les Autres)، وكأنه ينسج حميمية، هي في البداية حميمية القارئ. لذلك، نبدو كأننا أمام تناقضي: فبحجة انها تتحدث إلينا عنها، تفشي لنا كريستين أنغو ذواتنا وهي تأخذنا في رحلة داخلية. كذلك نستطيع أيضا أن نتخيل، أي انها تستدعي حياتها الخاصة، ليست سوى تمرين، يفرح أنغو كثيرا: »ان السيرة الذاتية هي مادتي، تماما كما لو أنني أنشر مسوداتي. انه عمل فاحش. ومن ثم، لا أعرف لماذا يهتم الناس بذلك«. أضف الى ذلك قولها، انها تحب كثيرا الذهاب الى أقصى ما يُطلب منها، تقول: »الكتابة والكائن البشري، هما الشيء ذاته. لو كانت كتابة حقة، حقيقية، لكان هناك تناغم بين الكائن البشري والأدب«. وُلدت كريستين أنغو على عتبة الستينيات في شاتورو. أمضت طفولتها الأولى بالقرب من أمها وجدتها: فالوالد كان قد غادر المنزل حتى قبل ميلاد طفلته. من شاتورو، تتذكر الكاتبة ذلك »الرجل الآلي« ذلك »الكبوشي الذي كان موجودا في طفولتي في شاتورو، خلف واجهة محل النظارات. كان يفتح مظلته إذا أمطرت ويرفع قبعته إذا كان الطقس جميلا« (Interview ص 85). يبدو هذا المثل، مثالا دقيقا عن عملها، لأن هذه الذكرى غير صحيحة على الاطلاق، فالكبوشي الذي تتحدث عنه يخرج من عند بروست. في تلك الفترة انتقلت الى مدينة ريمس، حيث رحلت أمها لأسباب مهنية. وهناك قرأت بخاصة، المسرح الكلاسيكي، والتهمت سلسلة كتاب الجيب التي كانت دار غاليمار قد أصدرتها للتو (سلسلة فوليو) تقول أنغو: »أذكر ان كتب فوليو كانت معروضة في واجهة إحدى المكتبات، حيث كنت أتردد غالبا. ما ان أحفظ عنوانا لا أعرفه كنت أشتري الكتاب«. كانت مكتبة أمها غنية بروايات القرن التاسع عشر، ما جعلها تقضي ساعات طويلة في القراءة: »كنت أقرأ بشكل رئيسي أدب القرن التاسع عشر، ما كان يبهجني بخاصة، وأنا في الثالثة عشرة، فيكتور هوغو. كنت أعشق كثيرا هذه الوجدانية.. هوغو رجل ثقيل، وفي الوقت عينه يفرض نفسه. ثمة مغالاة وتفخيم عنده. ان إيقاع هوغو، أي عمله كله، حمله الى أبعد ما كان يستطيع أن يصل إليه بذكائه وحده. لم أكتشف حقا أدب القرن العشرين إلا بعد البكالوريا«. في تلك الفترة، اعترف والدها وهو مترجم يعمل في بعض المؤسسات الأوروبية، بابنته رسميا. في مدينة ريمس، ترددت الى المدرسة خاصة بالشابات. وبعد ان كانت في شاتورو ابنة بلا أب، جربت هنا درجة جديدة من »نغولتها«. كانت رفيقاتها ينتمين الى البورجوازية الرفيعة المقام: »كنت مختلفة، لكن في الوقت عينه لم أكن أنتمي الى عائلة فقيرة. أنا دائماً بين أمرين«. بعد البكالوريا، بدأت بدراسة اللغة الإنكليزية ثم الحقوق. وخلافا للمتوقع، تحمست للحقوق لدرجة انها أوقفت دراسة الإنكليزية كي تكمل دراسة الحقوق حتى حصولها على »دبلوم الدراسات المعمقة«. وبما انها شغفت بالقانون الدولي، نجحت في الدخول الى مدرسة كبرى في مدينة بروج (البلجيكية): »لكنني كنت بدأت الكتابة. كنا في المدرسة، نعيش منكفئين. الجميع منذورون لتبوّؤ مناصب دولية، لكن لا أحد يقرأ. رحلت ذات يوم، فجأة خلال العام الدراسي من دون أن أودع أحدا. ظنوا انني مجنونة، فقد احتجت الى منحة مهمة لأنتسب الى هذه المدرسة، إلا أنني كنت أرغب في الكتابة، وفي نشر كتبي«. لتشرح هذه الرغبة العنيفة، تعود أنغو الى صورة الأب. كان يتحدث بطلاقة ثلاثين لغة: »لا أستطيع أن أصبح أقوى منه. لن أتكلم أبدا أربعين لغة. إلا أنني أستطيع تكلم لغتي الخاصة. تسمح لي الكتابة بذلك، تسمح لي بأن أشحذ لغتي. المادة الخام الوحيدة لكتبي هي لغتي..«. التزام طوال الحياة ومع ذلك وبحسب قولها، ان إفشاء سر سلطة الكتابة، لم يكن يوما مبكرا. في الرابعة عشرة وبعد أن قرأت الرومنسيين حلمت الشابة كريستين بأن تعمل في السياسة: »كانت فكرة أن ألتزم بشغف، لديّ صعوبات كبيرة مع الواقع، وبخاصة في الشك. لا أحتمل أبدا عدم معرفة ما يدور داخل رؤوس الناس، كما يدور داخل رأسي أنا. لذلك، جاء الحل في العمل، العمل الدائم... بدءا من الأشياء الصغيرة، من حجز غرفة فندق والاتصال هاتفيا عدة مرات لأتأكد من أن كل شيء يسير على ما يرام حتى الإبداع«. كان الإبداع يتعلق بالواقع. قامت أنغو بالتجربة وهي في الثالثة والعشرين: »جاء يوم كتبت فيه، كتبت حقا. كان شيئا مهماً جداً. ذهبت مع كلود (زوجي) الى أمستردام، إلا أن الإقامة لم تمض على أكمل وجه، فغادرناها بسرعة. استأرجنا غرفة في فندق توكيه. كنت غاضبة جدا، لم أتقبل هذا الويك اند الخرب. طلبت ورقا من الفندق كي أتابع الكتابة. أعطيت الأوراق لكلود كي يقرأها. قال: انها جيدة. شعرت بالخوف. قلت له: لا تقل لي هذا مجددا، أنا على استعداد لأن أترك كل شيء كي أتفرغ للكتابة. أن يقال لي ذلك، يعني ان الأمر ممكن، أي أستطيع القيام بذلك. انه التزام طوال الحياة. صحيح اننا نحمي أنفسنا طيلة حياتنا من ذلك، إلا أننا في الوقت عينه، لا نرغب إلا في الدخول الى عالم الكتابة. لو أن أحدا لم يشجعني بهذه الطريقة لما تجرأت يوما«. لا ترغب أنغو اليوم في الحديث عن نصوصها الأولى، إلا أنها تقول، انها عبرها »بحثت عن الكتابة« حتى اليوم الذي جاءت فيه أول جملة من اVu du Cielب التي أصبحت روايتها الأولى. كانت تدعى »الملائكة ليست كلها بيضاء«، أرسلت منها ثلاث نسخ مطبوعة على الآلة الكاتبة الى ثلاثة ناشرين مختلفين. لكنها انتظرت 4 سنوات ونصف، قضتها في الرفض والشك: »تقولين لنفسك إنك لا تساوين شيئا، في حين ان زوجك يستمر في إشعارك بأنك جيدة. إنه أبله«. في بحثها هذا استفادت أنغو من دعم باسكال كينيار لها الذي ثمَّن الرواية، لكنه لم يستطع أن يفرضها على لجنة القراءة في »غاليمار«. مع هذا الانتظار، ذهبت لتعيش في نيس. عملت في أعمال مختلفة، لم تستمر فيها لمدة طويلة: »في عملي كنت أدعو للرثاء. ليس عندي أي حس بالعمل الاجتماعي، كما ليس لديّ أي حس أدبي بما يمس الأخلاق. أعتقد ان الأمر مجرد هرطقة حين نقول على سبيل المثال إن لدينا الحق في كتابة هذا، وليس لدينا الحق في كتابة ذلك..«. رفضت دار »غاليمار« المخطوط إذاً، وكذلك دور أخرى، حتى اليوم الذي أنشأت فيه دار غاليمار داراً أخرى هي اLصArpenteurب، التي أدارها جيرار بورغادييه، ووفقا لنصائح كينيار أرسلت المخطوط الى هذه الدار، حيث استقبلت بحفاوة. صدرت اVu du Cielب في كانون الثاني 1990. وبسرعة لقيت الترحيب من قبل الصحافة، كما لدى بعض القراء. لقد دخلت الدودة الى قلب الثمرة. بعد عشر سنوات، أصبحت أنغو في كتابها الثامن. لم تعد نكرة، بل انها شكلت في الخريف الماضي، الحدث الأدبي الأبرز على الساحة الفرنسية. صحيح أن روايتها لم تفز بأي جائزة، إلا أن الكتاب وجد صدى واسعا، كما ان مرورها على التلفزيون في إحدى حلقات برنار بيفو، أثار العديد من النقاشات على صدر صفحات الصحف... منذ سنوات قليلة، تعيش أنغو في مونبولييه. وفي أحد مقاهي المدينة، كان هذا اللقاء: { تجيء روايتك الأولى اVu du Cielب على لسان ملاك كريستين أنغو الحارس. هل تبحثين، عبر هذه الطريقة، أو عبر هذا الأسلوب، عن الهروب من ضمير »الأنا« (Je) الذي تفترضه السيرة الذاتية عادة؟ جميع الكتّاب يقومون بشيء واحد: »مدام بوفاري هي أنا«، حتى الذين يدعون أنهم اخترعوا كل شيء أو تخيلوا كل شيء. صحيح انني في روايتي اVu du Cielب واNot Tobeب، لم أكن قد حصلت بعد على حريتي، أو بالأحرى وإن كنت بقيت على الجانب الآخر الى الحائط، على الجانب التخييلي لم أكن أعرف انني أستطيع أن أستعمل ضمير المتكلم، »أنا«. في الواقع، لم أعرف انني أرغب في القيام بذلك. وأشدد على قول انني كنت على »الجانب الآخر من الحائط« وليس على »الجانب الآخر من المرآة«. المرآة شيء ينكسر، وما يظهر فيها ليس سوى انعكاس. بينما لا نستطيع أحيانا اجتياز الحائط كما انه لا يعكس ما في داخله. كل ما نستطيع هو الاستناد إليه، حتى الشخصية التي تمثلك تستطيع بدورها الاستناد إليه. الكتابة هي الحائط، نقطة الصلة الحقيقية الوحيدة بيني وبين رواياتي. يسمح لي هذا الحائط بأن أحفظ القانون، أن أمنع المخالفة. على الأدب ان يكون مختلفا، مميزا عن الواقع، يجب أن يكون هناك حائط صلب. { بيد أن الحائط هذا بين الواقع والمتخيل، يبدو وكأنه يصبح أقل كثافة من كتاب الى آخر؟ ان كان يصبح أكثر رهافة، عليه إذاً أن يصبح أكثر صلابة، ان يعلو أكثر فأكثر. على القراء ان يشاهدوه بشكل أفضل. { تستدعي أعمالك في كثير من الأحيان، قضايا الحب المحرم، الاغتصاب، الجنس.. وتكتبين ذلك بلغة فجة، هل تبحثين عبر ذلك عن التحريض؟ من جهة، أستند في ذلك للمرور بين الواقع والتخييل. في الواقع حين يمر »السوء« الى التخيل، فإنه يتبرأ من هذا التعليق، من هذا الحكم الذي يُحمل إليه. الأخلاق غير موجودة في الأدب، ان مفهوم الخير والشر غير موجود، فالأدب ليس أمرا أخلاقيا، ولا أمرا علاجيا. لا نستطيع عبره لا أن نقوم بعمل شرير ولا أن نقوم بعمل خيّر. حين تكون في قلب الواقع وتفكر، من النادر ان تدفع بأفكارك الى مكان بعيد وإلا سيكون من المتعذر العيش ضمن ذلك. انه نوع من الرقابة الآلية. لكن حين تكون داخل زمن الكتابة و»تشعوذ« بالأفكار والكلمات والعواطف، تستطيع عندها الذهاب الى أقصى نقطة ممكنة، وأنت بذلك، لا تؤذي لا نفسك ولا أحداً غيرك. الأدب ليس علاجاً { ومع ذلك، فالأدب ليس أمرا غير مؤذ... الحياة قابلة للذوبان في الأدب. أما الأدب فغير قابل للذوبان في الحياة. هذا يعني ان الكتب، من جهتها، تشكل جزءا من الحياة، فالناس يقرأون. وإن كانوا بعد ذلك لا يقومون بذلك الجهد، كي يقيسوا صلابة الحياة، فإنهم عندها سيكونون تناولوا الأمور بشكل سيّئ، فعليهم هم بأنفسهم، ان يقوموا بعملهم كقراء. لو كتبت للتحريض، لكنت انحدرت الى نوع كتابي صغير. معنى ذلك، ان كان هناك في نهاية الأمر، أشياء نابعة من نظام التحريض »فأهلا وسهلا« الأدب هو لعبة أيضا. { لكنه لن يكون »لعبة علاجية«؟ بالضبط، لا يمكن ان يكون طريقة في العلاج. هناك جملة لمارغريت دوراس، لا أذكرها حرفيا، ولكن معناها التالي: »الكتابة لا تنقذ شيئا، بل انها تعلم على الكتابة. هذا هو كل شيء«. هذا الأمر يغيظ الناس، فالمنظمات الاجتماعية هي المجتمع، وحين تقول لهم ان الأدب لا ينفع في شيء، يشعرون بالغيظ والضجر. لا علاقة للأدب بالمنظمات الاجتماعية، فلا أحد يفكر مثل شخص آخر. لا أحد يتنفس كما يتنفس أي شخص آخر. حتى وإن كنا نتكلم اللغة ذاتها، فلا أحد يضع »فاصلة« في المكان الذي يضعها فيه أي شخص آخر. { أن يجد المرء صوته، أن يهرب من الاجتماعي ومن الأخلاق، ألا نكون عندها ندافع عن الفردانية، عن الوحدانية... أجل، لكن أفضل عدم استعمال كلمة دفاع التي ليست سوى تعبير عسكري نضالي، لا أستعمله أبدا. ما يهمني هو إيجاد أغنيتي ككائن لا يتجزأ. ان أتحدث عن العالم الخارجي، عن كائن ما، فهذا أمر لا يهمني. أغنيتي الخاصة هي تلك التي لا يستطيع أن يبدلها أحد. ما يهمني هو هذا الأمر وسط الباقين. ماذا تفعل بنواتك التي لا تتجزأ وكيف تواجه وتستمر في غناء ألحانك وسط تنافر الأصوات. قد يكون هناك تحريض على ان يكون المرء نفسه. كل الأعمال الاجتماعية التربوية، تبدو وكأنها ترغب في تدوير الزوايا، في صقل الحروف. الأدب يحرس الطرف الآخر ولهذا نحن بحاجة الى قراء. قد نقبل ان يبقى الأدب، في المجال الخاص، لكن عند ذاك سينقصه شيء أساسي: القارئ. يقوم الأدب على طرفين. { عندما نسمع كلامك، تتراءين وكأنك تعملين ضد شيء ما، ضد المجتمع، ضد التأصيل.. لست أنا من يرغب في كتابة الضد، الأدب بأسره يكتب ضد المجتمع. كل كتابة تعبّر عن غير المجزأ، كل كتابة لا يستطيع أن يديرها المجتمع هي الأدب. طموحي ان لا يديرني أحد، أي أن يبتلعني الناس وفي الوقت عينه لا يستطيعون هضمي. { تتحدثين عن القراءة بعبارات عضوية، جسدية، تماما كما كان جان بيير فيرهيغن (وغيره) يشبّه الأدب بأنه فعل حب جسدي. من جهة هناك الكاتب الذي يبحث عن ذلك الأمر الحميم، الخاص، داخل أعماقه ليعرضه للقراءة في ما بعد، ومن جهة أخرى، هناك القارئ الذي يلتقط الكلمات كي يبتلعها، كي يمتصها وليضعها في ما بعد، داخل حميميته الخاصة.. أجل، هناك علاقة حب وإغواء. ظننت لسنوات طويلة أنني لم أكن أمارس أي غواية. لكنني كنت على العكس من ذلك، انني أغوي عبر وسائل تشبه وسائل التحريض. علينا ان نغوي الآخر من دون أن يبدو علينا اننا نريد القيام بذلك. { لماذا إذاً لا تروي قصصا جميلة، مليئة بالسعادة، ان كنت تبحثين عن الإغواء؟ أبدا، لأن هذا الأمر يفترض ان أعتني بالقارئ، وبرغبته في القراءة. صحيح انني أفكر فيه، لكن ليس هكذا. لأن القارئ بدوره كائن متفرد وخاص، مثلي ومثل أي قارئ آخر. كي أكتب، أنطلق دائما من أمر لا أستطيع احتماله في هذه الحياة. أكتب كي أحيل هذه اللحظات الى لحظات نستطيع أن نعيشها. تكمن السعادة هنا أيضا. لدى الناس الانطباع بأنني لا أتحدث سوى عن أشياء سلبية في حين أشعر بأنني لا أكتب سوى عن أشياء إيجابية. لماذا هناك سعادة في كتبي؟ لأن الكتاب يتحمل الحياة، الواقع. الواقع مصنوع أيضا من السعادة. { هل لأنك ترغبين في أن تكوني داخل هذه الحميمية، تتحدث رواياتك، في غالب الأحيان، عن الجنس؟ أعتقد ذلك. في الواقع ان الجنس هو أكثر الأشياء حميمية. لا نستطيع أن نكذب في الجنس، لا يستطيع أحد أن يكذبك. انه أكثر الأمور مركزية، وعند الأنثى هو أكثر الأمور انفتاحا. انه أمر حميم جدا، وفي الوقت عينه منفتح جدا: انه أشبه بالحدود. امرأة عجول { حين نخرج من كتبك بشعور بأننا واجهنا شيئا قاسيا، عنيفا، متوترا، أليس مرد ذلك الى أسلوبك حيث تقطع جمله القصيرة الإيقاع؟ أولاً ماذا تعني عبارات سلبية وإيجابية؟ الشيء الوحيد المهم، هو الحيوية. ان الذي يعتبر أمرا ما، سلبيا، قد يجده الآخر أمرا إيجابيا. أي ان كل ذلك ليس سوى مسألة رؤية، وجهة نظر. هناك أناس يضجرون حين يقرأونني، وبالرغم من ذلك، يستمر كل واحد منهم في ان يحيا، يستمر الكتاب في الحياة.. هذا هو المهم. لذلك، ماذا يفضل المرء: ان يكون سعيدا أم داخل الحياة؟ بالتأكيد ان يكون داخل الحياة. أما بالنسبة الى إيقاع كتاباتي، فهذا هو أسلوبي. انه إيقاعي الأكثر حميمية وذلك لأنني امرأة عجول. { ومع ذلك، ربما تمارسين عملاً حقيقيا على جملك، لنأخذ مثلا هذه الجملة في كتاب اInterviewب (ص 46) تقولين: »كان جيزيبي يهتم بليونور، وبخاصة بعنف الكلب«. كيف تركبين جملاً مماثلة؟ تأتي وحدها. تطالب القارئ بالعمل. عليه أن يعيد بناء الأجزاء الناقصة، لأن الاستماع الى أحدهم هذا إن كنا نرغب في سماع شيء مما يقوله يتطلب عملا حقيقيا: الاستماع. { تبدو هذه الاختصارات النحوية، أوضح في كتاب اLes Autresب، الذي يبدو وكأنه عبارة عن مسرح أصوات، أي بدون أحداث حقيقية، كما أننا لا نعرف من يتكلم، إذ لا تسمين المتكلمين. أتظنين أن قارئك سيتابعك طويلا على هذا الدرب.. لا يهمني أبدا أن أتبع سير الأحداث، وإلا سأقع عندها في »سأروي لكم قصة«. ان كان القارئ يهمل الكتاب لأنه لا يفهم منه شيئا.. أمر لا يهمني. أنا متأكدة من ان القارئ يفهم كل شيء. عليه أن يستمع، لأن ذلك سيجبره على المعرفة. على سبيل المثال: ما الذي نزعه الكاتب طواعية، كي أراه، ولكي أراه وحده؟ أي لأراه بشكل أفضل ولكي يبقى في السر. تكمن أهمية الأدب هنا، لأن ذلك، عبر التحطيم، يسمح له بأن يدخل الى قلب رأس شخص ما. لكن يجب الانتباه، لأنه شخص مزور حين يتعلق الأمر بالراوي. ومع ذلك فأنا أعرف تقريبا ما بين جملتين أو بين جزءي جملة. القارئ بدوره يدل على ما هو عليه، لكن قد يختلف الأمر من قارئ الى آخر.. { إنها وسيلة لتعطي للقارئ جزءا كبيرا من إعادة إبداع النص. لكن، ومع ذلك عليك أنت ان تعيدي العمل على هذه الجمل؟ لا أعيد كتابة جملي. لأن ذلك هو عمل الصائغ. لا أريد صنع جوهرة مصقولة ومنحوتة بمهارة، ما أبحث عنه، إنتاج موسيقى ترن بشكل صائب. لا أريد نحت جوهرة جميلة وجدتها، لأنني أريد إيجاد هذه الجوهرة، أي أن أنبش الأرض، أن أذهب الى الأعماق لأكتشف جوهرة خاما تكون جميلة، ولذلك يجب عدم صقلها على الإطلاق. { غالبا ما تستعملين نوعا من التناجي كي تتوجهي الى القارئ. انه تناج عصابي، يأتي بخاصة، في مستهل كل كتاب.. أنا بحاجة لذلك كي »أقلّع«، لكنني بحاجة أيضا وعلى مر الكتاب، لأن أتحدث للقارئ. المهم والكافي في المسرح أو في الكتاب ان نتقدم وأن نذهب، أمام مجموعة من الناس المختلفين، لكن المجتمعين، لنقول: »هذا هو أنا، انني كذلك. لكن بالطبع هذه »الأنا« هي أنا ملتوية.. { تفضلين في كتاب اNottobeب كما في اLes Autresب مفهوم الصوت على مفهوم الشخصية؟ يحوي الصوت كل شيء، انه يحتوي، تقريبا على الشخصية. ثمة قارئان في كل قارئ، تماما كما في كل كاتب، نجد الراوي والشخص الذي يكتب. في القارئ، هناك الكائن الذي ينتمي الى الحضارة كما هناك قارئ أكثر تجريدا، ينتمي الى عالم الكتاب، لكنه قارئ غير متحضر. والرواية عندي، تتوجه بالحديث إليه. أكاذيب { بالنسبة الى الكثيرين، تكتبين سيرتك الذاتية الأكثر حميمية. ومع ذلك فثمة أكاذيب أحيانا في رواياتك، هل تلعب هذه الأكاذيب دور إشارات ما، كي تسم جيدا، أراضي المتخيل.. ان الكذبة التي يُكتشف أمرها، هي أكذوبة الأطفال، الذين يعترفون بعدم صحتها في اللحظة التي تلي كذبتهم. ثمة أكاذيب، لأن هناك ألعابا ما. يفترض الأطفال أمرا منذ البداية: »سنقول اننا هكذا«، وحين يتأزم الوضع، تتغير المسلّمة: »سنقول إننا لم نعد كذلك، بل هكذا..«. يحيل الكذب كل شيء ممكنا. يطلق الكتابة ويرفع الحصار عنها. من جهة أخرى، يتوجب على القارئ أن يقع داخل الشك. ننطلق في الأدب، بفكرة ان كل شيء هو كذب، وما ان نستغرق في الكتاب، حتى نعتقد ان كل شيء مسلّم به. من جهتي، أقوم بعكس ذلك: أقول كل شيء حقيقي، لكن لا تعتبروا أي شيء مسلماً به«. { تعترف الرواية في كتابك اLe+onore, Toujoursب، باستعارتها بعض الجمل من تسفيتاييفا، بيد انك لا تعترفين بذلك دائما. ما أقصده اننا نلتقي أحيانا، في كتبك، بجمل الآخرين، جمل قرأناها في كتب أخرى، هل في الأمر »انتحال« ما أم »تحية« ما؟ لا يزيد الأمر هنا، عن لعبة أخرى. أعشق ان لا يستطيع الجميع القيام بالقراءة ذاتها. ان استعمال الاستشهادات يعزز ما أريده. ثمة من يستطيع تحديد الجمل المأخوذة من كتّاب آخرين، قد يساعد هذا الأمر أو قد يزعج. أما الذين لا يستطيعون معرفة ذلك فيهملون الأمر. وبما أنني أبدل دائما وبشكل مستمر، مواضع التنقيط، تصبح الجملة كأنها جملة لي. تصبح لي. هذا الأمر، أيضا، بالنسبة إليّ طريقة أخرى في القراءة. على سبيل المثال استعملت »الكوميديا الإلهية« في كتاب اInterviewب. أعترف بأنني لم أقرأ هذا الكتاب إلا حين استعملته. حين نقرأ بهذه الطريقة نكون عندها قد قمنا بقراءة مقدسة، جيدة. أحب أن يقع قارئ أحد كتبي في وضع مماثل. { تتحدثين كثيرا عن القارئ، وغالبا ما توجهين الحديث إليه، كي تجعليه يبحر في كتبك! متى تعرفين ان الأمر هذا قد حدث؟ في اللحظة التي أبحر أنا فيها، في اللحظة التي أجد فيها أول ثلاثة أسطر، عندها أكون قد أبحرت، ويكون فيها القارئ غير المتحضر، قد أبحر أيضا. { قد يصر البعض أسنانهم في ذلك، وخاصة أولئك الذين يتعرفون على أنفسهم عبر إحدى الشخصيات؟ إنهم أولئك الباقون في الحضارة. الأدب خارج الحضارة. ان لم يبحر القارئ، فهذه مشكلته، لن أذهب للإتيان به، ليأتِ إن أراد ذلك. { نلتقي بنوع آخر من التحريض في كتاب اLes Autresب. في رواية اInterviewب، تستدعين مقابلة صحافية أجرتها الكاتبة كريستين أنغو مع صحافية لا تهتم إلا بالحب المحرم، التي تعرضت لها مضيفتها، بينما في رواية اLes Autresب تقلبين الأدوار، إذ تطرح الرواية أسئلة على رجال ونساء، وتبدو غير مهتمة إلا بممارساتها الجنسية. من هنا هل هناك بعد ميراي دوما (اسم الصحافية) المضادة هناك ميراي دوما جديدة؟ الراوية في اLes Autresب تطرح أسئلة صغيرة. انها تستمع بشكل خاص. لكنها لا تقوم بإجراء حوار. صحيح اننا لو نظرنا الى الأمر من بعيد، بدا وكأنه قريب من الصحافة والتحليل النفسي، مع ذلك، ليس هناك أي علاقة. ان فكرة الاعتراف اليوم للآخر أمر موجود في الواقع، وعلى هذا نستطيع استعماله. من هنا، ليس ما حدث قلبا لوضع الراوية، لأن ما تقوم به، أبعد مما قامت به الصحافية في رواية اInterviewب. ليس الهدف هنا إجراء تحقيق عن الجنس عند الفرنسيين، فالأمر أشبه بمقولة: »لتعزف موسيقاك، من فضلك«. يتحدث الناس في التلفزيون، وفي أصواتهم بعض النحيب. يقومون بذلك من دون ان يكون هناك أي موسيقى. هذا ما يحصل أحيانا، ومع ذلك، فأنا أسجل ما قيل، وما حصل حين أشاهد حلقة تلفزيونية. من هنا ثمة سؤال يطرح نفسه: لماذا أمنع نفسي بحجة أن التلفزيون ووسائل الاعلام تفعل ذلك بطريقة سوقية عن القيام به، بطريقة نبيلة؟ لماذا أحرم نفسي من هذا الأمر الجيد؟ هنا تكمن المسألة. { ما هو دور الراوية في رواية اLes Autresب. سؤال ينبغي أن يُطرح. هل الراوية ليست سوى »أذن«؟ هل هي مثل أولئك الذين تتحدث إليهم أم أنها مختلفة؟ انها مثلهم ومختلفة عنهم في الوقت عينه. لديها أيضا جنون ما، يحملها، وهذا الجنون هو ما تقوم به: الاستماع للآخرين وهم يتحدثون عن الجنس. أي أنها تضع نفسها في هذا الوضع. لكن ما يجعلها مختلفة عنهم، هو انها تصنع من ذلك كتابا، انها »قصة تماد« (= تحول خبز القربان وخمره الى جسد المسيح ودمه). ان التمادي، هو حين نؤمن بأن قطعة الخبز ليست سوى قطعة خبز وبأنها أيضا جسد المسيح. بيد ان الأمر مع ميراي دوما، هو انها قطعة خبز، وستبقى قطعة خبز. { بيد أن »المقلق« في الأمر، انها تعرف تماما »جنسانية« البشر. هذه المعرفة الحميمية، بالأحرى الداخلية، أليست هي ثمرة الكتابة؟ كما لو أن الكتابة عندك، كانت »تخصيص« حميمية الآخرين؟ بالتأكيد، ان الرواية تملك هذه المعرفة بالبشر. أما أنا فلا، لست كذلك. حين نستمع، نكون عندها في لحظة الكتابة وليس في لحظة إعلام، فما قيل لا أعرفه. يشبه الأمر لغة غريبة. الكاتب يتحدث لغة غريبة، وليس لغة عامة. انها لغة خاصة، بالمعنى المزدوج للكلمة. لكن قد نفهم هذه اللغة تماما، حين نذهب الى الخارج، لو تحدثنا مع أحد عن صداقة معه، فسنفهم ما نتبادله من كلام. { لو أن كل شخص في اLes Autresب يتحدث لغته كيف تفسرين توحد الأسلوب؟ أصبحت لغة الآخرين هي لغة الكاتب. { ثمة شيء يشبه مصاصي الدماء، كما في كتاب اVottobeب حيث الشخصية الرئيسية بحاجة الى ان يأتوا إليها، كي يحدثوها طيلة حياتهم. أليست الراوية عندك هي، بشكل ما، واقعة تحت تأثير المخدر المتواصل؟ الجملة الأولى في الرواية، كانت »ليست لديّ أفكار«. بالنسبة الى أحدهم، يكتب، فهذا أمر مميت. انه حيوي، إذاً، بالنسبة إليها، كي تقطف عبارات الآخرين. انها حاجة رهيبة. { هذه الحاجة تعود لتظهر في روايتيك الأخيرتين اSujet Angotب واLصincesteب.. الكاتب جسد قبل أي شيء. ان كان الجسد داخلا في قلب الكتابة، فعلى القراء بدورهم، ان يدفعوا ثمن ذلك، من أجسادهم. وهذا بالضبط ما ينبغي عدم القيام به. لذلك أبحث عنهم، جسديا. انهم لا يحبون ذلك. المزعج في ما أقوم به، هو هذا المزيج في شخصي كما في كتاباتي. { في مقالة لها، نشرتها في صحيفة »لوموند«، حول كتابك الأخير اLصincesteب تقول جوزيان سافينيو انك ستكسبين المعركة. أتظنين ذلك؟ أولا، مقالة سافينيو مقالة جميلة، لكن دعني أجيب عبر جملة من الكتاب: »أنا مجنونة، حقاً، أنا مجنونة. لن أمس سوى جمهور قليل من المعتوهين فيما لو استمررت..«. { هل ثمة تناقض في كلامك هذا؟ أبدا، انني أحضر كتابا جديدا، لأنني أسمح لنفسي بأن لا أستمع إلا لنفسي..

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة