As Safir Logo
المصدر:

خيــري شــلبي وافتقــاد البدايــات

المؤلف: بيضون عباس التاريخ: 2011-09-23 رقم العدد:11994

من الصعب أن نعيّن مكان خيري شلبي من الرواية العربية الراهنة، الصعوبة نفسها ستكون لو حاولنا مع أي روائي آخر، أكان مصرياً أم غير مصري. نحن مع كل هشاشة نقد الشعر في ثقافتنا نعتبر ان هذا النقد سار أشواطاً بالقياس إلى نقد الرواية، في الشعر ثمة ترسيمة أولية لأجيال في هذا الشعر. ثمة نقطة انطلاق هي الحركة الحديثة التي تراكم عليها أجيال يمكن التفريق بينها ويمكن تمييزها. نحن نقول ان هذه الحركة بدأت بفلان وفلان وإن هناك جيل الريادة الأول وإن هناك بالقياس إلى هذا الجيل جيلا ثانياً وربما ثالثاً، ستكون الترسيمة هكذا أسهل ولو أن الخوض في الأجيال قلما يفضي إلى نتائج. في الرواية نتعارف على أن نبدأ من نجيب محفوظ ولا نملك سبباً واضحاً لهذا التعارف. أما لماذا نبدأ من نجيب محفوظ وليس من محمود تيمور وإحسان عبد القدوس أو توفيق عواد فذلك ما لا نستطيع تفسيره. هل نجيب محفوظ هو الأحدث، بالقياس إلى ما إذا كان الرجل فعلاً بلزاكيا أو ستانداليا أو تشيخوفيا فهو في كل ذلك ليس الأحدث. وإذا كان لحق تيار الوعي في الرواية ونسج على غرار جويس وداريل فإننا لن نعتبره حديثاً الا بمقدار ما نعتبر التجريديين العرب حديثين بدون أن نلقي بالاً إلى ان التجريد بدأ في مطالع القرن العشرين، وإذا كان التجريديون حديثين فما بالنا مع التعبيريين والبوب أرت والواقعيين الجدد، وما بالنا بالتعبيريين الجدد والوحشيين الجدد، ثم ماذا سيكون حالنا مع فناني الانشاءات والفن المفهومي وفن الأداء. إذا عدنا إلى الشعر لوجدنا ان معاصرة الشعراء قد تتعدى معاصرة الروائيين فالرواد تأثروا بشعراء في زمنهم ووقتهم، وكانوا اليوتيين زمن إليوت وسيرياليين زمن السيريالية، لكن هذا هو أيضا حساب ملتبس فقد كانوا سيرياليين في نهايات السيريالية لا بداياتها وكانوا ويتمانيين بعد رحيل ويتمان وبالطبع كانوا بودليريين بعد بودلير ورامبويين بعد رامبو وتيرودويين بعد تيرودا ولوركيين بعد لوركا، ما بالنا لا نكاد نسمي كاتباً أو فناناً الا ونتبعه بأصيل غربي، فيكون الأصيل هو الغربي وغير الأصيل هو العربي. ماذا نعني بالأصالة وهي مفهوم شاع ودرج وغالباً بدون تعيين وتحديد. سار المفهوم في لغتنا الايديولوجية والسياسية والنقدية بدون أن يكون له إلا وظيفة شبه صوتية فحين تتكلم عن الأصالة نعني أشياء كثيرة ولا نعني شيئاً. وقد يكون ما نعنيه شعبويا شارعياً وقد يكون غير ذلك. والأرجح أننا قلما نصدر عن رؤية معنية. الأرجح أن لهذه الألفاظ جرسها في ثقافتنا ولها فقط لفظيتها، وقلما تعني شيئاً سوى إيجاب محض أو سلب محض، سوى المديح أو الهجاء. ان جهازاً بهذا العقم قلما يصلح لعيار شيء، أو تعيين شيء او محاكمة شيء، قلما، بعد كل ما قيل عن التأثر والأخذ والنسخ، لا نعرف حقاً ما هي محاور التأثر بالغرب الأدبي وأين هي محطاتها وما هي حقا أمثلتها وكيف جرى توظيفها وكيف تحولت في الكتابة العربية، إذ يبدو أن العرب قد يسهمون اسهاماً كبيراً في تاريخ التثاقف والأدب المقارن والتبادل الحضاري فيما لو أحسنوا العمل على هذا المجال وفيما لو قدرنا على تحويله إلى مادة تاريخية، وفيما لو استطعنا أن نقدم كتابة أكاديمية في معرض الأكاديميا. كتابة منهجية في معرض المنهج، كتابة تاريخية في معرض التاريخ. ربما أطلنا المقدمات والحق ان الكلام لا يعدو أن يخوض في مقدمات. علينا بادئ ذي بدء أن ترسو مقدماتنا على نصاب سليم، ربما هكذا نبدأ أو ننطلق من بدايات صحيحة، قد تكون الكتابة الأكاديمية بداية لا بد منها. قد يكون التأريخ بداية لا بد منها. قد يكون المنهج ولو مدرسيا، بداية لا بد منها، ذلك ان إنشاء ثقافة مدرسية صحيحة يفوتنا كما يفوتنا أي شيء سواه، إذا عدنا إلى تاريخ الأدب الحديث وجدنا أنفسنا في ما يشبه الضفر، خيري شلبي الذي غاب عنا منذ أيام يطرح غيابه المسألة نفسها. أين يقع تاريخ الرواية العربية وكيف نستطيع أن نقارن، على سبيل المثال، بين نجيب محفوظ الذي أقر على نفسه ان كان تلميذا للمنفلوطي، تلميذا لرجل قد لا نجمع على شيء اجماعنا على أنه لم يعد معاصراً منذ أمد طويل، كيف نقارن بين كاتب الثلاثية الشهيرة التي نستشف منه الأثر المنفلوطي واللغة المنفلوطية، وكاتب «وكالة عطيه» مثلاً أو «موال البيات والنوم»، هذا موضوع فعلي للنقد. موضوع مدرسي للنقد. قارن بين نجيب محفوظ وخيري شلبي مثلاً. مع بداية موجة الثمانينيات الروائية، بدأ نقد صارم للتجربة المحفوظية، كان في جزء منه تبريراً للموجة الجديدة لكنه لم يكن كله في معرض التبرير، لم يُعط هذا النقد اكله، إذ ما لبثت نوبل ان ردت نجيب محفوظ إلى ما فوق النقد ولم يعد الكتاب الجدد محتاجين إلى أن يميزوا أنفسهم عن الأب أو الجد، لم يكن عرض نجيب محفوظ على النقد الحديث سيؤدي، بالضرورة إلى الاقلال من قيمته الأدبية. كان لنقد كهذا ان يعلي من مستوى النقد نفسه. كان لنقد كهذا ان يبدأ المقدمات التي تحدثنا عنها، الآن بعد ان ضاع هذا النقد لمحفوظ وضاع معه النقد الروائي كله، لا نجد أنفسنا قادرين على المقارنة بين محفوظ وخيري شلبي، لا نجد أنفسنا قادرين على أن نبدأ الفباء النقد. لقد ضيعنا في معرض الحفاوة العربية ما كان علينا من دين للنقد. النقد الروائي او النقد بجملته. إذا كنا لا نستطيع أن نقارب بين نجيب محفوظ وخيري شلبي والفوارق جد واضحة بينهما، فكيف سيتسنى لنا ان نقارن بين خيري شلبي أو إبراهيم أصلان أو حسن داوود مثلاً وهم تقريباً من جيل واحد، كيف يمكننا والحال هذه ان نرسي تاريخا للرواية وأن نرسي معه نقداً روائياً، سنعود من هنا لنكشف أننا لم نصنع مع الابداع الروائي او الشعري المقدمات البسيطة لبحث مدرسي، مدرسي فحسب، في تاريخ هذه الانواع، الأمر الذي يسمح بأن نميز بين الأساليب ونميز بين الأنماط ونحدد الرفد الأدبي لهذا او ذاك. نحتاج والأمر هكذا إلى أساتذة، إلى مدرسين جيدين إلى مدرسة جيدة، إلى جامعة مقبولة، إلى أكاديمية فعلية. إلى بدايات منهجية، نعم بدايات فحسب، لأن ما نفتقده هو تقريباً البدايات، المقدمات، الأوائل، الألفباء.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة